أكتب كي يفهمني الإنسان... لا لأقنعه رحلة عقل يؤمن بالله، ويحترم الأديان، ولا يمنح أفكاره حصانة من السؤال
أكتب كي يفهمني
الإنسان... لا لأقنعه
رحلة عقل يؤمن بالله،
ويحترم الأديان، ولا يمنح أفكاره حصانة من السؤال
بقلم: الباحث عدنان
مهدي الطائي
كلما تقدّمت بي الحياة، ازددت اقتناعاً بأن
الإنسان لا يعيش على الحقائق وحدها، بل يعيش أيضاً على ما ورثه من أفكار ومعتقدات
وتفسيرات، بعضها يمنحه الطمأنينة، وبعضها يثير في داخله الخوف، وبعضها الآخر يتحول
مع مرور الزمن إلى قيود تمنعه من رؤية العالم خارج الحدود التي رسمها له الماضي. ولعلّ أكثر ما يشغلني اليوم ليس مقدار ما عرفته من هذه الحياة، بل
مقدار ما بقي مجهولاً منها، وما إذا كان العقل البشري قادراً على مواصلة رحلته نحو
الحقيقة، أم أنه سيظل أسير ما توصل إليه في مرحلة معينة من تاريخه. لا أدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، ولا أرى أن سنوات العمر تمنح الإنسان
عصمةً من الخطأ. ولا اتجاوز الحقيقة المؤداة إننا
لا نعرف من التاريخ إلا ما هو جزئي وما هو محدود ونرفض ما لا نستطيع أن نملكه
لأننا لا نستطيع أن نحدده. لان لدينا الكثير من التساؤلات
تجعلنا من الضرورة توجيه أسئلة ميتافيزيقية ثانية والولوج داخلها والإقامة فيها
لكي نصل إلى حقيقة الكون وفك غموضه، كما أننا مازلنا ندرك بأن ما نعرفه عن هذا
العالم الفسيح لا يمكن مقارنته البتة بما نجهله.. فحينما نقارن ما نعرفه بما نجهله
ندرك حينا مدى ضعف ابن آدم ومدى جهله، ولكن يبقى من الجيد دوما الإحساس المستمر
والدءوب بالجهل، لأن الإحساس بالجهل كما قال سقراط (469 – 399 ق. م) ذات يوم هي
الخطوة الأولى نحو المعرفة. فما أملكه هو تجربة حياة طويلة، وقراءة
متواصلة، وأسئلة لم أجد لها جميعاً أجوبة نهائية. وكلما ظننت أنني اقتربت من نهاية
سؤال، ظهر سؤال آخر يدعوني إلى إعادة النظر فيما اعتقدت أنني فهمته. لهذا أكتب. لا لأنني أمتلك أجوبةً أريد من الآخرين أن يتبنوها، بل
لأنني أريد أن أفهم الإنسان، وأن أفهم نفسي معه، وأن أختبر أفكاري أمام العقل
والواقع، من دون أن أمنحها حصانةً لمجرد أنها أفكاري.
أؤمن بوجود الله، واحدٍ أحد، وهذا موقف شخصي
أعلنه بوضوح، ولا أجد في البحث العقلي ما يوجب عليّ إخفاءه أو التظاهر بغيره. لكن إيماني بالله لا يعني أن أؤمن تلقائياً بكل ما نُسب إلى الله عبر
التاريخ، ولا أن أعتبر كل دين قائماً بين البشر رسالةً سماوية بالضرورة. فوجود
الله مسألة، ونشأة الأديان وتاريخها وتعددها واختلاف تعاليمها مسألة أخرى تستحق
البحث المستقل. ومن هنا وصلت إلى قناعة أطرحها بوصفها رؤيتي
الفكرية: إن الأديان، بما تتضمنه من معتقدات وشرائع وتقاليد وتصورات عن العالم
الآخر، تمثل تجليات للعقل البشري، وتجارب الشعوب، وثقافاتها، وتاريخها. وهي، في
نظري، لا تنفصل عن الظروف التي عاش فيها الإنسان، ولا عن حاجته إلى تفسير الوجود، وتنظيم
الحياة، ومواجهة الموت، والمجهول. هذه قناعتي
التي أدافع عنها بالحجة والنقاش، لا حقيقة أطالب الآخرين بتسليمهم بها من دون فحص. وأنا أحترم الأديان، لا لأنني أؤمن بالضرورة بمصدرها السماوي، بل لأنني
أراها جزءاً من تاريخ الإنسان وحضارات الشعوب وذاكرتها الثقافية. فالاختلاف معي في
الاعتقاد لا يسلب الإنسان كرامته، ولا يلغي حقه في ممارسة معتقده، ولا يبرر
الإساءة إلى تراثه أو السخرية من إيمانه. إن نقد
الفكرة شيء، واحتقار الإنسان الذي يؤمن بها شيء آخر تماماً.
