الديمقراطية وهم: الوجهان اللذان يطمسان الهوية العراقية
الديمقراطية وهم: الوجهان اللذان يطمسان الهوية العراقية
ملاحظة تمهيدية:
هذا المقال يتجنب النبرة الشخصية، ويتخذ من الحالة العراقية نموذجاً مصغراً. الفرضية الأساسية هي: في العراق، لم تُنتج "الديمقراطية" إلا شكلاً هجيناً من الأبوية، ليست دينية فحسب، بل طائفية أيضاً. القوى الطائفية التي تتقاسم السلطة، بدعم من تدخلات إقليمية (خاصة إيران)، لا تعيد إنتاج الفساد عبر صناديق الاقتراع فحسب، بل تستنزف الهوية الوطنية العراقية الجامعة. وبالنسبة لليسار العراقي، تكمن المأساة في أنه كان تاريخياً الممثل الأكثر نموذجية للهوية الوطنية، لكنه اليوم منسي ومهمش في هذه اللعبة.
أولاً: الوجهان — ليسا تقييماً بسيطاً، بل هيكلان متعايشان
للديمقراطية العراقية بعد 2003 وجهان. الوجه الأول هو التداول السلمي للسلطة والانتخابات الدورية — وهو تقدم حقيقي مقارنة بعقود من الحكم الفردي والانقلابات. الوجه الآخر هو أن هذه الانتخابات لم تنتج حكومات تعكس إرادة الناخبين منذ البداية. النظام السياسي العراقي يقوم على المحاصصة الطائفية والقومية: منصب رئيس الوزراء للشيعة، ورئيس البرلمان للسنة، ورئيس الجمهورية للأكراد. هذه "القاعدة غير المكتوبة" أقوى من الدستور، وتحدد مسبقاً من سيحكم، بغض النظر عن نتائج الانتخابات.
في انتخابات 2025، حصل تحالف "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء السوداني على 46 مقعداً، ليحتل المرتبة الأولى. لكن هذا الفوز لم يمنحه الأغلبية المطلقة (البرلمان يتكون من 329 مقعداً). والأهم من ذلك، أن "الإطار التنسيقي" المكون من الأحزاب الشيعية أعلن بسرعة أنه سيشكل "الكتلة الأكبر"، وأوضح أن المعايير التي يستند إليها في اختيار رئيس الوزراء "تتطلب التشاور مع جميع الأطراف". هذا يعني أن الفائز في الانتخابات لا يصبح بالضرورة رئيساً للوزراء. عام 2010، حصلت قائمة علاوي على أكبر عدد من المقاعد، لكن المالكي احتفظ بمنصبه عبر التحالفات؛ وفي 2018، حصل التيار الصدري على المرتبة الأولى، لكن رئيس الوزراء في النهاية كان عبد المهدي الذي جاء عبر التوافقات. المشكلة إذن ليست في أن الديمقراطية "غير كاملة"، بل في أن الديمقراطية قد اختُطفت منذ البداية كإطار لتوزيع الحصص بين النخب الطائفية.
ثانياً: الأبوية الطائفية — كيف تُستنزف الهوية العراقية
ان "التعاون مع إيران لطمس الهوية العراقية" له أساس واقعي في الخطاب العراقي. يشير المحللون إلى أن إيران تسعى من خلال دعم الميليشيات والاختراق السياسي إلى إضعاف الهوية الوطنية العراقية الجامعة واستبدالها بهوية طائفية. وتتجلى هذه العملية على مستويات متعددة:
على المستوى السياسي:
الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، عبر آليات "الإطار التنسيقي"، تسيطر فعلياً على قرار تشكيل الحكومة. في الانتخابات الأخيرة، برزت قوائم مثل "صادقون" (التابعة للخزعلي) و"بدر" (التابعة للعامري) و"حقوق" (التابعة لكتائب حزب الله) داخل البرلمان، مما يعكس تعزيز حضور الفصائل المسلحة في المؤسسات، في مقابل تراجع تمثيل القوى المدنية والليبرالية. هذه القوى لا تمثل "الطائفة الشيعية"، بل تمثل شبكات مصالح ضيقة، لكنها تحتكر التمثيل الشيعي باسم الطائفية.
