الله واحد أحد هل يستطيع الله أن يخلق ربًّا مثله؟ حين تواجه القدرة الإلهية حدود المنطق
الله واحد أحد
هل يستطيع الله أن يخلق
ربًّا مثله؟ حين تواجه القدرة الإلهية حدود المنطق
بقلم: الباحث عدنان
مهدي الطائي
اكتب كي يتدبر
الانسان.. لا لأقنعه.
مقدمة: سؤال يبدو
بسيطًا... لكنه ليس كذلك
من الأسئلة التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة،
لكنها تخفي وراءها إشكالية فلسفية عميقة، هذا السؤال: إذا كان الله قادرًا على كل
شيء، فهل يستطيع أن يخلق ربًّا آخر مثله؟ قد يبدو السؤال اختبارًا لمدى إطلاق
القدرة الإلهية، لكنه في الحقيقة يضعنا أمام قضية أعمق تتعلق بطبيعة القدرة نفسها،
وبالفارق بين ما يمكن أن يوجد، وما يستحيل وجوده من أساسه. فهل تعني القدرة على كل
شيء أن تكون حتى التناقضات العقلية ممكنة؟ أم أن العقل، حين يفحص السؤال، يكتشف أن
الخلل ليس في القدرة الإلهية، بل في صياغة السؤال ذاته؟ هذا المقال لا يهدف إلى
إثارة جدل عقدي، بل إلى تحليل فلسفي منهجي لبنية السؤال. وسأعتمد منهجًا تحليليًّا
يجمع بين فحص المفاهيم اللغوية، ومراجعة الأسس العقلية، والاستئناس بالنص القرآني،
مع التمييز الدقيق بين الاستدلال العقلي والاستدلال النصي، إذ لكل منهما طريقه في
إقامة الحجة وإن التقيا في النتيجة.
أولًا: النصوص القرآنية
الصريحة في قدرة الله المطلقة
وردت في القرآن الكريم نصوص صريحة تؤكد قدرة
الله المطلقة، منها:
- ﴿إِنَّ اللَّهَ
عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20].
- ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106].
- ﴿إِنَّ اللَّهَ
عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165].
- ﴿اللَّهُ عَلَىٰ
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: 12].
- وقال تعالى في سورة يس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].
هذه الآيات تعبّر عن شمول القدرة الإلهية
ونفاذ الإرادة، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل عبارة نصوغها لغويًّا تمثل شيئًا
قابلًا للوجود. وهنا يبرز السؤال الفلسفي: هل تعني عبارة «كل شيء» أن الله يستطيع
إيجاد التناقضات؟
ثانيًا: هل تعني القدرة
الإلهية إمكان المستحيل؟
حين نقول إن الله قادر على كل شيء، فإننا
نعني، وفق الفهم الفلسفي للقدرة الإلهية، أنه لا يعجز عن شيء ممكن الوجود. لكن هل
يدخل في هذا المعنى أن يجمع الشيء بين الوجود والعدم، أو أن يكون المخلوق غير
مخلوق، أو أن يكون الشيء نقيضًا لنفسه؟ إن القدرة لا تعني تحويل التناقض إلى
حقيقة، لأن التناقض ليس شيئًا قائمًا بذاته حتى تتعلق به القدرة. فهناك فرق جوهري
بين:
- أمر يعجز الإنسان عن
تحقيقه بسبب محدودية إمكاناته،
- وأمر يستحيل تصوره
بوصفه حقيقة متماسكة، مهما افترضنا من قدرة الفاعل.
قد يعجز الإنسان عن تحريك جبل، لأن قدرته
محدودة؛ أما أن نطلب منه رسم مربع دائري بالمعنى الهندسي الدقيق، فنحن لا نطلب
عملًا صعبًا فحسب، بل نجمع بين تعريفين متناقضين. فالمربع، من حيث هو مربع، ليس
دائرة، والدائرة، من حيث هي دائرة، ليست مربعًا. وهنا ينبغي أن نميّز تمييزًا
حاسمًا بين العجز عن فعل ممكن، واستحالة الفعل بسبب تناقض المعنى الذي يتضمنه.