ثانياً: بين الدين
والتديّن مسافة لا يجوز تجاهلها
من المبادئ التي أراها أساسية في فهم المسألة
الدينية التمييز بين الدين والتديّن. فالتديّن، في
تصوري، هو ما يصنعه الإنسان من فهم وممارسات واجتهادات وتفسيرات حول النصوص
والمعتقدات. وهو يتأثر بالزمان والمكان والثقافة والسياسة والمصالح الاجتماعية،
ولذلك يختلف من مجتمع إلى آخر، بل قد يختلف داخل الدين الواحد وبين أتباع المذهب
نفسه. وعندما يختلف البشر في تفسير النص الديني، ثم
يعلن كل فريق أن تفسيره هو وحده مراد الله، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من منح
هذا الإنسان حق التحدث باسم الله؟ وكيف تحوّل الاجتهاد البشري إلى حقيقة لا يجوز
الاعتراض عليها؟ إنني لا أرى أن رجل الدين، لمجرد صفته، يمتلك حقاً حصرياً في فهم
النص أو تحديد ما يجب على الآخرين اعتقاده. فالإنسان، مهما بلغت معرفته، يظل
إنساناً محدود العلم والتجربة، ولا يجوز أن تتحول مكانته الدينية إلى سلطة تعفي
أفكاره من النقد. ولهذا أتمسك بمبدأ أراه ضرورياً لحماية العقل
والضمير: ليس من حق أحد أن يتحدث بلسان الله، أو أن يجعل
تفسيره البشري مساوياً للحقيقة الإلهية التي يدّعي تمثيلها. إن الاعتراف بحدود معرفتنا ليس انتقاصاً من الإيمان، بل اعتراف بحدود
الإنسان.
أرى أن التعامل مع النصوص الدينية يحتاج إلى
منهج يتيح للعقل أن يعمل، وللنص أن يبقى حاضراً، وللإنسان أن يواصل تطوره الحضاري. ولهذا أدعو إلى ما أسميه الاجتهاد المفتوح: أي مواصلة البحث في فهم
النصوص وتطبيقها في ضوء تطور المعرفة والحياة، وتليين طرائق التعامل معها بما يسمح
للإنسان بالارتقاء الحضاري، من دون إلغاء النص أو محو دلالته أو تحميله معنى
مصطنعاً لا يحتمله. أنا لا أدعو إلى تغيير النص كي يوافق أهواء
العصر، ولا إلى تجميد الحياة كي تبقى مطابقة لفهم بشري نشأ في عصر سابق. إنما أدعو
إلى أن نميّز بين النص نفسه وبين فهمنا له، وبين ما يقوله وبين الأحكام التي
استنبطها البشر منه في ظروفهم التاريخية. أما التأويل،
بالمعنى الذي أرفضه في منهجي، فهو أن يُصرف النص عن دلالته ليُقال إنه يعني شيئاً
آخر، ثم يُنسب ذلك المعنى إلى الله وكأنه الحقيقة النهائية التي لا تقبل المناقشة.
