لا أحد له الحق أن يتحدث بلسان الله

 

لا أحد له الحق أن يتحدث بلسان الله

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

تمهيد قبل النشر:

   هذا النص اجتهاد فكري شخصي، لا فتوى ولا حكم شرعي، ولا يهدف إلى الطعن في الدين أو في النصوص المقدسة. غايته الأساسية الدعوة إلى التمييز بين النص الإلهي وبين الفهم البشري والتأويل، وإلى فتح باب النقد والاجتهاد داخل دائرة الإيمان لا خارجها. أنا أؤمن وأقر ّبإيماني بالله الواحد الاحد وبالمعيار السماوي الأخلاقي الكلي (العدل والكرامة)، وارى أن أي فهم بشري — مهما علا شأن صاحبه — يبقى قابلًا للمراجعة والخطأ والصواب. من يقرأ النص فليقرأه بروح حوارية نقدية، لا بروح الرفض المسبق أو التقديس المطلق. والاختلاف في الرأي طبيعي ومشروع، ما دام في إطار الأدب واحترام المقدسات وعدم إلغاء النص أو ليِّ عنقه بالتأويل.

مقدمة: ادعاء التحدث باسم الله

   عبر التاريخ، كان أخطر ادعاء يمكن أن يطلقه إنسان هو: "هذا كلام الله". بهذه العبارة تُشرَّع الحروب، وتُهمَّش النساء، وتُصادر الحريات، وتُقدَّس أنظمة بشرية لا علاقة لها بالإله. المشكلة ليست في الإيمان بالله، بل في اغتصاب حق التحدث باسمه من قبل بشر يعيشون في زمانهم ومكانهم، ويحملون مصالحهم وأهواءهم وعقولهم المحدودة وعُقدهم النفسية.

أولاً: الله لا يتناقض — إذن التناقض بشري

   المنطق الديني السليم يقتضي أن الله، إن كان واحداً أحداً، لا يمكن أن يتناقض في كلامه وأفعاله. فإذا وجدنا نصاً يقول إن الله خلق الإنسان "في أحسن تقويم"، ووجدنا في المقابل فهماً يقول إن نصف البشر (النساء) ناقصات عقل ودين، فإما أن النص الأول ليس من الله، أو أن الفهم الثاني ليس من الله. لا يمكن أن يكون الاثنان من مصدر واحد لا يتناقض. هذه قاعدة قرآنية في جوهرها: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا). القرآن نفسه يدعو إلى اكتشاف التناقض كدليل على بشرية المصدر. فلماذا نرفض تطبيق هذا المبدأ على التفاسير والفقه والحديث؟ ولأكثر دقة وتوضيحا نقول: إذا كان القرآن يقرر كرامة الإنسان، ويجعل التقوى معيار التفاضل بين الناس، فإن أي تفسير ينتقص من إنسانية المرأة أو يجعلها أدنى من الرجل في القيمة الإنسانية يحتاج إلى مراجعة نقدية. ولا يكفي أن يُنسب هذا التفسير إلى التراث حتى يصبح حقيقة إلهية نهائية؛ فالنسبة إلى التراث لا تعفي الفهم البشري من المساءلة.

ثانياً: الكتب المقدسة ليست فوق النقد البشري

   من قال إن الكتب التي نسميها "سماوية" وصلت إلينا نقية كما أنزلت؟ التاريخ يقول إن كل كتاب مرّ عبر أيدٍ بشرية: نسّاخ، ومترجمين، وجامعين، وسلطات سياسية اختارت ما يخدمها وأهملت ما لا يخدمها. يعني وصلت النصوص الدينية عبر مسارات تاريخية ارتبطت بالنسخ والجمع والترجمة والتدوين، واختلفت طبيعة هذه المسارات من تقليد ديني إلى آخر. وقد أثرت الظروف السياسية والاجتماعية في بعض مراحل تداول النصوص وتفسيرها. ومن هنا تبرز أهمية البحث التاريخي والنقدي، مع التمييز بين الإيمان بمصدر النص وبين دراسة تاريخ انتقاله إلينا.  هذا لا يعني إنكار الإيمان، بل يعني التمييز بين الرسالة الإلهية الأصلية وبين النص المدوَّن الذي بين أيدينا. من يعتقد أن كل حرف في كل نسخة هو كلام الله المباشر، فإنه في الحقيقة يؤله البشر الذين كتبوا ونسخوا واختاروا. لان كل تفسير تاريخي أو فقهي بمنزلة الحقيقة الإلهية قد يؤدي إلى إضفاء حصانة على اجتهادات بشرية لا تملك حق الحصانة بذاتها.