وهذا التمييز ليس ترفًا فلسفيًّا، بل هو مفتاح فهم المسألة كلها.
ثالثًا: ماذا يعني أن
يخلق الله ربًّا مثله؟
لفهم السؤال، علينا أن نتأمل في كلماته قبل أن
نتعجل الإجابة عنه. فالخلق يعني الإيجاد، والمخلوق، بهذا المعنى، هو ما أُوجد بعد
أن لم يكن موجودًا. أما الرب، وفق مفهوم الألوهية الذي نتحدث عنه، فهو الخالق غير
المخلوق، واجب الوجود، الذي لا يستمد وجوده من غيره. وهنا ينبغي التمييز بين
مستويين للسؤال:
المستوى الأول: إيجاد
موجود آخر. وهذا سؤال عن الخلق والقدرة. والجواب: الله قادر على إيجاد ما يشاء من
الموجودات الممكنة.
المستوى الثاني: إيجاد
موجود آخر مساوٍ لله في الألوهية المطلقة. وهذا سؤال مختلف تمامًا، لأنه يصطدم
بصفات الله نفسه: كونه واحدًا أحدًا، واجب الوجود، لا مثيل له.
فإذا قلنا إن الله يخلق ربًّا آخر مثله، فإننا
نجمع في عبارة واحدة بين معنيين لا يستقيمان معًا:
- إذا كان هذا الرب
مخلوقًا: فهو ليس إلهًا مماثلًا لله في كونه غير مخلوق وواجب الوجود؛ لأنه يستمد
وجوده من خالقه. فيكون مخلوقًا لا ربًّا.
- وإذا كان غير مخلوق:
فلا يصح وصفه بأنه شيء خلقه الله، لأن وصفه بغير المخلوق يناقض وصفه بأنه مخلوق.
- أما إذا افترضنا أنه
إله آخر مساوٍ لله في الألوهية والقدرة المطلقة والاستقلال الوجودي، فإننا نكون قد
انتقلنا من فرضية الخلق إلى فرضية تعدد الآلهة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن تعدد الآلهة ليس
مجرد افتراض عددي، كأننا نتحدث عن وجود شخصين أو شيئين متشابهين. إنه يمس مفهوم
الألوهية ذاته. فإذا وُجد إلهان مستقلان تمامًا، فإما أن تتفق إرادتهما أو تختلف:
- إن اختلفتا: فحينها
يُنفَّذ أمر أحدهما دون الآخر، فيكون أحدهما عاجزًا عن تنفيذ إرادته، وهذا يناقض
كونه إلهًا قادرًا مطلقًا.
- وإن اتفقتا دائمًا:
فحينها لا معنى لوجود إرادتين مستقلتين، بل هي إرادة واحدة، فيكون الإله واحدًا لا
اثنين.
إذن، ليست المشكلة في أن الله يستطيع أو لا
يستطيع تنفيذ أمر صعب، بل في أن عبارة «خلق ربًّا مثله» تجمع بين الخلق وعدم
الخلق، وبين الافتقار والاستقلال المطلق، في معنى واحد. وهذا التناقض ليس في
القدرة الإلهية، بل في المفهوم نفسه.
رابعًا: ماذا يقول
القرآن عن الوحدانية الإلهية؟
يضع القرآن الكريم الوحدانية الإلهية في مركز
تصوره لله، فيقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. ويقول: ﴿وَلَمْ يَكُن
لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. ويقول أيضًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].
تؤكد هذه الآيات تنزيه الله عن المماثلة
والكفء، وتقرر وحدانيته، وتطرح حجة قرآنية** تتصل بوحدة التدبير وانتفاء تعدد
الآلهة على النحو الذي يؤدي إلى فساد السماوات والأرض. ومن هنا، فإن الحديث عن إله
آخر مماثل لله ليس مجرد افتراض عددي، بل يمس مفهوم الألوهية ذاته، وما يتضمنه من
وحدانية واستقلال مطلقين. ومع ذلك، من المهم منهجيًّا أن نفرّق بين:
- الاستدلال بالنص
القرآني على وحدانية الله،
- والاستدلال العقلي
على استحالة اجتماع النقيضين.
