المشاركات

الكاتب الحقيقي لا يجلس على برج عاجي

صورة
  الكاتب الحقيقي لا يجلس على برج عاجي بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي (الكاتب الذي يعلو على الناس يفقد صوته، أما الذي يصغي إليهم فيكتب ما يبقى . (     ليس أخطر على الأدب من الكاتب الذي يظن أنه بلغ الكمال. فحين تتحول الكتابة إلى شعور بالتفوق، تفقد الكلمة روحها، ويتحول النص من مساحة للحوار إلى منصة للوعظ. إن الأدب الحقيقي لم يكن يوماً سلطة يمارسها الكاتب على الآخرين، بل تجربة إنسانية مشتركة يتعلم فيها الكاتب بقدر ما يعلّم، ويصغي بقدر ما يكتب .     في المشهد الأدبي كثيراً ما يقال إن بعض الكتّاب يعيشون في برجٍ عاجي؛ تلك الاستعارة التي تصف الكاتب الذي يعزل نفسه عن الآخرين، ويتعامل مع الكلمة وكأنها امتياز خاص لا يملكه سواه. غير أن التجربة الإنسانية، كما يثبت تاريخ الأدب، تقول شيئاً مختلفاً تماماً: الكاتب الحقيقي لا يجلس على برج عاجي، بل يسير بين الناس ويتعلم منهم بقدر ما يكتب لهم .     فالكتابة في جوهرها ليست إعلاناً للتفوّق، بل محاولة دائمة لفهم العالم. الكاتب لا يكتب لأنه امتلك الحقيقة، بل لأنه يبحث عنها. وكل نص يولد ...

قراءة نقدية أدبية للقصيدة (قبل ان يطلق السهم)

صورة
  قراءة نقدية أدبية للقصيدة (قبل ان يطلق السهم) بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي يمكن قراءة ال قصيدة كالشعر النثري ( Before the Arrow) بوصفها نصًا تأمليًا ينتمي إلى ما يُعرف في الأدب التأملي (Meditative Prose Poetry) ، حيث لا يعتمد النص على الإيقاع الوزني بقدر ما يعتمد على الإيقاع الفكري والصورة الفلسفية . تبدأ القصيدة بفكرة إنسانية عميقة :    أن الإنسان يقضي نصف حياته وهو يتعلم لغة الحذر . وهذه الفكرة تضع القارئ مباشرة أمام إشكالية وجودية، وهي أن المجتمع غالبًا ما يربي الإنسان على الخوف المنظم لا على المغامرة . ثم تتطور الصورة الشعرية عبر استعارة جميلة : الشاطئ بوصفه رمزًا للأمان، مقابل الأفق والنجوم بوصفهما رمزًا للمجهول والطموح. وهنا يصبح الإنسان واقفًا بين عالمين : عالم السلامة المحدودة، وعالم المعنى الذي يتطلب المخاطرة . في المقطع الأخير تصل القصيدة إلى ذروتها الدلالية، حين تتحول الحياة نفسها إلى لحظة قرار، ويصبح الفعل الإنساني أشبه بإطلاق سهم أو shot في فضاء الوجود . وهذا التحول يمنح القصيدة بعدًا فلسفيًا قريبًا من التأملات الوجودية ال...

مرثية شعر نثري (ابني الذي ترك قلبه معي)

