المشاركات

النيل... حين يتحول الماء إلى حضارة

صورة
  النيل... حين يتحول الماء إلى حضارة الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي     لم يكن النيل، منذ أن عرفه الإنسان، مجرد نهرٍ يشق طريقه بين اليابسة والماء؛ كان حكايةً بدأت من قطرة، ثم اتسعت حتى صارت حضارة . على ضفافه لم يجد المصري القديم الماء فحسب، بل وجد سرَّ الاستقرار، ومعنى العطاء، وإيقاع الحياة. كان الفيضان يأتي محمّلًا بالطمي، فتخرج الأرض من صمتها، وتلبس ثوبها الأخضر، وكأن الطبيعة نفسها كانت تكتب للمصري القديم رسالة تقول له : ازرع... فالأرض لم تعد عاقرًا . ومن هنا بدأت الحكاية .    النيل علّم الإنسان المصري أن الطبيعة ليست قوةً ينبغي الخوف منها فقط، بل قوة يمكن فهمها ومراقبتها وتنظيم الحياة في ضوئها. راقبوا ارتفاع مياهه، وقاسوا فيضانه، ووضعوا المقاييس، ونظموا الزراعة، وحسبوا المواسم، وربطوا الزمن بحركة الماء . وهكذا لم يكن النيل صانع الزرع وحده، بل كان، بصورة غير مباشرة، أحد معلمي الإنسان المصري في الحساب، والهندسة، والفلك، والتنظيم .    ولعل أجمل ما في قصة النيل أن عطاءه لم يتوقف عند حدود الأرض؛ فما إن استقرت حياة الإنسان على ضفافه حتى ...

هكذا قرأوا كافكا: الإنسان في متاهة العبث والاغتراب

صورة
  هكذا قرأوا كافكا: الإنسان في متاهة العبث والاغتراب بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي     يمكن القول إن حضور فرانز كافكا في الأدب العالمي لم يعد مجرد حضور كاتب ترك وراءه روايات وقصصًا ويوميات، وإنما أصبح ظاهرة أدبية وفكرية تستدعي التأمل والتأويل. فهذا الكاتب الذي لم يحظ في حياته بالشهرة التي نالها بعد وفاته، والذي لم تُنشر أهم أعماله إلا بعد رحيله، تحول مع مرور الزمن إلى أحد أكثر الأصوات الأدبية تعبيرًا عن قلق الإنسان الحديث، حتى غدا اسمه نفسه مصطلحًا أدبيًا وفلسفيًا : الكافكائي .     ولعل فرادة كافكا لا تكمن في غرابة عالمه السردي وحدها، وإنما في ذلك التقاطع العميق بين الكتابة والتجربة المعاشة؛ فهو لم يكن يكتب عن عذاب خارجي منفصل عن ذاته، بل كان يحول تجربته الداخلية إلى مادة أدبية، ويجعل من الكتابة وسيلة لمواجهة القلق والاغتراب والخوف. ولهذا بدت الكتابة بالنسبة إليه أشبه بمحاولة للعثور على الذات وسط عالم فقد الكثير من يقينه . ومن هنا جاءت أهمية كافكا في الأدب الحديث؛ إذ لم يعد مجرد روائي يروي أحداثًا غريبة، بل أصبح كاتبًا يكشف البنية الخف...

الإنسان بين الحقيقة والوهم دراسة فلسفية في أصل الوجود والوعي والسلوك العاطفي بين الصدفة والضرورة

صورة
  الإنسان بين الحقيقة والوهم دراسة فلسفية في أصل الوجود والوعي والسلوك العاطفي بين الصدفة والضرورة بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي مقدمة: السؤال الذي لا يستطيع الإنسان الهروب منه    منذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته، وهو يطرح السؤال الأكثر إثارة للقلق والدهشة : من أنا؟ هل أنا كائن حقيقي قائم في هذا الوجود، أم أن ما أسميه «أنا» ليس سوى وهم تولده بنية عصبية معقدة؟ وهل الوعي الذي أشعر به حقيقة، أم مجرد خدعة بيولوجية تجعلني أتوهم أن لي ذاتاً مستقلة؟ وهل الحب والكراهية والخوف والفرح والحزن حقائق إنسانية، أم أنها في النهاية مجرد تفاعلات كيميائية وكهربائية داخل الدماغ؟ ثم يأتي السؤال الأكثر عمقاً : إذا كان الإنسان وهماً، فمن الذي يشعر بهذا الوهم، ومن الذي يكتشفه ويسأل عنه؟     لقد تطور العلم الحديث إلى درجة أصبح معها الإنسان قادراً على النظر إلى أعماق المادة نفسها. فاكتشف الذرة، ثم النواة، ثم البروتونات والنيوترونات، ثم الكواركات والغلوونات، وبدأ يفهم شيئاً فشيئاً كيف تنتظم هذه المكونات في مستويات متدرجة من التعقيد حتى تظهر المادة التي نعرفها...