ثالثاً: التأويلات البشرية — أخطر من النصوص

   حتى لو سلّمنا بأن النص مقدس، فإن التأويل هو عمل بشري بالكامل. عندما يقول فقيه إن "ناقصات عقل" حكم أبدي على ذكاء المرأة، فهو لا ينقل كلام الله، بل ينقل فهمه هو. وعندما يقول آخر إن الآية مرتبطة بسياقها، فهو أيضاً يجتهد. كلاهما بشر، ولا أحد منهما يملك تفويضاً إلهياً. المشكلة أن الأول غالباً يلبس عباءة "الكلام الإلهي" ليصمت الآخرين.

رابعاً: من هم "رجال الدين"؟

   رجال الدين ليسوا رسلاً، ولا معصومين، ولا يملكون اتصالاً خاصاً بالله. هم بشر درسوا نصوصاً وفهموها في سياقاتهم. كثير منهم كانوا فعلاً وعاظ سلاطين، يشرّعون ما يخدم الحاكم ويقمعون ما يهدده. هذا ليس اتهاماً مطلقاً لكل فرد، لكنه وصف دقيق لدور المؤسسة الدينية عبر التاريخ: مؤسسة سلطة، لا مؤسسة معرفة محضة. ومن هنا جاءت الكثير من الفروقات "الشرعية" بين الرجل والمرأة — ليست من الله، بل من مصلحة النظام الأبوي الذي احتاج إلى تبرير إلهي.

خامساً: الاجتهاد المفتوح — تليين النص دون إلغائه

   الاجتهاد ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية. النص ثابت، لكن الحياة تتغير، والعقل البشري يتطور، والمجتمعات تنتقل من طور إلى طور. إذا جمد الفهم عند لحظة تاريخية معينة، تحوّل الدين إلى متحف، وتحوّل الفقيه إلى حارس قبر. الاجتهاد المفتوح يعني تليين النص ومده في المرتقى الحضاري: قراءة النص في ضوء مقاصده الكلية، لا في ضوء أعراف عصر بعينه. لكن هذا الاجتهاد مشروط بشرطين لا يجوز تجاوزهما:

1. عدم إلغاء النص: الاجتهاد ليس حقاً في تمييع النص أو إنكاره أو القفز فوقه بحجة "روح العصر". من يلغي النص لم يجتهد، بل يهدم.

2. عدم ليِّ عنق النص بالتأويل: التأويل المفتعل الذي يخضع النص للهوى أو للمصلحة السياسية هو تحريف مقنّع. الفرق بين الاجتهاد والتلاعب هو الأمانة المنهجية: أن يكون التأويل متسقاً مع اللغة والمقاصد والسياق، لا مجرد أداة لتمرير نتيجة مسبقة. والتأويل مرفوض قرآنيا من قوله: وما يعلم تأويله الا الله.

بهذين الشرطين، يبقى الاجتهاد حركة حية داخل النص، لا خروجاً عليه. وهذا هو الفرق بين التليين الذي يمد النص إلى الأمام، والليّ الذي يطويه على نفسه.

سادساً: المعيار الحقيقي

   كيف نميز كلام الله من كلام البشر؟ المعيار ليس في العمامة ولا في اللحية ولا في الشهادة الجامعية. المعيار هو المقاصد الكلية: العدل، الرحمة، الكرامة، الحرية، المساواة في الإنسانية. أي نص أو تأويل ينتج ظلماً أو إذلالاً أو تناقضاً مع "أحسن تقويم" — فهو بشري، مهما قدّسه الناس. الله لا يأمر بالظلم، ولا يخلق نصف البشر ناقصاً ثم يعاقبهم على نقصهم.

خاتمة: تحرير الله من البشر

    المشكلة ليست في الله، بل فيمن يتحدثون باسمه. كل مرة يُقال "قال الله" بينما المقصود "قال فهمي للنص"، تُرتكب جريمة بحق الله أولاً وبحق البشر ثانياً. تحرير الإيمان من ادعاء التحدث باسم الله ليس كفراً — بل هو أعظم توحيد: توحيد الله بأن لا شريك له في التشريع، وتوحيد البشر بأن لا وصاية لأحد على ضمائرهم. لا أحد يملك خطاً مباشراً مع السماء. كل ما بين أيدينا من فهم هو بشري، قابل للخطأ والصواب. وأي نص متناقض مع العدل الإلهي والكرامة الإنسانية هو نتاج العقل البشري — سواء وُجد في كتاب يُقال عنه سماوي، أو في تأويلات البشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه