المشاركات

التحطيب المصري والساس العراقي هل تحتفظ الذاكرة الشعبية بجذور حضارية مشتركة؟

صورة
  التحطيب المصري والساس العراقي هل تحتفظ الذاكرة الشعبية بجذور حضارية مشتركة؟ بقلم: عدنان مهدي الطائي    ليست الألعاب الشعبية مجرد وسائل للتسلية أو الترفيه، بل هي سجل ثقافي حيّ يحتفظ في تفاصيله بآثار الحضارات القديمة، وينقلها من جيل إلى آخر دون أن يشعر الناس أحيانًا أنهم يمارسون طقسًا يعود إلى آلاف السنين. ومن بين هذه الألعاب ما يعرف في صعيد مصر بـالتحطيب، وفي بعض مناطق العراق بـالساس، وهما لعبتان تقومان على المبارزة بالعصا أو السلاح ضمن إطار احتفالي ترافقه الموسيقى والرقص الشعبي .    في صعيد مصر يؤدي رجلان مبارزة بالعصا الغليظة، التي تعرف محليًا بـ"النبوت"، وسط دائرة من الرجال وعلى أنغام المزمار البلدي والطبل، في مشهد يجمع بين المهارة والشجاعة والانضباط. ولا يقصد من هذه المبارزة إلحاق الأذى بالخصم، وإنما إبراز سرعة الحركة، ودقة التوازن، واحترام المنافس، لذلك أصبحت جزءًا من طقوس الأفراح والمناسبات الاجتماعية، ورمزًا للفروسية والرجولة .     أما في العراق، ولا سيما في بعض مناطق الفرات الأوسط والجنوب، فتعرف لعبة مشابهة باسم الساس، حيث يتقاب...

قصيدة صوفية (ترانيم الوجد)

صورة
  قصيدة صوفية (ترانيم الوجد) المقدمة: بحرُ البسيطِ ونبضُ القلبِ في ترانيمِ الوُجودْ     تأتي هذه القصيدةُ الموسومةِ بـ "ترانيمِ الوجدِ" على بحرِ البسيطِ الخليلِي، ذلك البحرِ الرحبِ الذي اعتادتهُ قصائدُ المدحِ والمناجاةِ، لتسبحَ في فضاءٍ صوفيٍّ شفيفٍ، حيثُ يختلطُ الذكرُ بالدمعِ، والوجدُ بالفناءِ . حيث يقصدُ الشاعرُ من خلالِ أبياتِها إلى كشفِ عُمقِ العلاقةِ بينَ العبدِ وربِّه، متجاوزاً عبادةَ الأشكالِ إلى شهودِ النورِ والحُسنِ الأزليِّ. الملامحُ الأساسيةُ للمقاصدِ فيها تتمثلُ في :  التناقضِ الجماليِّ بينَ الموتِ والحياةِ (فالموتُ في الذاتِ الإلهيةِ هو عينُ البقاءِ)، ومحوِ الأنا (فالحبُّ عندَه فناءُ النفسِ)، والقربِ الوجوديِّ الذي يفوقُ قربَ حبلِ الوريدِ وهي مستوحاة من قوله تعالى: (انه اقرب من حبل الوريد) إنها ليست مجردَ قصيدةٍ، بل هي سُلَّمٌ روحانيٌّ يصعدُ بالمتلقي من عالمِ الأطلالِ والجسدِ إلى عالمِ السرِّ والنَّسَمِ، حيثُ يصيرُ الدمعُ نغماً، والذاتُ مرآةً للذاتِ العُليا . القصيدة أمِنْ تذكّرِ وجهِ الحقِّ في الحُلَمِ سَكبتُ دمعي...

