معبد أوام في اليمن والكعبة في مكة
معبد أوام في اليمن
والكعبة في مكة
مقاربة تاريخية بين
التشابه الديني وحدود الاستنتاج
بقلم الباحث عدنان مهدي
الطائي
مقدمة: حين يلتقي
التاريخ بالسؤال
تثير دراسة المعابد القديمة في الجزيرة
العربية أسئلة مهمة عن نشأة المراكز الدينية، وطبيعة الشعائر التي ارتبطت بها،
وعلاقة الإنسان بالمكان الذي يمنحه صفة القداسة. ومن المواقع التي تستحق المقارنة
في هذا المجال معبد أوام، المعروف شعبياً باسم) مَحْرَم بِلْقِيس)، بالقرب من مدينة مأرب
اليمنية، والكعبة في مكة المكرمة. لا تنبع أهمية هذه المقارنة من الرغبة في إثبات
أسبقية مكان على آخر، ولا من محاولة إلحاق أحدهما بالآخر، وإنما من البحث في أوجه
التشابه والاختلاف بين مركزين دينيين ارتبطا بالزيارة(الحج) والشعائر والمكانة
المقدسة في تاريخ الجزيرة العربية. وتقتضي
الموضوعية أن نميز بين ثلاثة أمور: ما تثبته الآثار والنقوش، وما يمكن استنتاجه
منها، وما يبقى فرضية تحتاج إلى مزيد من الأدلة. فالتشابه بين معبدين لا يعني
بالضرورة أنهما ينحدران من أصل واحد، كما أن اختلاف العقائد لا يمنعنا من دراسة
الوظائف الدينية والاجتماعية المشتركة بينهما.
أولاً: معبد أوام
ومكانته في الديانة السبئية
يقع معبد أوام بالقرب من مأرب، عاصمة مملكة
سبأ القديمة، ويُعد من أبرز المواقع الدينية في جنوب الجزيرة العربية. ويرتبط
المعبد بعبادة الإله السبئي «المقه»، الذي احتل مكانة مهمة في الديانة السبئية. وتكشف بقايا المنشآت المعمارية والنقوش السبئية عن مؤسسة دينية ذات
شأن، لم تكن مجرد بناء لإقامة الشعائر، بل ارتبطت بالنذور والتقدمات والتعبير عن
الامتنان وطلب الحماية وحتى الحج اليه، فضلاً عن صلتها بالحياة السياسية
والاجتماعية للمجتمع السبئي. وقد ارتبط المعبد بزيارات دينية وشعائر منظمة،
وهو ما تؤيده الدراسات المتخصصة في النقوش والديانة العربية القديمة. ويقدم الباحث
الفلسطيني محمد مرقطن في دراسته عن الحج إلى معبد أوام عرضاً للشواهد المتعلقة
بتنظيم الزيارة، وقواعد الطهارة، والمواكب، والأوقات المقدسة، والتقدمات،
والقرابين. أما التسمية الشائعة)
مَحْرَم بِلْقِيس) فلا تكفي وحدها لإثبات أن الملكة بلقيس بنت المعبد أو أن كل ما
ارتبط بها في الروايات اللاحقة ينطبق على هذا الموقع. فالأسماء الشعبية قد تحفظ
ذاكرة المكان، لكنها ليست بديلاً عن الأدلة التاريخية والنقوشية.
ثانياً: أوجه المقاربة
بين أوام والكعبة
تبدأ المقارنة من وظيفة المكان المقدس. فقد
كان معبد أوام مركزاً دينياً مهماً في المجتمع السبئي، بينما أصبحت الكعبة المركز
الأبرز للحج في الإسلام، وترتبط بعبادة الله الواحد وبمناسك الحج والعمرة. وفي الحالتين، لا يقتصر الأمر على وجود بناء ديني، بل يتصل بمكان تتوجه
إليه جماعات من الناس، وتحيط به شعائر وقواعد وسلوكيات خاصة. وهذا التشابه الوظيفي
يفتح مجالاً لدراسة كيفية نشوء المراكز المقدسة ودورها في تنظيم الحياة الدينية
والاجتماعية. وتظهر المقاربة أيضاً في الزيارة المنظمة للمكان
المقدس من قبل الناس. فالنقوش والدراسات المتعلقة بأوام تشير إلى ممارسات دينية لم
تكن بالضرورة عفوية أو فردية، بل شملت جوانب من التنظيم والشعائر. وفي مكة، تتخذ
زيارة الكعبة صورتها الإسلامية المعروفة من خلال مناسك محددة، وأوقات وأعمال
تؤطرها أحكام الحج والعمرة لكن وجود الزيارة المنظمة في المكانين لا يثبت
أن تفاصيل المناسك كانت متطابقة، ولا أن شعائر أحدهما انتقلت مباشرة إلى الآخر.