على المستوى المعيشي:
الفساد والانهيار الخدمي ليسا "مشكلة إدارة" فقط، بل نتيجة حتمية للنهج الطائفي. صرح السوداني في خطاب وداعه أن معدل الفقر انخفض من 25% إلى حوالي 10%. لكن الأرقام المستقلة تُظهر أن العراق خسر خلال الفترة من 2003 إلى 2020 ما متوسطه 35 مليار دولار سنوياً بسبب الفساد، أي ما مجموعه 600 مليار دولار؛ وبإضافة السنوات الخمس التالية، قد يصل الإجمالي إلى 776 مليار دولار. في صيف 2026، شهدت البصرة وواسط والمثنى وغيرها احتجاجات متتالية بسبب انقطاع الكهرباء، وأطلق المتظاهرون في الزبير شعارات تطالب باستثناء قضاءهم من "نظام البرمجة"، لأن هذه المنطقة المنتجة للنفط "تعاني من أمراض خطيرة بسبب الانبعاثات الغازية، بينما ينسى المسؤولون السكان بعد الانتخابات". هذه ليست أزمة خدمات، بل هي استنزاف منظم: الفائزون بالسلطة عبر المحاصصة لا يحتاجون إلى كسب تأييد الناخبين عبر الخدمات، بل يحتاجون فقط إلى الحفاظ على حصصهم.
على المستوى الرمزي:
في مراسم عاشوراء، رفع زوار إيرانيون أعداداً كبيرة من الأعلام الإيرانية وصور القادة الإيرانيين في المدن العراقية، مما أثار غضب العراقيين، وأطلق ناشطون حملات لتوزيع الأعلام العراقية بهدف "استعادة الرمز الوطني" في الفضاء الديني. هذا ليس خلافاً حول الطقوس، بل صراع حول أي هوية يجب أن تكون الأكثر بروزاً في الفضاء العام.
ثالثاً: ماذا يعني هذا لليسار العراقي؟
نتحدث: "الشعب العراقي يتصف باليسار بالغالب." هذا صحيح في بعد معين — اليسار في الثقافة العراقية له حضور عميق. الحزب الشيوعي العراقي، منذ تأسيسه عام 1934، كان المدافع عن حقوق العمال والفلاحين والمرأة والقوميات، وكانت قاعدته الجماهيرية تمتد عبر الطوائف والقوميات. لكن بعد 2003، ومع صعود الإسلام السياسي والتدخلات الإقليمية، فقد اليسار "الحاضنة الاجتماعية" التي كان يتمتع بها بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وحل محله الخطاب الطائفي والعشائري. لكن اليسار لم يختف تماماً. في عام 2026، لا تزال منظمات الحزب الشيوعي العراقي تظهر في الاحتجاجات: في المثنى، رفع أعضاء الحزب لافتات تأييد لمطالب المزارعين، وأشاد المشاركون بـ"ريادة الحزب في دعم مطالب المتظاهرين". لكن هذا الحضور هو حضور "صوت أخلاقي"، وليس حضور "قوة انتخابية". في الانتخابات، تحالف "إشراقة كانون" الذي يضم شخصيات مدنية ومستقلة حصل على 8 مقاعد فقط، بينما حصلت القوائم الكبيرة الطائفية على عشرات المقاعد. المشكلة ليست في أن اليسار لا يملك خطاباً، بل في أن الناخب في النظام الطائفي لا يصوت بناءً على "البرنامج" أو "الهوية الوطنية"، بل بناءً على "من سيمثل طائفتي". وبالتالي فإن الأصوات التي حصل عليها اليسار في الماضي، استوعبتها القوى الطائفية. فالمأساة تكمن هنا: اليسار العراقي يمتلك الشرعية التاريخية لـ"الهوية الوطنية" — مناهض للاستعمار، مؤيد للعلمانية، داعم لحقوق المرأة، مدافع عن القوميات — لكن هذه الشرعية لا يمكن تحويلها إلى أصوات في ظل المحاصصة الطائفية.