من التمرد على العبث إلى صناعة المعنى قراءة في تطوير فلسفة ألبير كامو

صورة
  من التمرد على العبث إلى صناعة المعنى قراءة في تطوير فلسفة ألبير كامو بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي    منذ أن أعلن ألبير كامو أن الإنسان يعيش في عالم عبثي، وأن خلاصه لا يكون بالاستسلام ولا بالانتحار، بل بالتمرد على هذا العبث، أصبحت فلسفته واحدة من أهم الفلسفات الوجودية في القرن العشرين. فالإنسان، عند كامو، لا ينتظر أن تمنحه السماء معنىً جاهزًا، وإنما يخلق معنى حياته بنفسه، ويواصل السير رغم إدراكه أن الكون لا يقدم إجابات نهائية .     لقد كان هذا التحول الفلسفي ثورة على اليأس، لكنه بقي في جوهره يدور حول الإنسان بوصفه فردًا يبحث عن معنى وجوده. فالتمرد عند كامو يمنح الذات قوة الاستمرار، لكنه لا ينتقل بالضرورة إلى تأسيس مشروع حضاري يجعل هذا المعنى ملكًا للآخرين .     ومن هنا يمكن اقترح خطوة فلسفية جديدة، لا تنقض رؤية كامو، بل تتجاوزها. فإذا كان الإنسان قادرًا على أن يمنح حياته معنىً، فلماذا يقف هذا المعنى عند حدود الذات؟ ولماذا لا يتحول إلى قيمة إنسانية مشتركة، تُسهم في بناء المجتمع وتوسيع أفق الحضارة؟ إن المعنى الحقيقي لا يبلغ ...

قصيدة (الحنين بين الذاكرة والوجود)

صورة
  قصيدة (الحنين بين الذاكرة والوجود) الشاعر عدنان الطائي    صديقي القارئ، قبل أن تغوص في أعماق هذه القصيدة، أقدم لك هذه المقدمة الموجزة لتكون دليلاً يضيء لك مكنوناتها. تنتمي القصيدة إلى البحر الكامل الخليلي، الذي يمنح إيقاعها موسيقى متدفقة تليق بجوهرها الباكي والحزين. يقف الشاعر على أطلال الذاكرة، يستحضر دار الأحبة ويصارع مشاعر الشوق والندم التي استيقظت بعد رقود طويل، متوسلاً صوراً بلاغية تتراوح بين استفهام الليل ومناجاة ريح نجد، وصولاً إلى تشبيه ضياع الوعد بانطفاء النجوم. يغلب على النص جو من الألم المتأمل، مزج فيه الحسّ بالغيب، وجعل من الطيف والريح وسيطاً بينه وبين زمنه الضائع. وأخيراً، يُجسّد عنوانه الثنائي (الحنين بين الذاكرة والوجود) صراعاً وجودياً بين استحالة العودة إلى الماضي ومرارة الحاضر، ليصوّر لنا لوعة التمزق بين الذكرى والواقع، فتكون القصيدة مرآةً صادقة لكل قلبٍ يعرف طعم الغياب. القصيدة أمنْ لواعجِ شوقٍ بعدهمْ ندمِ تُحيي فؤادًا غفا في ظلمةِ العدمِ؟ يا دارَ من قد سَكَنّاها على ثقةٍ ما زالَ طيفُهمُ يسري على القِممِ كم مرَّ ليلٌ، ودمعُ العينِ يَسألُني...

المسرح الجماعي والمونودراما في المدرسة: دراسة مقارنة في الأهداف التربوية والفنية

صورة
  على هامش مقالة الدكتور كمال يونس المسرح الجماعي والمونودراما في المدرسة: دراسة مقارنة في الأهداف التربوية والفنية الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي نبذة تاريخية عن نشأة المونودراما     تُعدُّ المونودراما (Monodrama) من الأشكال المسرحية التي تقوم على أداء ممثل واحد يتحمل مسؤولية العرض بأكمله، مجسدًا شخصية واحدة أو عدة شخصيات، ومعتمدًا على المونولوج، والحوار الداخلي، واستحضار الشخصيات الغائبة عبر الذاكرة أو الخيال . وتعود جذور هذا الفن إلى البدايات الأولى للمسرح الإغريقي، حيث كانت المونولوجات الطويلة جزءًا من البناء الدرامي، إلا أن المونودراما لم تتبلور بوصفها جنسًا مسرحيًا مستقلًا إلا في أوروبا خلال أواخر القرن الثامن عشر، ثم أخذت تتطور في القرن التاسع عشر، لتبلغ ذروة حضورها في القرن العشرين مع ازدهار المسرح التجريبي والوجودي، الذي جعل الإنسان الفرد محورًا للصراع الدرامي، وركز على أزماته النفسية والوجودية وعلاقته بالعالم وقد انتقلت المونودراما إلى المسرح العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وشهدت انتشارًا ملحوظًا في المهرجانات المسرحية، لما تمتاز به من...

