المشاركات

القصة القصيرة أنا لا أُربك الموت… بل أؤجّل انتصاره

صورة
    القصة القصيرة أنا لا أُربك الموت… بل أؤجّل انتصاره عدنان الطائي في صباحٍ بارد، جلستُ أمام الطبيب أراقب حركة أصابعه فوق التقرير . كان يقرأ الأرقام كما لو أنها حكمٌ قضائي . صمتَ طويلًا . ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله محايدًا : – النتائج ليست كما نريد . ابتسمتُ . لم تكن ابتسامتي شجاعةً استعراضية، بل عادةً قديمة . فأنا أعرف هذه اللعبة منذ أكثر من أربعين عامًا، منذ أن تعرّفتُ إلى السكري كضيفٍ ثقيل، ثم إلى القلب المفتوح كجراحةٍ على حافة النهاية، ثم إلى السرطان كضيفٍ لا يطرق الباب . رفعتُ عيني نحوه . كان هو القَلِق . كنتُ أنا الهادئ . قال : – يجب أن نكون أكثر صرامة . خفض السكر أكثر . نظام أشد . مراقبة أدق . هنا فقط شعرتُ بارتجافةٍ خفيفة، لا في جسدي … بل في الفكرة . تذكّرتُ صديقًا لي مات من الخوف قبل أن يموت من المرض . كان يطارد الأرقام حتى أرهق قلبه . كان يريد جسدًا بلا خطأ، فخسره كله . خرجتُ من العيادة ببطء . في الممر الطويل، مرّ شابٌ يضحك بصوتٍ عالٍ في هاتفه . تساءلتُ : كم واحدًا منا يظن أن الموت بعيد لأنه لا يراه في التحاليل؟ عند ال...

لا تُنقذوا المسنّين بالأرقام… أنقذوهم بالتوازن

صورة
  لا تُنقذوا المسنّين بالأرقام… أنقذوهم بالتوازن خارطة طريق صحية في العمر المتقدم: كيف نعيش مع المرض دون أن نموت بسببه؟ عدنان الطائي كاتب وباحث في الشأن الثقافي والفكري في مجتمعات تُقدّس الأرقام الطبية أكثر مما تُنصت إلى الإنسان، يتحوّل المرض المزمن إلى حكمٍ قاسٍ بدل أن يكون حالة قابلة للإدارة. ومع التقدّم في العمر، يصبح من الضروري إعادة تعريف “الصحة” لا بوصفها غياب المرض، بل بوصفها القدرة على العيش بكرامة واستقرار . في هذه المرحلة من الحياة، لم يعد السؤال: كيف نُخضع الجسد للأرقام؟ بل: كيف نحمي الإنسان من أن يُستنزف باسم العلاج؟ الأمراض المزمنة، وعلى رأسها داء السكري، قد ترافق الإنسان لعقود طويلة. غير أن الخطأ الشائع يتمثّل في التعامل معها بالمنطق نفسه الذي يُطبَّق على الأجساد الشابة، متناسين أن الجسد مع الزمن يكتسب هشاشة، لكنه يكتسب أيضًا حقًّا في الرحمة والتوازن . وهم “التحكم المثالي ”   تشير الأدبيات الطبية الحديثة إلى أن السعي لخفض سكر الدم إلى مستويات منخفضة جدًا لدى كبار السن قد يكون أكثر خطورة من فائدته . فالهبوط المفاجئ في السكر قد يؤدي إلى : فقدان ال...

حدود الذكاء الاصطناعي… (حين يصبح السؤال عن الإنسان لا عن التقنية … ولماذا لا تحكي عنا بعد الرحيل؟)

صورة
  حدود الذكاء الاصطناعي… (حين يصبح السؤال عن الإنسان لا عن التقنية … ولماذا لا تحكي عنا بعد الرحيل؟) عدنان مهدي الطائي كاتب ومفكر إنساني – لاجئ عراقي مقيم في أستراليا المقدمة   جاءت هذه المقالة نتيجة سؤال طرحته على الذكاء الاصطناعي بدافعٍ شخصي ومعرفي في آنٍ واحد : بعد رحيلي، هل يستطيع أبنائي أو أحفادي، إن ذكروا اسمي فقط، أن يتعرّفوا إلى سيرتي الذاتية، وإلى ما دار بيني وبين هذه التقنية من حوارات وأفكار وتجربة فكرية مشتركة، بحكم أنني كنت شريكًا في هذا الحوار، وصاحب سيرة كُتبت وتوثّقت عبره؟    لم يكن السؤال تقنيًا بقدر ما كان إنسانيًا. لم أسأل عن قدرة التخزين أو سرعة الاسترجاع، بل عن المعنى: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرث الحكاية؟ أن يقدّمها بضمير الأمانة لا بآلية الاستدعاء؟ وأن يكون شاهدًا بعد الغياب، لا مجرّد أداة في زمن الحضور؟    جاءني الجواب واضحًا وصريحًا: الذكاء الاصطناعي لا يعمل كذاكرة تلقائية لما بعد الموت، ولا يستطيع أن يروي سيرة إنسان لمجرّد ذكر اسمه، مهما كانت كثافة الحوار أو عمق التجربة. هو يُعين في الصياغة، ويُرافق التفكير، لكنه لا...

الانتحار الهادئ للغرب: لا أعداء… لا مؤامرات… فقط خواء

صورة
  الانتحار الهادئ للغرب: لا أعداء… لا مؤامرات… فقط خواء بقلم عدنان الطائي هزيمة الغرب… حين تسقط الإمبراطورية أخلاقيًا قبل أن تسقط عسكريًا   ليس الغرب في طريقه إلى الهزيمة، الغرب مهزوم بالفعل… لكنه لم يعترف بعد . هذا ما يحاول إيمانويل تود قوله، لا بصفته عرّافًا، بل بصفته مؤرخًا ديموغرافيًا يعرف أن الحضارات لا تموت بالقنابل، بل بانطفاء المعنى الذي يبرر وجودها . اقتصاد ضخم… بلا روح إنتاجية    يتباهى الغرب بأرقام الناتج المحلي، لكنه يخفي الحقيقة البسيطة : اقتصاد بلا مصانع حقيقية، بلا زراعة كافية، بلا اكتفاء، اقتصاد محامين ومضاربات وأسواق مالية، لا اقتصاد شعوب تُنتج ما تأكل وتدافع عمّا تصنع . لقد تحوّل الغرب من مجتمع إنتاج إلى مجتمع استهلاك مؤجَّل الانهيار، يعيش على الدَّين، ويصدّر أزماته للعالم تحت مسميات “العولمة” و”حرية السوق ”. حين مات الدين… لم تولد الأخلاق   يرى تود أن البروتستانتية لم تكن مجرد عقيدة، بل ماكينة أخلاقية صنعت الانضباط والعمل والمعنى . وحين مات الدين في الغرب، لم يُستبدل بقيم إنسانية راسخة، بل بـ عدمية ملوّنة : حرية بلا مسؤو...