صورة
  مرثية شعر نثري (ابني الذي ترك قلبه معي) (أصعب اشتياق هو إن تشتاق لقطعه من قلبك موجودة في مكان آخر) بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي    أبحثُ عنك … لا في الطرقات التي عرفتها أقدامنا، ولا في الغرف التي مرَّ فيها صوتك، بل في تلك المسافة الغامضة بين القلب والذاكرة . أبحثُ عنك حلمًا يمرُّ خفيفًا على جفون الليل، ولحنًا قديمًا كان يسكنُ أعماق الروح كلما ضاقت بي الحياة . أبحثُ عنك في داخلي، في ذلك المكان الذي لا تصل إليه يدُ الغياب، حيثُ تركتَ أثرَك مثل نجمٍ صغير ظلَّ مضيئًا حتى بعد أن غابت السماء . لا أخشى الموت إن جاءني يومًا على مهل، فأنا منذ زمن تركتُ عندك فؤادي أمانة، وتركتُ أحلامي تمشي في خطاك . وما زالت تلك الأحلام راسخةَ الأقدام تمضي في الزمن كشجرةٍ ضاربةٍ في الأرض لا يقتلعها الرحيل . يا فلذةَ كبدي … كيف يمكن للأب أن ينسى قطعةً من قلبه وقد خرجت منه لتصير حياةً أخرى؟ أنتَ لم تكن مجرد ابن، كنتَ امتدادَ الروح وصدى الأيام الجميلة حين كان المستقبل يفتح لنا أبوابه مثل صباحٍ مشرق . كنتَ شمسًا تتوسط سمائي، تملأ نهاري دفئًا ونورًا . وكنتَ قمرًا يجلس م...

الفرق بين القراءة التحليلية والقراءة النقدية (قراءة في وجهين لعملة واحدة في فهم النص الأدبي)

صورة
  الفرق بين القراءة التحليلية والقراءة النقدية (قراءة في وجهين لعملة واحدة في فهم النص الأدبي) بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي   ليس النص الأدبي جسداً صامتاً نمرّ به مرور العابرين، بل كائن حيّ يتنفس في اللغة ويستيقظ في وعي القارئ. وكل اقتراب منه هو نوع من الحوار الخفي بين عقلين: عقل الكاتب الذي صاغ التجربة، وعقل القارئ الذي يحاول أن يعيد اكتشافها. وفي هذا الحوار تتشكل طريقتان من القراءة كثيراً ما يُظن أنهما منفصلتان : القراءة التحليلية والقراءة النقدية . غير أن التأمل العميق يكشف أن العلاقة بينهما ليست علاقة قطيعة، بل علاقة تكامل؛ إنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، لا يمكن لأحدهما أن يكتمل دون الآخر .    فالقراءة التحليلية هي اللحظة الأولى التي يقترب فيها العقل من النص. إنها أشبه بمحاولة الإصغاء إلى نبض اللغة من الداخل. هنا يبدأ القارئ بتفكيك البناء الفني للنص؛ يراقب حركة الكلمات، ويتأمل الصور، ويتتبع الإيقاع والمعنى، ويحاول أن يفهم كيف تتشابك هذه العناصر لتصنع ذلك الكيان الذي نسميه "النص ". في هذه المرحلة يكون القارئ مثل من يقف أمام لوحة فن...

الفراشة في القفص هوس الامتلاك ومأساة الحرية في رواية "الجامع

صورة
    الفراشة في القفص هوس الامتلاك ومأساة الحرية في رواية "الجامع ) الجمال لا يموت حين يُقتل، بل حين يُسلب حريته . ( بقلم : الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي ملخص قصة الجامع ( The Collector )   هي رواية ظهرت في ستينيات القرن العشرين وشاهدتها آنذاك في احدى دور السينما العراقية ، كتبها الروائي البريطاني جون فاولز عام 1963. وهي قصة نفسية مظلمة تتناول هوس الامتلاك والعزلة الإنسانية. وفيما يلي تلخيصها :     كان فريدريك شابًا خجولًا يعيش حياة هادئة ومنعزلة. لم يكن لديه أصدقاء تقريبًا، وكان يقضي معظم وقته في جمع الفراشات والاعتناء بها. كان يرى في هذه الهواية جمالًا خاصًا؛ فالفراشة بالنسبة له شيء جميل يمكن الاحتفاظ به إلى الأبد . في أحد الأيام فاز بمبلغ كبير من المال، فتغيرت حياته. لكن بدلاً من أن يفتح هذا المال أبواب العالم أمامه، فتح باب هوسٍ قديم كان يسكن قلبه . كان فريدريك معجبًا منذ زمن بفتاة شابة جميلة تدعى ميراندا، طالبة فنون حرة الروح. كان يراقبها من بعيد ويعتقد أنها تشبه الفراشات التي يجمعها: جميلة، نادرة، ويجب أن تكون في حوزته . ...