المشاركات

التصوف حين يتحول إلى عزلة: قراءة نقدية في فهمٍ يناقض إرادة الاستخلاف

صورة
  التصوف حين يتحول إلى عزلة: قراءة نقدية في فهمٍ يناقض إرادة الاستخلاف بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي       منذ القدم، ظلّ التصوف واحدًا من أكثر الظواهر الروحية تأثيرًا في حياة الإنسان، لأنه عبّر عن حاجة النفس إلى الطمأنينة والمعنى وسط صخب العالم واضطرابه. وقد حمل التصوف، في كثير من تجاربه النبيلة، دعوةً إلى تهذيب النفس، وتحرير الإنسان من الجشع والكراهية والأنانية، والارتقاء بالقيم الأخلاقية نحو الرحمة والمحبة والتسامح. غير أن المشكلة لا تكمن دائمًا في الفكرة ذاتها، بل في تحوّلها أحيانًا إلى حالة من التطرف الروحي الذي يدفع الإنسان إلى الانسحاب من الحياة، والركون إلى العزلة، والتخلي عن دوره في إعمار الأرض وخدمة المجتمع .      إن بعض الاتجاهات الصوفية بالغت في تمجيد الانقطاع عن العالم حتى بدا العمل الدنيوي وكأنه مرتبة أدنى من التأمل الروحي، مع أن النصوص القرآنية تؤكد عكس ذلك تمامًا. فالقرآن لم يخلق الإنسان ليكون كائنًا معزولًا عن حركة الحياة، بل جعله خليفةً في الأرض، مسؤولًا عن البناء والعمل والإصلاح. ولهذا جاءت الآية الكريمة : ﴿وَلَا تَنْ...

قصيدة المصابيحُ المبتلة

صورة
  نبذة تمهيدية    النص الآتي ينتمي إلى فضاء قصيدة النثر الوجدانية، حيث تتداخل فيه صورة الشاعر مع المدينة والشارع والضوء والظلمة، ليولد من هذا التداخل شعورٌ بالتيه الداخلي والاغتراب النفسي. وهو نصّ يقوم على الرمزية والانفعال أكثر من اعتماده على السرد المباشر، فتتحول الكلمات إلى كائناتٍ متعبة، والمصابيح إلى أرواحٍ مبتلة بالحزن، بينما يبدو الشاعر كمن يسير في طرقات الحياة مثقلًا بخيباته وأسئلته وآهاته. إنها محاولة شعرية لرسم عزلة الإنسان حين تصبح الكتابة مرآةً للضياع، وصوتًا خافتًا لروحٍ تبحث عن ذاتها وسط العتمة . عدنان الطائي قصيدة المصابيحُ المبتلة تسكعتْ كلماتي على أسطرِها وأضواءُ مصابيحي مبتلةٌ تَعِضُ الشوارعُ أشواقي أقدامي محَتْ أرصفةَ أوراقي وأغنيتي تتلوى مع أقداحي ودموعي معلقةٌ كالتمائمِ على نوافذِ ظلمتي حتى تنتهي أوراقي وينتهي تسكعي كلماتي لم تمنحني سوى آهاتٍ وضياعٍ

قصيدة لا ترحلي

صورة
  فقرة تمهيدية      حين يصبحُ الحبُّ قدرًا، لا يعودُ الفراقُ مجرّدَ غيابٍ عابر، بل زلزالًا يهزُّ أعماقَ الروح، ويتركُ القلبَ معلقًا بين الرجاءِ والانكسار . في هذه القصيدة يبوحُ العاشقُ بما يعتملُ داخله من خوفِ الرحيل، ووجعِ الاشتياق، وتمزقِ الروح أمام صمتِ الحبيبة وابتعادها. إنها قصيدةٌ وجدانية تنتمي إلى فضاءِ الشعر الحر، تمتزجُ فيها حرارةُ العاطفة مع موسيقى التكرار، ليغدو النداءُ «لا ترحلي» أشبهَ بأنينِ قلبٍ يبحثُ عن خلاصه الأخير في عيني من أحب . عدنان الطائي   قصيدة لا ترحلي لا ترحلي..‏ مازالَ نجمكِ ساطعا براقا لا ترحلي..‏ وأنتِ لجرحيَّ من الجوى ترياقا‏ لا ترحلي..‏ وطيفكِ سيغرقُ وجدِي إغراقا لا ترحلي..‏ وروحي يُمزقُها الشوقُ أشلاءً لا ترحلي..‏ وتجعليني حبيسَ عزلتي وحيدًا كالميتِ بين الناسِ أمواتًا لا ترحلي..‏ ورنينُ صوتكِ أيقظَ حُلمي ‏ ولهاثُ همسكِ أنعشَ قلبي ‏ وتاقتْ الروحُ لكِ اشتياقا لا ترحلي..‏ أنتِ سرُّ وجودي وكينونتي ‏ ونور عيني وقناديلُ حبيّ ‏ كيف أكونُّ سعيدا؟ ‏ وأنا حزينٌ لبعادكِ ليلَ نهارا‏ وفلسفة...