فلكل منهما طريقته في
إقامة الحجة، وإن التقيا في هذه المسألة. كما ينبغي ألّا ننسب إلى القرآن عبارة
«الله لا يستطيع التناقض» بوصفها نصًّا حرفيًّا؛ فهذا استنتاج فلسفي يتعلق بمفهوم
القدرة الإلهية، وليس آية قرآنية بهذا اللفظ.
خامسًا: هل الاستحالة
العقلية تحدٍّ للقدرة الإلهية؟
قد يعترض معترض قائلًا: إذا قلنا إن الله لا
يستطيع خلق رب مثله، أفلا يعني ذلك أننا وضعنا حدًّا لقدرته؟ يبدو الاعتراض قويًّا
إذا فهمنا القدرة على أنها تشمل كل عبارة نستطيع نطقها، بصرف النظر عن معناها. لكن
اللغة تسمح لنا بتركيب كلمات معًا لا يلزم من تركيبها وجود معنى ممكن. يمكننا أن
نقول:
- «مخلوق غير مخلوق»
- «موجود وغير موجود في
الوقت نفسه والجهة نفسها»
- «مربع دائري»
غير أن قدرتنا على نطق
هذه العبارات لا تجعلها حقائق ممكنة الوجود. وهنا تكمن المغالطة المنطقية:
الانتقال من إمكان التلفظ بالسؤال إلى افتراض أن موضوعه ممكن، ثم اعتبار عدم تحققه
دليلًا على العجز.
إن الاستحالة العقلية ليست قوة خارجية تقف في
مواجهة الله، ولا قانونًا مستقلًا يفرض عليه حدودًا من خارج ذاته؛ إنها حكم يتعلق
باتساق المعاني التي نصوغها. وما يتناقض في تعريفه لا يصبح ممكنًا لمجرد إسناده
إلى القدرة الإلهية. ولذلك، فالأدق ألّا نقول إن الله عاجز عن خلق رب مثله، لأن
كلمة «العجز» تفترض وجود فعل ممكن لم تتحقق القدرة عليه. وإنما نقول إن السؤال،
بصيغته هذه، لا يصف فعلًا ممكنًا حتى يكون موضوعًا للقدرة. وهذا التمييز له جذور
في الفلسفة الإسلامية. فقد ناقش علماء الكلام مسألة «هل يقدر الله على المستحيل؟»
وذهب أكثرهم إلى أن المستحيل ليس شيئًا حتى يقال إن الله قادر عليه أو عاجز عنه.
فالقدرة تتعلق بالممكنات، لا بالمتناقضات. وهذا ليس تقييدًا للقدرة، بل تصحيح لتعلقها
بموضوعها الصحيح.
سادسًا: حين تكشف
الفلسفة مغالطة السؤال
إن السؤال عن قدرة الله على خلق رب آخر يشبه
السؤال عن قدرته على خلق مربع دائري أو إيجاد شيء يكون مخلوقًا وغير مخلوق في آن
واحد. في هذه الأمثلة، لا تكمن المشكلة في نقص القدرة، بل في اضطراب المفهوم الذي
نريد إخضاعه لها. فقبل أن نسأل: هل يمكن فعل ذلك؟ ينبغي أن نسأل: هل يصف كلامنا
شيئًا ممكنًا أصلًا؟ وهذا مبدأ فلسفي مهم؛ إذ ليس كل ما تسمح به اللغة قابلًا
للتحقق في الواقع، وليس كل تركيب لفظي يحمل معنى متماسكًا. فقد تكون العبارة صحيحة
من حيث قواعد اللغة، لكنها متناقضة من حيث دلالتها. ومن واجب التفكير الفلسفي ألّا
يكتفي بترديد الأسئلة الموروثة، بل أن يفحص مقدماتها، ويكشف ما قد تنطوي عليه من
خلط بين المفاهيم. فالسؤال العميق ليس دائمًا السؤال الذي يبدو عصيًّا على
الإجابة، بل قد يكون السؤال الذي نكتشف، بعد التأمل، أن صياغته نفسها تحتاج إلى
مراجعة.