رابعاً: كيف يمكن لليسار العراقي إعادة بناء نفسه؟
هذا هو السؤال الأصعب. بناءً على الواقع الحالي، يمكن التفكير في ثلاث اتجاهات:
الاتجاه الأول:
العودة إلى الحركة الاحتجاجية، وعدم الاقتصار على الانتخابات. انتفاضة تشرين 2019 أثبتت أن هناك إمكانية لتجاوز الانقسامات الطائفية في الشارع العراقي — شعار "نريد وطناً" لم يكن له طابع طائفي. لكن احتجاجات 2026 كانت "متفرقة ومهنية ومحلية"، ولم تشكل موجة وطنية موحدة. مهمة اليسار ليست قيادة الاحتجاجات، بل تقديم إطار تحليلي: ربط أزمة الكهرباء بالمحاصصة، وربط البطالة بالفساد، وربط "شراء الأصوات" بفشل نظام الحكم بأكمله. هذا الإطار موجود بالفعل بشكل متقطع في صحيفة "طريق الشعب" وغيرها من المنابر، لكنه لم يتحول بعد إلى قوة سياسية.
الاتجاه الثاني:
استغلال لحظات الأزمة النظامية. الأزمة المالية هي نقطة ضعف نظام المحاصصة. يعتمد العراق على النفط بنسبة 90% إلى 98% من الإيرادات، والانخفاض الحاد في أسعار النفط سيؤدي مباشرة إلى أزمة رواتب. في مثل هذه اللحظات، يصبح الحديث عن "توزيع الحصص" بلا معنى، لأن ما يمكن توزيعه قد نفد. يجب على اليسار أن يكون مستعداً بهدف واضح: ليس مجرد "إسقاط الحكومة"، بل "إلغاء المحاصصة". هذا الهدف يجب أن يُطرح قبل الأزمة، لا بعدها.
الاتجاه الثالث:
إعادة بناء الروابط مع الشباب. أكثر من 60% من السكان تحت سن الثلاثين، والبطالة المرتفعة تجعل الشباب يشعرون بأن "الطريق إلى الوظيفة يمر عبر الواسطة أو الانتماء السياسي". هؤلاء الشباب ليسوا بالضرورة "يساريين"، لكنهم غاضبون من المحاصصة. اليسار يحتاج إلى تقديم شيء ملموس: دعم تنظيم النقابات العمالية، وتقديم المساعدة القانونية لضحايا الفساد، والمشاركة في الاحتجاجات المحلية (مثل قضية المزارعين، وقضية رواتب الأطباء). هذه الأعمال لا تحقق نتائج انتخابية فورية، لكنها تعيد بناء الثقة — وهي العملة الوحيدة التي يفتقر إليها اليسار اليوم.
خاتمة: الوجهان لعملة واحدة، لكن اليد التي تحملها هي المشكلة
الديمقراطية العراقية تحمل وجهين: وجه يمنح صوتاً وحرية نسبية وتداولاً سلمياً، ووجه يبيع الصوت نفسه في السوق. المشكلة ليست في العملة ذاتها، بل في اليد التي تتداولها: يد المال السياسي، ويد المحاصصة، ويد السلاح خارج الدولة، ويد التدخل الإقليمي. فالمثقف اليساري الذي يرى أن السلبيات أكثر من الإيجابيات ليس مخطئاً في تشخيصه. لكن الخطأ سيكون في الاستنتاج أن الحل هو إلغاء الصندوق. الحل هو جعل الصندوق يعبر عن إرادة حرة فعلاً، لا أن نتركه لمن يشتريه. النقد الجذري للديمقراطية المشوهة لا يعني التخلي عن الديمقراطية، بل يعني الإصرار على أنها تستحق أن تكون شيئاً آخر غير هذا. في العراق، هذا "الشيء الآخر" له اسم محدد: دولة مدنية، لا محاصصة فيها، ولا ميليشيات، ولا تدخل خارجي. اليسار لم يعد يملك القوة لتحقيق ذلك بمفرده، لكنه يستطيع على الأقل أن يظل يذكر الناس بأن هذا ليس مستحيلاً — وأن ما يعيشونه اليوم ليس ديمقراطية، بل وهم.

تعليقات
إرسال تعليق