السُّبوع بين الأسطورة والتراث الشعبي

صورة
  السُّبوع بين الأسطورة والتراث الشعبي هل هو طقس وثني أم ذاكرة حضارية؟ بقلم الباحث عدنان الطائي       منذ فجر الحضارات، لم تكن ولادة طفل حدثًا عاديًا في حياة الإنسان، بل لحظةً تختلط فيها مشاعر الفرح بالخوف، والأمل بالحذر، لذلك أحاطت الشعوب القديمة المولود الجديد بسلسلة من الطقوس والرموز التي اعتقدت أنها تمنحه الحماية والبركة وتدفع عنه الشرور. ومن بين هذه الطقوس برز “السُّبوع” المصري بوصفه واحدًا من أقدم الاحتفالات الشعبية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الاجتماعية حتى اليوم . ويُعدّ السُّبوع من العادات المتوارثة منذ الحضارة الفرعونية، حيث ارتبط بطقوس رمزية عديدة مثل دقّ الهون، وهزّ الغربال، ورشّ الملح والحبوب، وإشعال البخور، والطواف حول المولود بالشمع والأغاني الشعبية. وكان المصري القديم يرى في هذه الطقوس وسائل لحماية الطفل من الحسد والأرواح الشريرة، وضمان حياة سعيدة ورزق وفير له . غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا : أليست هذه الطقوس من بقايا الأساطير والمعتقدات الوثنية التي رفضتها الديانات السماوية لاحقًا؟    الحقيقة أن كثيرًا من هذه الطق...

مسلسل (عظماء خلدهم التاريخ) الحلقة الرابعة المفكر والفيلسوف الساخر الفرنسي فولتير

صورة
  مسلسل (عظماء خلدهم التاريخ) وجوهٌ لا تموت… لأن الفكرة لا تموت بعضُ الرجال يموتون حين تتوقف قلوبهم … وآخرون يبدأون حياتهم الحقيقية بعد الرحيل . الحلقة الرابعة: المفكر والفيلسوف الساخر الفرنسي فولتير الرجل الذي حارب الظلام بالقلم بقلم الباحث العراقي: عدنان مهدي الطائي   مقدمة افتتاحية    في عصورٍ كان العقل فيها يُحاكم، والكلمة تُعدُّ جريمة، والاختلاف يُقابَل بالنار والسجون، ظهر رجلٌ نحيل الجسد، ساخر اللسان، حادُّ الذكاء، ليعلن أن الفكر لا يمكن تقييده إلى الأبد . ذلك الرجل كان فولتير؛ الفيلسوف الذي جعل من قلمه سيفًا ضد التعصب، ومن سخريته محكمةً تكشف نفاق السلطة والكهنوت . لم يكن ثائرًا يحمل بندقية، بل كان ثائرًا يحمل عقلًا. آمن أن حرية الإنسان تبدأ بحرية التفكير، وأن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر، بل الخوف من السؤال. ولهذا عاش مطاردًا، وسُجن، ونُفي، وأُحرقت بعض كتبه، لكنه بقي يكتب كأن الكتابة فعل مقاومةٍ مقدس . لقد كان فولتير أحد أبرز وجوه عصر التنوير الأوروبي، وواحدًا من أولئك الذين مهدوا الطريق لعصرٍ جديد يقوم على العقل وحقوق الإنسان وحرية الضمير . ...

مسلسل (عظماء جلدهم التاريخ)الحلقة الثالثة: الاديب والشاعر اللبناني جبران خليل جبران

صورة
  مسلسل (عظماء خلدهم التاريخ) وجوهٌ لا تموت… لأن الفكرة لا تموت بعضُ الرجال يموتون حين تتوقف قلوبهم … وآخرون يبدأون حياتهم الحقيقية بعد الرحيل . الحلقة الثالثة: الاديب والشاعر اللبناني جبران خليل جبران النبيّ الذي جعل من الكلمة صلاةً ومن الحزن جناحين بقلم الباحث العراقي : عدنان مهدي الطائي مقدمة افتتاحية    ليس كلُّ الكتّاب يكتبون بالحبر، فبعضهم يكتب بشيءٍ يشبه الضوء . وحين يُذكر جبران خليل جبران، لا نستحضر مجرد أديبٍ أو شاعرٍ مهاجر، بل روحًا قلقة حملت الشرق في قلبها، وسارت به نحو العالم. كان رجلًا كلما ضاقت به الأرض احتمى بالكلمة، وكلما أثقله الواقع لجأ إلى الحلم، حتى صار صوته أشبه بنايٍ حزين يعبر الأزمنة ولا يشيخ . لقد عاش جبران بين عالمين؛ بين جبال لبنان الصامتة، وصخب الحضارة الأمريكية، فخرج من هذا التمزق برؤية إنسانية جعلته واحدًا من أكثر أدباء الشرق تأثيرًا في العالم. لم يكن واعظًا دينيًا، ولا فيلسوفًا تقليديًا، بل إنسانًا يبحث عن الحرية والمحبة والجمال والحقيقة، مؤمنًا بأن الإنسان أكبر من الطوائف، وأسمى من التعصب، وأن الروح لا تزدهر إلا بالمحبة . ...