وهذا لا يعني أن كل تفسير لغوي أو اجتهاد في فهم السياق هو تأويل مرفوض؛ فالمطلوب
أن نحدد المقصود بدقة، وألا نجعل خلافنا حول المصطلحات سبباً في إغلاق باب البحث. إن النص لا ينبغي أن يتحول إلى سجن للعقل، كما لا ينبغي أن يصبح العقل
ذريعة لمحو النص. وما أريده هو إبقاء العلاقة بينهما مفتوحة على
الفهم والمراجعة، مع التمييز بين دلالة النص، واجتهاد الإنسان، وما يثبت بالدليل
وما يبقى موضع اختلاف. فالحضارة لا تتقدم حين نلغي الماضي، ولا حين
نجعله حكماً نهائياً على المستقبل، بل حين نقرأه ونفهمه ونختبر ما يمكن أن يستمر
منه وما يحتاج إلى مراجعة.
رابعاً: لا أريد أن
أكون وصيّاً على عقل القارئ
لقد عرفت في رحلتي الفكرية كيف يمكن للفكرة أن
تتحول إلى سلطة، وكيف يمكن للمعتقد، حين يفقد صاحبه القدرة على مساءلته، أن يتحول
من مصدر للطمأنينة إلى وسيلة لإقصاء الآخرين. ولذلك لا
أريد لكتابتي أن تكون شكلاً آخر من أشكال الوصاية التي أنتقدها. ليس هدفي أن أستبدل سلطة رجل الدين بسلطة الكاتب، ولا أن أطلب من
القارئ أن يقبل رأيي لأنني قرأت أكثر أو عشت أطول. فما قيمة الكتابة إذا كان
الكاتب يطالب الآخرين بالتفكير، ثم يغضب حين يفكرون بطريقة مختلفة عنه؟ أريد
للقارئ أن يسألني، وأن يعترض عليّ، وأن يكشف لي موضع الخطأ إن وجده. وأريد أن
أحتفظ بحقي في الدفاع عن رأيي بالحجة، كما أريد له أن يحتفظ بحقه في رفضه. لكن حرية الاختلاف لا تعني أن الآراء جميعها متساوية في الأدلة، ولا أن
الحقيقة لا وجود لها. إنها تعني أن الطريق إلى معرفة الحقيقة يحتاج إلى حجة يمكن
فحصها، ودليل يمكن مناقشته، وعقل لا يخشى المراجعة. لهذا أحاول، كلما كتبت، أن أفرّق بين ما أؤمن به شخصياً، وما أستطيع
إثباته، وما أستنتجه من النصوص، وما أراه احتمالاً يحتاج إلى مزيد من البحث. فأنا لا أريد أن أخفي قناعتي باسم الحياد، ولا أن أفرضها باسم اليقين.
خامساً: الحياة مليئة
بالتناقضات، والعقل لا ينبغي أن يخاف منها
ما زالت الحياة تفاجئنا بما لم نتوقعه. تتغير
المعرفة، وتتبدل المجتمعات، وتتراجع أفكار كنا نظنها نهائية، وتظهر أسئلة لم تكن
الأجيال السابقة قادرة على طرحها بالصورة التي نطرحها بها اليوم. والحداثة نفسها ليست محطة أخيرة يصل إليها الإنسان ثم يعلن انتهاء
رحلته. فما نسميه تقدماً قد يفتح أبواباً جديدة للمعرفة، لكنه قد يخلق أيضاً
مشكلات أخلاقية وإنسانية لم تكن معروفة من قبل. قد نصل إلى
مرحلة تتجاوز فيها التكنولوجيا قدراتنا الحالية، وتصبح الأسئلة المتعلقة بالإنسان
والوعي والحرية والكرامة أكثر تعقيداً. وقد نكتشف أن بعض تصوراتنا عن الحياة تحتاج
إلى مراجعة عميقة. ولا أملك أن أتنبأ بما ستؤول إليه الحضارة، أو بأي صورة ستظهر
الحداثة المقبلة. لكنني أملك أن أحتفظ بحقي في السؤال. وأتساءل: ما قيمة العقل إذا كان ممنوعاً من مراجعة قناعاته؟ وما جدوى
المعرفة إذا تحولت إلى مخزون من الإجابات المحفوظة لا يسمح لصاحبه بطرح سؤال جديد؟
وهل يمكن للإنسان أن يواصل التطور إذا اعتقد أن ما وصل إليه هو نهاية الطريق؟ إنني
لا أريد أن أمحو ما آمنت به لمجرد أن فكرة جديدة ظهرت، ولا أن أرفض الفكرة الجديدة
لمجرد أنها تهدد ما اعتدت عليه. أريد أن أفحصها، وأن أوازن بين أدلتها
واعتراضاتها، وأن أقبل ما يثبت لي صوابه، وأراجع ما يتبين لي خطؤه. إنني أريد أن أترك لعقلي فرصة أخرى كي يقتنع، لا أن أفرض عليه أن يقتنع
بما اقتنعت به بالأمس. وهذه الفرصة ليست ضعفاً في الموقف، بل اعتراف
بأن الإنسان يظل في حاجة إلى التعلم ما دام قادراً على التفكير.