ولكن يمكن القول هناك تشابه في الشكل وليس في المضمون، فإثبات مثل هذه الصلة يتطلب
أدلة تاريخية مستقلة، لا مجرد التشابه العام. وتبرز المقارنة كذلك في
النذور والتقدمات والقرابين. فقد ارتبطت المعابد القديمة بتقديم نذور وأشياء مخصصة
للمعبودات، وتدل بعض النقوش على أهمية هذه الممارسات في التدين السبئي. غير أن
تحديد طبيعة كل تقدمة ووظيفتها يحتاج إلى قراءة النقش في سياقه؛ فلا يجوز افتراض
أن كل بقايا عظام حيوانية تمثل قرابين مرتبطة بالحج، أو مساواتها تلقائياً بالهدي
في الشعائر الإسلامية. ومن أوجه المقارنة الأخرى وجود قواعد تضبط
السلوك داخل بعض الأماكن المقدسة. وتتناول دراسات حديثة الشواهد المتعلقة بمنع
دخول الحيوانات إلى مناطق من معبد أوام. ويتيح ذلك التساؤل عن علاقة الطهارة وحرمة
المكان بتنظيم الدخول إليه، لكنه لا يثبت أن قواعد أوام كانت مطابقة لأحكام الحرم
المكي، أو أن إحداها نُقلت من الآخر. إذن، نحن
أمام أوجه تشابه في بعض الوظائف الدينية والاجتماعية، لا أمام تطابق كامل في
العقيدة أو الشعائر أو التاريخ.
ثالثاً: هل يثبت
التشابه وجود أصل مشترك؟
هنا ينبغي أن نتوقف عند المسألة الأكثر حساسية
في المقارنة. فقد يذهب بعض الباحثين إلى أن التشابه بين المراكز المقدسة في
الجزيرة العربية يشير إلى صلات ثقافية أو دينية قديمة، وربما إلى تبادل في بعض
الممارسات. وهذه احتمالات تستحق الدراسة، لكنها لا تتحول إلى حقائق بمجرد طرحها. فإثبات وجود أصل مشترك بين معبد أوام والكعبة يحتاج إلى شواهد تؤكد
العلاقة التاريخية بينهما، مثل نصوص مؤرخة، أو نقوش ذات دلالة واضحة، أو أدلة
أثرية يمكن ربطها بمسار انتقال محدد. كما ينبغي فحص التسلسل الزمني، والاختلافات
في الشعائر، والسياقات الدينية والسياسية لكل موقع. ومن المهم ألا نفترض أن كل تشابه لا بد أن يكون نتيجة انتقال مباشر؛
فقد تتشابه بعض الممارسات الدينية لأن المجتمعات البشرية تواجه أسئلة متقاربة، مثل
طلب الحماية والبركة، والتعبير عن الامتنان، وتحديد أوقات للزيارة، وتنظيم العلاقة
بين الجماعة والمكان المقدس. وفي المقابل، لا يصح رفض احتمال وجود صلات
ثقافية أو لغوية بين مناطق الجزيرة العربية لمجرد أن الأدلة المتاحة لم تحسمها
بعد. فالمنهج العلمي لا يغلق باب الاحتمال، لكنه يطالب كل فرضية بما يناسبها من
برهان. وفي هذا السياق، نشر محمد أ. أتبوعش دراسة عام
2025 في مجلة Bulletin of the School of Oriental and African Studies،
ناقش فيها احتمال وجود أصل لغوي جنوبي عربي لمصطلح «الكعبة»، استناداً إلى نقش
قطباني يتضمن لفظاً قريباً منه. وتمثل هذه الدراسة مقترحاً لغوياً يستحق الفحص
والنقاش، لكنها لا تثبت بمفردها أن الكعبة في مكة نشأت في اليمن، ولا أن معبد أوام
هو أصلها التاريخي. وهذا مثال مهم على ضرورة الفصل بين السؤال
اللغوي والسؤال الأثري والسؤال التاريخي؛ فقد يفتح التشابه اللغوي باب البحث، لكنه
لا يكفي وحده لإثبات انتقال بناء أو شعيرة أو مؤسسة دينية من مكان إلى آخر.
