المشاركات

العدم وهم اللغة… والوجود هو السؤال الوحيد الممكن

صورة
  العدم وهم اللغة… والوجود هو السؤال الوحيد الممكن بقلم عدنان مهدي الطائي أكتب لأفهم الإنسان… لا لأُقنعه منذ أن بدأ الإنسان يفكر، وهو يقف أمام سؤالين لا يغادران ذهنه: ما هو الوجود؟ وما هو العدم؟ لكن كلما تعمّق التفكير، بدا أن أحد هذين السؤالين أكثر قابلية للفهم من الآخر، بل وأكثر قابلية لأن يكون موضوعًا للمعرفة أصلًا . إن الإشكالية لا تكمن فقط في صعوبة الإجابة، بل في طبيعة السؤال نفسه: هل نحن نسأل عن شيء يمكن للعقل أن يمسكه فعلًا، أم أننا نصطدم بحدود اللغة حين نحاول أن نصف ما لا يمكن أن يكون “شيئًا” أصلًا؟ أولًا: الوجود بوصفه مجال المعرفة الممكن الوجود هو كل ما يمكن أن يُدرك، أو يُستدل عليه، أو يترك أثرًا في التجربة أو العقل . سواء كان هذا الوجود ماديًا محسوسًا أو مجردًا نظريًا، فإنه يظل داخل دائرة “ما هو كائن ”. العلم، في تطوره الطويل، لم يتعامل إلا مع هذا المجال : الطبيعة، المادة، الطاقة، القوانين، والظواهر. وحتى أكثر النظريات تجريدًا، فإنها تفترض وجود إطار يمكن القياس داخله . ولهذا يمكن القول إن الوجود ليس مجرد فكرة، بل هو مجال عمل العقل نفسه . ثانيًا: العدم...

مقدمة ابن خلدون: التاريخ بين العلم والفلسفة

صورة
  مقدمة ابن خلدون: التاريخ بين العلم والفلسفة بقلم: الباحث عدنان مهدي الطائي   شدّتني قراءة مقدمة ابن خلدون لما أحاط بها من شهرة واسعة، حتى خُيّل إليّ في البدء أنها لا تتجاوز كونها كتابًا في التاريخ. غير أن التعمق فيها كشف لي أنها عمل فكري يتجاوز حدود السرد التاريخي، ليؤسس لرؤية شاملة تمسّ الاجتماع البشري، والعمران، والاقتصاد، والجغرافيا، بل وتمتد إلى ما يمكن تسميته اليوم بفلسفة التاريخ .   لقد أدرك ابن خلدون مبكرًا أن التاريخ ليس مجرد نقلٍ للأخبار، بل هو نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للأحداث وربطٌ بين أسبابها ونتائجها. ومن هنا، دعا إلى إخضاع الروايات التاريخية لمعيار العقل والمنطق والطبع السليم، محذرًا من الوقوع في أخطاء النقل غير الممحص، وهي أخطاء شاعت عند كثير من المؤرخين الذين اكتفوا بالرواية دون نقد .    ومن أبرز ما يميز طرحه أنه سعى إلى اكتشاف القوانين التي تحكم حركة التاريخ، فلم يعد الحدث التاريخي عنده معزولًا، بل هو جزء من سياق اجتماعي واقتصادي وثقافي متكامل. وفي هذا الإطار، برز مفهوم العصبية بوصفه أحد أهم محركات التاريخ، حيث رأى أن قيام الدول يرتبط بقوة ...

