المشاركات

رمضان… حين تتطهّر الروح ويصحو الضمير

صورة
  رمضان… حين تتطهّر الروح ويصحو الضمير بقلم: عدنان الطائي     ليس رمضان شهرًا يمرّ في التقويم، بل حالةٌ تعبر في الإنسان . ليس زمناً يُعدّ بالأيام، بل زمنٌ يُقاس بما يوقظه فينا من نور . منذ أن تشكّلت الثقافة العربية على ضوء النص القرآني، لم يكن الصيام مجرد فريضةٍ تؤدّى، بل تجربة وجودية يعاد فيها تشكيل الداخل. أمةٌ كانت تعتمد الذاكرة والشفاه، فإذا بها تُؤسس ثقافة كاملة على كتابٍ نزل ليهدي العقل كما يهدي القلب، وليبني الإنسان من الداخل قبل أن يبني الحضارة من الخارج . وفي هذا السياق، يأتي رمضان لا ليجعلنا نجوع، بل ليعلّمنا كيف نفهم الجوع . الجوع الذي يوقظ المعنى    الجوع في رمضان ليس نقصًا في الجسد، بل زيادةً في الوعي . هو صمتُ المعدة كي يتكلم الضمير، وهدوءُ الشهوة كي يسمع القلب نداءه الخافت . لقد عرفت الأمم الصيام قبل الإسلام، مارسته الحضارات القديمة بأشكال مختلفة، كأن الإنسان — في كل زمان — كان يشعر بحاجةٍ إلى لحظة يتخفف فيها من ثقل المادة. لكن الصيام في الإسلام ارتبط بكلمة واحدة تختصر المسافة كلها : التقوى . التقوى ليست خوفًا مجردًا، بل يقظة د...

قصة قصيرة (الشرفة المغلقة)

صورة
  قصة قصيرة ( الشرفة المغلقة) في بلدة صغيرة تحيط بها تلال صامتة وأزقة متشابكة، عاش شاعر يُعرف بين أهله بكلماته التي تضيء الليل والنهار. كل من يقرأ له يشعر أن الأرض نفسها ترتوي من شعره، وأن قلبه ينسكب في كل حرف. لكن الشاعر كان يعيش سرًا، شيئًا لا يعرفه إلا هو: نوافذه كانت دومًا موصدة، حتى عن أعز أصدقائه . رفيق ، صديقه القديم منذ أيام الشباب، يزور البلدة من حين لآخر. كان يجلس دائمًا عند حافة الشرفة، ينظر إلى الشاعر وكلماته تتسرب في الهواء، لكنه لم يجرؤ يومًا على اختراق الصمت خلف الباب المغلق. فكان يرى فقط نصف الحقيقة، كمن يقرأ كتابًا مفتوحًا على صفحة واحدة . ذات مساء، بينما كانت ألوان الغروب تذوب في السماء، هتف رفيق : " يا صاحبي الشاعر، لا تكن شاعر جدارٍ مغلق !" لم يجب الشاعر. كان واقفًا هناك، بين عالمه وعالم الآخرين، ربما يستمع لصدى كلماته، وربما يختبئ من عبث الحياة . في الداخل، كان الشاعر يكتب ويعيد الكتابة، يغرق في أفكاره الفلسفية: هل للكلمة معنى إن لم تُسمع؟ هل للجمال قيمة إن لم يُشارك الآخرون دهشته؟ كانت نوافذه الموصدة ليست مجرد خوف من النقد، بل محاولة لفهم نفس...

قصة قصيرة (وصيّة على حافات اللامنتهي)