رابعاً: ما الذي نستطيع
قوله اليوم؟
تتيح الشواهد المتاحة القول إن معبد أوام كان
مركزاً دينياً بارزاً في مملكة سبأ، وإن الزيارة والشعائر والنذور والتنظيم الديني
ارتبطت به. كما تتيح المقارنة بالكعبة دراسة بعض أوجه التشابه في وظائف المكان
المقدس، وفي علاقة الشعائر بالمجتمع، وفي تنظيم الزيارة والسلوك داخل المجال
الديني. لكن الأدلة التي تناولناها لا تكفي لإثبات أن معبد أوام هو أصل الكعبة،
أو أن مناسك الحج الإسلامي انتقلت منه مباشرة، أو أن التشابه الوظيفي يثبت وحدة
المنشأ التاريخي. ولا يعني ذلك أن جميع الأسئلة قد حُسمت، أو أن
ما نعرفه اليوم يمثل الكلمة الأخيرة في تاريخ الجزيرة العربية. فالآثار المكتشفة
لا تمثل بالضرورة كل ما كان موجوداً، والنقوش التي وصلت إلينا لا تسجل كل
الممارسات، كما أن تطور تقنيات التنقيب والتأريخ وتحليل النصوص قد يتيح مستقبلاً
قراءات جديدة لبعض الشواهد. ومن هنا، فإن الموقف العلمي المتوازن لا يقوم
على إثبات العلاقة بأي ثمن، ولا على نفيها بصورة مسبقة، بل على تحديد ما نعرفه،
وما لا نعرفه، وما نحتاج إلى اكتشافه حتى نقترب من إجابة أدق.
خاتمة: المقارنة طريق
إلى السؤال لا حكم نهائي
إن المقاربة بين معبد أوام والكعبة ليست
انتقاصاً من مكانة أي منهما، ولا حكماً على عقيدة دينية، بل هي محاولة لفهم
التاريخ الديني والاجتماعي للجزيرة العربية من خلال الآثار والنقوش والمقارنة
النقدية. فالمكان المقدس يمكن أن يؤدي وظائف اجتماعية وشعائرية متشابهة في
مجتمعات مختلفة، من دون أن تكون عقائدها واحدة أو أن يكون أحدها قد نشأ بالضرورة
من الآخر. ولذلك ينبغي ألا نحول التشابه إلى برهان على أصل مشترك، كما ينبغي ألا
نحول غياب البرهان الحاسم اليوم إلى نفي نهائي لكل صلة محتملة. إن قيمة البحث لا تكمن في الوصول إلى نتيجة ترضي قناعة مسبقة، بل في
احترام الأدلة، والتمييز بين الحقيقة والفرضية، والاستعداد لمراجعة الاستنتاجات
إذا ظهرت شواهد جديدة.
أكتب كي أفهم الإنسان..
لا لأقنعه.
فالتاريخ لا يخشى
السؤال، والبحث الجاد لا يحتاج إلى يقين مصطنع؛ إنه يحتاج إلى عقل منفتح، وأدلة
قابلة للفحص، وشجاعة الاعتراف بأن بعض الأسئلة ما زالت تنتظر جواباً.
مصادر للاستزادة
1. Maraqten,
Mohammed. “The Pilgrimage to the Awām Temple/Maḥram Bilqīs, Maʾrib, Yemen.”
2021.
2. Atbuosh, Mohammed A. “South Arabian
Etymology for the Meccan Kaʿbah.” Bulletin of the School of Oriental and
African Studies, 88(1), 2025, pp. 71–81.
3.
“The Prohibition of Animal Entry at the Awām Temple/Mahram Bilqīs, Marib,
Yemen.” Athīrat: Journal

تعليقات
إرسال تعليق