سادساً: الإيمان لا
يلغي السؤال، والسؤال لا يعني إنكار الإيمان
قد يتساءل البعض: كيف تؤمن بالله، وفي الوقت
نفسه لا تؤمن بأن الأديان جميعها منزلة من السماء؟ وجوابي أن إيماني بالله لا
يلزمني، في نظري، بتعليق العقل أمام كل رواية دينية، ولا يجعل كل ما نُسب إلى الله
حقيقة لمجرد وروده في تراث ديني. إنني أميّز بين إيماني بوجود الله ووحدانيته،
وبين الأحكام البشرية التي تشكلت حول الأديان عبر التاريخ وهديا بما قيل وما اتيتم
من العلم الا قليلا. وأنا لا أرى في السؤال عن الأديان إساءة إلى الله، ولا في نقد
التفسيرات البشرية انتقاصاً من قدسية الذات الإلهية التي أؤمن بها. بل أرى أن من
حق الإنسان أن يفحص ما يُنسب إلى الله، وأن يسأل عن مصادره ودلالاته، وأن يميّز
بين النصوص والمرويات والاجتهادات. وعندما أجد تناقضاً بين روايتين دينيتين، أو بين
تفسيرين للنص الواحد، فلا أريد أن أحسم الأمر بمجرد إعلان أن أحدهما مقدس والآخر
باطل، لأني اومن بان القدسية فقط للذات الإلهية هو الله دون منازع. أريد أن أفهم
تاريخ كل رواية، وسياقها، وما تستند إليه من أدلة، وما يحيط بها من إشكالات. وقد أصل إلى نتيجة، ثم أكتشف لاحقاً أن بعض مقدماتها لم تكن دقيقة.
عندها ينبغي أن أراجعها، لا أن أختلق لها الأعذار كي أحميها. فالإيمان الذي أعلنه لا يعفيني من واجب التفكير، كما أن التفكير لا
يفرض عليّ أن أتخلى عن كل قناعة شخصية. إن ما أرفضه
هو أن تتحول القناعة إلى حصانة ضد السؤال، أو أن يتحول السؤال إلى تهمة توجه إلى
صاحبه.
سابعاً: ما الذي أريده
من الكتابة في هذه المرحلة من حياتي؟
بعد رحلة طويلة من التجربة والقراءة والتأمل،
لم يعد يهمني أن أخرج من كل نقاش منتصراً، أو أن أرى الآخرين يكررون عباراتي. ما
يهمني هو أن أضع الفكرة في صورتها الواضحة، وأن أعرض أسبابها، وأن أمنح القارئ
فرصة النظر فيها من دون ضغط أو وصاية. لا أريد أن
أقنع المؤمن بأن يتخلى عن إيمانه، ولا أن أقنع غير المؤمن بأن يتبنى إيماني. ولا
أريد أن أستبدل يقيناً مغلقاً بيقين مغلق آخر. إنما أريد أن أفهم كيف يفكر
الإنسان، وكيف تتكون معتقداته، ولماذا يتمسك بعضها بالبقاء رغم تغير العالم،
ولماذا يتخلى الإنسان أحياناً عن أفكار رافقته معظم حياته. وقد أختلف مع إنسان في عقيدته، لكنني أستطيع أن أحترم حقه في الاعتقاد.