سابعًا: بين القدرة
والتناقض — تحرير المفاهيم
قد يكون من المفيد هنا أن نضع بين أيدينا
تصنيفًا واضحًا لأنواع الأسئلة، حتى لا نخلط بين ما هو صعب وما هو مستحيل.
النوع الأول: فعل ممكن،
لكنه صعب. ومثاله أن نطلب تحريك جبل. هذا فعل ممكن في ذاته، والقدرة الإلهية لا
تعجز عنه. فالصعوبة هنا لا تعني الاستحالة.
النوع الثاني: فعل
ممكن، لكنه محال عاديًّا. ومثاله خلق إنسان من غير أب. هذا الفعل ممكن بالمعجزة،
ولا يوجد في مفهومه أي تناقض داخلي. فهو خارج عن العادة، لكنه ليس مستحيلًا في
ذاته.
النوع الثالث: فعل
متناقض في مفهومه. ومثاله أن نقول: «خلق رب مخلوق». هذا لا يوصف بالإمكان ولا
بالعجز، لأنه ليس فعلًا أصلًا. فالمفهوم نفسه منهار، ولا يصلح أن يكون موضوعًا
للقدرة.
النوع الرابع: عبارة
بلا معنى متماسك. ومثاله «مربع دائري». هذه العبارة لا تصلح أن تكون موضوعًا
للقدرة، لأنها لا تشير إلى شيء ممكن الوجود. وهذا التصنيف يوضح أن الاستحالة
العقلية ليست نوعًا من الصعوبة، بل هي انتفاء لصلاحية الموضوع لأن يكون متعلقًا
للقدرة أصلًا. فالمشكلة ليست في القدرة، بل في العبارة التي نريد إخضاعها للقدرة.
خاتمة: الله لا يُقاس بالتناقضات
إن الإيمان بقدرة الله المطلقة لا يستلزم أن
نجعل التناقض حقيقة، ولا أن ننسب إلى القدرة الإلهية أفعالًا لا تحمل معاني
متماسكة. فالله، وفق التصور الذي تنطلق منه هذه المقالة، واحد أحد، لا مثيل له ولا
كفء. وان خلق رب مثله ليس فعلًا ممكنًا ثم يعجز الله عن إنجازه، بل عبارة تجمع بين
معانٍ متناقضة: أن يكون الشيء مخلوقًا وغير مخلوق، محتاجًا ومستقلًّا استقلالًا
مطلقًا في الوقت نفسه. والفرق كبير بين القول إن الله لا يستطيع فعل شيء ممكن،
والقول إن العبارة التي نصف بها ذلك الشيء لا تعبّر عن إمكان حقيقي. وهنا تتضح
العبارة المحورية التي تختصر جوهر هذا المقال:
«إن إطلاق القدرة
الإلهية لا يعني أن التناقض يصبح حقيقة، بل يعني أن الله قادر على كل ما يصح أن
يكون متعلقًا بالقدرة؛ أما ما ينقض تعريف الشيء نفسه، فيحتاج إلى تحليل منطقي قبل
أن يُطرح بوصفه اختبارًا للقدرة الإلهية».
إن السؤال الفلسفي الرصين لا ينتقص من القدرة
الإلهية، بل يحرّر التفكير من الخلط بين القدرة والتناقض، وبين ما يمكن وجوده وما
لا يستقيم معناه. فليس كل ما نستطيع أن نسأل عنه شيئًا يمكن أن يوجد، وليس كل ما
يستحيل في العقل دليلًا على العجز. وقد يكون أعمق ما نتعلمه من هذا السؤال أن نفحص
معاني كلماتنا قبل أن نحاكم بها القدرة الإلهية.
مراجع مختارة للاستزادة
1. ابن سينا، *الإشارات
والتنبيهات*، (مناقشة القدرة على المستحيل).
2. الغزالي، *تهافت
الفلاسفة*، (مسألة القدرة والإرادة).
3. ابن تيمية، *منهاج
السنة النبوية*، (مسألة الوحدانية وتعدد الآلهة).
4. الرازي، *المطالب
العالية من العلم الإلهي*، (بحث القدرة والمقدور).
5. الطباطبائي،
*الميزان في تفسير القرآن*، (تفسير آيات الوحدانية).

تعليقات
إرسال تعليق