الجهالة كذبة التاريخ الكبرى… فمنذ السؤال الأول، كان الإنسان حديثًا

صورة
    الجهالة كذبة التاريخ الكبرى… فمنذ السؤال الأول، كان الإنسان حديثًا اقتباس (لم يكن الإنسان جاهلًا… بل كان يفهم العالم بحدود وعيه، ثم يوسّعها . ) بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي أكتب لأفهم الإنسان… لا لأُقنعه    ليس من الدقة الفكرية، ولا من الإنصاف التاريخي، أن نصف حقبًا كاملة من عمر البشرية بأنها عصور “جهالة” بالمعنى المطلق. فمثل هذا الحكم لا يعكس حقيقة الإنسان، بل يعكس زاوية نظر ضيقة تقيس الماضي بمعايير الحاضر، وتُسقط تفوقًا لاحقًا على بدايات كانت تحمل بذور هذا التفوق ذاته . إن الفكرة المركزية التي ينبغي إعادة النظر فيها هي : هل الحداثة مرحلة زمنية متأخرة، أم أنها خاصية أصيلة في الوجود الإنساني منذ نشأته؟ الحداثة كحالة عقلية لا كمرحلة زمنية    الحداثة، في جوهرها، ليست اختراعًا حديثًا، بل هي تعبير عن قدرة الإنسان على التساؤل، والشك، وإعادة بناء فهمه للعالم. ومنذ اللحظة الأولى التي وقف فيها الإنسان أمام الكون متسائلًا: “من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟”، بدأت أولى ملامح الحداثة . بهذا المعنى، فإن الحداثة ليست زمنًا، بل حالة عقلية متجددة، تتجلى كلما مار...

حين يُحاربك النجاح… ويُدان فيك الفشل

صورة
  حين يُحاربك النجاح… ويُدان فيك الفشل عدنان مهدي الطائي     ليس أخطر ما في الإنسان أنه ينجح أو يفشل … بل أخطر ما فيه، هو كيف يُفسِّر نجاح غيره، وكيف يشهد على سقوطه . قيل إن الناس تحارب الناجح، ومن يحارب الفاشل لا أخلاق له . لكن الحقيقة أكثر قسوة من هذه العبارة المريحة … الحقيقة تقول : الناس لا تحارب النجاح لذاته، بل تحارب ما يكشفه فيها .    فالنجاح مرآة جارحة … يرى فيها العاجز تقصيره، والمتردد خوفه، والمتصالح مع الهزيمة خيانته الصامتة لأحلامه . لذلك لا يهاجمونك لأنك ارتفعت … بل لأنك ذكّرتهم أنهم بقوا حيث هم . لكن، مهلاً … ليس كل من حاربك وأنت ناجح حاسدًا، فبعض النجاح قناع … وبعض الصعود يتم فوق أكتاف الآخرين، أو على حساب القيم . وهنا يصبح النقد ضرورة، لا حقدًا . أما الفشل … فهو الحكاية الأكثر سوء فهمًا . الفاشل ليس دائمًا ضحية، كما أنه ليس دائمًا مذنبًا . هناك من فشل لأن العالم كان أثقل من احتماله، وهناك من فشل لأنه اختار الطريق الأسهل نحو اللاشيء . لكن الأكثر قسوة … ليس الفشل ذاته، بل ذلك الاحتفال الخفي بسقوط الآخرين . حين يسقط إنس...

قصة قصيرة (ذاكرة لا تخون… بل تُدين)

صورة
    قصة قصيرة (ذاكرة لا تخون… بل تُدين) لم تكن الذاكرة يومًا صندوقًا نحفظ فيه ما نحب … بل كانت قاعة محكمة، نُستدعى إليها كل ليلة… دون أن نُبلّغ . في الغربة، لا يكون الوطن مكانًا … بل يتحول إلى نزيفٍ صامت في الوعي . تظن أنك غادرت … لكن الحقيقة الأكثر قسوة : أن الذي غادر هو جسدك فقط، أما أنت… فبقيت هناك . كل شيء هنا مؤقت : الوجوه، اللغة، الطرقات، حتى الضحكات … إلا تلك التفاصيل الصغيرة التي رفضت أن تموت : باب بيتك القديم، صوت أمٍّ كانت تناديك دون أن تعرف أنها كانت تنادي عمرك كله، وخطواتك الأولى التي ما زالت عالقة في ترابٍ لم يعد لك . الذاكرة لا تخون … لأنها لا ترحم . إنها لا تعيد لك ما فقدت … بل تضعك أمامه كل مرة، كأنها تقول : " هذا أنت… قبل أن تنكسر ." وفي الغربة، لا نقيس المسافة بالكيلومترات … بل بعدد المرات التي حاولنا فيها أن نقنع أنفسنا أننا بخير … وفشلنا . كلما أغمضت عينيك، لا تنام … بل تعود . تسير في شوارع لم تعد موجودة، تطرق أبوابًا يعرفها قلبك… ولا يفتحها أحد، وتنادي أسماءً … لم يعد يردّ عليها إلا الصدى . أقسى ما في الذاكرة لي...