وقد أرفض تفسيراً دينياً، لكنني لا أملك أن أحتكر الحقيقة لمجرد أنني رفضته. وقد
أؤمن بفكرة، لكن إيماني بها لا يجعلها فوق النقد. إن الكتابة
بالنسبة إليّ ليست منبراً لإصدار الأحكام على البشر، بل مساحة لاختبار الأفكار
وفهم أصحابها. وكلما اتسعت معرفتي بالإنسان، أدركت أن وراء المعتقد تاريخاً وتجربة
وخوفاً وأملاً، وأن فهم هذه العوامل أعمق من الاكتفاء بإطلاق الأحكام. ومع ذلك، فإن فهم الإنسان لا يعني تبرير كل ما يصدر عنه، كما أن احترام
ثقافته لا يمنع نقد ما قد تتضمنه من أفكار أو ممارسات مؤذية. فالاحترام لا يلغي
المساءلة، والنقد لا يستلزم الكراهية.
خاتمة: ما زلت أبحث،
لأنني لم أفقد حق السؤال
أؤمن بالله، واحدٍ أحد، وأحترم الأديان
باعتبارها جزءاً من تاريخ الإنسان وحضارات الشعوب، لكنني لا أرى أن احترامها يقتضي
التسليم بكل ما تقوله أو تنسبه إلى السماء. وأؤمن بأن العقل ينبغي أن يبقى قادراً
على الفحص، وأن الاجتهاد لا يجوز أن يتحول إلى وصاية، وأن أحداً لا يملك أن يجعل
فهمه البشري حكماً نهائياً باسم الله. هذه قناعاتي
التي أكتب بها اليوم، وهي نتيجة رحلة فكرية عشتها، لا وصفة أطلب من الآخرين
اتباعها. أعرضها كما أفهمها، وأقبل أن يناقشني القارئ فيها، وأن يختلف معي، بل وأن
يقنعني بتصحيح رأي إذا قدم ما يستحق النظر. أما
المستقبل، فلا أعرف إلى أين ستذهب الحياة، ولا أي حداثة ستولد من رحم التغيرات
المقبلة، ولا ما الأفكار التي سيعيد الإنسان النظر فيها بعد جيل أو جيلين. وربما
تكشف الأيام عن أسئلة لم تخطر لنا، وربما تضعنا أمام حقائق تدعونا إلى مراجعة كثير
مما نراه اليوم بديهياً. لكنني لا أريد أن أصل إلى مرحلة أعتقد فيها أنني
لم أعد بحاجة إلى التعلم، أو أن العمر الذي عشته يمنح أفكاري حق البقاء من دون
امتحان. ما دمت قادراً على التفكير، أريد أن أترك لعقلي
فرصة أخرى كي يفهم، ويفحص، ويقتنع، أو يعيد النظر فيما اقتنع به. فالحقيقة، إن كنا نبحث عنها بصدق، لا تحتاج إلى أن نحميها من السؤال؛
الذي يحتاج إلى الحماية أحياناً هو وهمنا بأننا امتلكناها كاملة.
أكتب كي أفهم الإنسان..
لا لأقنعه.
هذه ليست عبارة أضعها
في نهاية مقالاتي للزينة، بل هي المنهج الذي أريد أن أعيش وأكتب في ظله: أن أعلن
قناعتي من دون أن أفرضها، وأن أحترم عقل القارئ من دون أن أخفي عقلي، وأن أواصل
البحث من دون أن أدّعي أن رحلتي قد انتهت. فربما لا
أستطيع أن أغيّر العالم بكتاباتي، ولا أن أحسم الأسئلة التي حيّرت الإنسان منذ فجر
التاريخ، لكنني أستطيع، على الأقل، ألا أكون سجناً لعقلي، وألا أجعل من أفكاري
قيوداً لعقول الآخرين. وذلك، في هذه المرحلة من حياتي، يكفيني سبباً
لأن أواصل الكتابة.

تعليقات
إرسال تعليق