صورة
    قصة قصيرة (وصيّة على حافات اللامنتهي) حين هدأ الليل على غير عادته، جلس الظل قرب نافذته المفتوحة على عتمةٍ بلا ضفاف . كان السكون كثيفًا، كأن الهواء نفسه يتردد في العبور . لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة . كان ساكنًا بطريقة تشبه ما قبل الاعتراف . مدّ يده نحو القلم، فتوقف . شعر بأن الغرفة أضيق من جدرانها، وبأن الظلال لا تتبع الأشياء بدقة . تحرّك قليلًا، فتأخر ظلّه نصف نبضة . ابتسم بسخرية خفيفة . الإرهاق يفعل أكثر من هذا . لكن النافذة كانت مفتوحة، والستارة لا تتحرك . ومع ذلك، كان هناك ما يعبر . لم يسمع صوتًا، بل إحساسًا . كأن أحدهم يجلس قبالته دون أن يشغل حيّزًا . كأن الهواء انحنى احترامًا لوجودٍ لا يُرى . لم يكن خائفًا . الخوف يحتاج إلى عدو واضح . أما هذا، فكان أقرب إلى يقينٍ قديم يعود . جلس . الورقة أمامه بيضاء، لكن البياض لم يكن خالصًا . حدّق طويلًا، فرأى — أو تخيّل أنه رأى — أثر كلمات خافتة، كأن الحبر تراجع إلى داخله . أغمض عينيه . وعندها سمعه . لم يكن صوتًا خارج أذنه، بل داخل فكره، واضحًا حدّ الألم : — إن تركتني بلا كتابة، سأصير فراغك ....

قصة قصيرة (أنا الذي تأخّر.)

صورة
   قصة قصيرة (أنا الذي تأخّر . ) عدنان الطائي كاتب يزاوج بين الحسّ الوجداني والتأمل الفلسفي، تمهيد للقارئ في قصة (أنا الذي تأخّر) يتداخل السرد بالتأمل، ويتحوّل الفقد من ذكرى شخصية إلى مساحة تفكير في الزمن ومسؤوليته الصامتة. تقوم القصة على ثلاثة مستويات متوازنة: صوت داخلي يبوح بلا مواربة، لحظة سردية تمنح النص حركة خافتة، ورمز فلسفي يجعل الغياب مرآة لأسئلة أوسع عن الحضور والتأجيل . لا تسعى القصة إلى استدرار الدموع، بل إلى إيقاظ الانتباه. إنها قراءة فيما يحدث حين يتأخر الوعي عن اللحظة، وحين يتحول الحب غير المُعاش إلى زمنٍ متجمّد في الذاكرة . ( لم يكن الفقد أنكِ متِّ … بل أنني عشتُ بعدكِ كأنني خارج الزمن ) النص الكامل للقصة في مساءٍ يشبه الأمس، عدتُ إلى الغرفة التي لم يتغير فيها شيء، إلا أنا . الساعة المعلّقة على الجدار ما زالت تشير إلى التاسعة تماماً. توقّفت يوم رحلتِ، ولم أملك شجاعة إعادة عقاربها إلى الحياة. كنتُ أظن أن الزمن إن عاد للدوران سيعترف بأنكِ لم تغادري . مرّ عامان، والساعة صامتة . وأنا أيضاً . جلستُ على طرف السرير، حيث كنتِ تثرثرين عن أشياء صغيرة ...

القصة القصيرة أنا لا أُربك الموت… بل أؤجّل انتصاره

صورة
    القصة القصيرة أنا لا أُربك الموت… بل أؤجّل انتصاره عدنان الطائي في صباحٍ بارد، جلستُ أمام الطبيب أراقب حركة أصابعه فوق التقرير . كان يقرأ الأرقام كما لو أنها حكمٌ قضائي . صمتَ طويلًا . ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله محايدًا : – النتائج ليست كما نريد . ابتسمتُ . لم تكن ابتسامتي شجاعةً استعراضية، بل عادةً قديمة . فأنا أعرف هذه اللعبة منذ أكثر من أربعين عامًا، منذ أن تعرّفتُ إلى السكري كضيفٍ ثقيل، ثم إلى القلب المفتوح كجراحةٍ على حافة النهاية، ثم إلى السرطان كضيفٍ لا يطرق الباب . رفعتُ عيني نحوه . كان هو القَلِق . كنتُ أنا الهادئ . قال : – يجب أن نكون أكثر صرامة . خفض السكر أكثر . نظام أشد . مراقبة أدق . هنا فقط شعرتُ بارتجافةٍ خفيفة، لا في جسدي … بل في الفكرة . تذكّرتُ صديقًا لي مات من الخوف قبل أن يموت من المرض . كان يطارد الأرقام حتى أرهق قلبه . كان يريد جسدًا بلا خطأ، فخسره كله . خرجتُ من العيادة ببطء . في الممر الطويل، مرّ شابٌ يضحك بصوتٍ عالٍ في هاتفه . تساءلتُ : كم واحدًا منا يظن أن الموت بعيد لأنه لا يراه في التحاليل؟ عند ال...