كربلاء: طريق الحرية والإباء قراءة في ملحمة الوعي الإنساني ضد كل أشكال الطغيان

صورة
      كربلاء: طريق الحرية والإباء قراءة في ملحمة الوعي الإنساني ضد كل أشكال الطغيان بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي   من منطلق قول الإمام الصادق عليه السلام: "كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء".. تجرأت نفسي، وتبعها فكري، أن أخوض ملحمة كربلاء في مسارها العقائدي والإنساني. هذه الملحمة لم تأت من فراغ، ولا هي ثورة عشوائية غير مدروسة، كما شوهها أعداء الحرية في كل عصر؛ إنها تمثل ملحمة إسلامية اجتماعية بكل أبعادها الاستلهامية والوجودية. إنها ولدت من رحم التوحيد الذي يعني توحيد المعبود، وتوحيد الطبقات، والمساواة بين البشر؛ فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، ولا فرق بين غني وفقير إلا بالإيمان والمسؤولية. هذه الملحمة أعطت الإسلام من كل قطرة من دمائها حياةً وعمقًا وامتدادًا عبر الزمن، لتقف الإنسانية في كل جيل في مواجهة الاستكبار والظلم، مستلهمةً من وحي كربلاء أن الكرامة أغلى من الماء، وأن العزة هي روح الوجود.    سكت الحق في مشهد الغدير إجلالاً لعظمة الإسلام، وخوفًا من فتنة الارتداد؛ لكن قلوب المؤمنين ظلت تعي أن وصية الرسول (ص) لعلي (ع) كانت تثبيتًا لمنه...

ما بعد العبث: من انتظار غودو إلى انتظار الصدى

صورة
  ما بعد العبث: من انتظار غودو إلى انتظار الصدى نحو نظرية عربية في المسرح الوجودي المعاصر بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي    لم يولد مسرح العبث من فراغ، بل من جرحٍ حضاري عميق خلّفته الحروب الكبرى، ومن انهيار الثقة بالأنظمة الفكرية التي وعدت الإنسان باليقين والسعادة والتقدم. وحين وقف صموئيل بيكيت ويوجين يونسكو وآرثر آداموف وجان جينيه على خشبة المسرح، لم يكونوا يبحثون عن أجوبة، بل كانوا يكشفون عالماً فقد منطقه، ولغةً فقدت قدرتها على التواصل، وإنساناً ينتظر خلاصاً لا يأتي . لقد كان مسرح العبث ثورةً فكرية وجمالية غيّرت وجه المسرح الحديث، لأنه لم يكتفِ بسرد المأساة، بل جعل المأساة نفسها شكلاً من أشكال الوجود. ومن هنا بقي أثره ممتداً حتى يومنا هذا . غير أن الإنسان المعاصر يعيش اليوم زمناً يختلف عن الزمن الذي أنجب العبث. فالحروب لم تنتهِ، بل تبدّلت صورها. والعزلة لم تعد وجودية فحسب، بل أصبحت رقمية أيضاً. والإنسان لم يعد ينتظر على طريقٍ مهجور، بل صار محاطاً بضجيجٍ هائل من المعلومات والصور والأصوات، حتى غدا أكثر وحدةً من أي وقت مضى . ومن هنا تنشأ الحاجة إلى سؤال جدي...