داروين وهوكينغ: لاأدريّان أم ملحدان؟
داروين وهوكينغ: لاأدريّان أم ملحدان؟
لماذا رفض داروين وصف
الإلحاد، وكيف تطور موقف هوكينغ من وجود الله؟
بقلم الباحث عدنان مهدي
الطائي
يكثر الجدل حول موقف كبار العلماء من الله
والدين. فبين من يصوّر تشارلز داروين ملحداً شرساً هدم الإيمان بنظرية التطور، ومن
يصوّره مؤمناً متردداً تراجع عن إلحاده في أواخر عمره، يضيع غالباً الموقف الحقيقي
لصاحب «أصل الأنواع». ويُطرح السؤال نفسه اليوم على ستيفن هوكينغ، أشهر فيزيائي في
العصر الحديث. فهل كان الرجلان ملحدين، أم لاأدريين، أم شيئاً آخر؟ الحقيقة أن
داروين ترك لنا نصوصاً واضحة تمنع الالتباس، وأن هوكينغ ترك تصريحات متدرجة تكشف
تحولاً مثيراً. والمقارنة بينهما تكشف شيئاً أعمق من مجرد موقف شخصي: إنها حكاية
عن حدود العقل البشري أمام الأسئلة الكبرى.
الإلحاد واللاأدرية:
فرق جوهري
قبل الدخول إلى داروين وهوكينغ، لا بد من توضيح
الفرق بين موقفين كثيراً ما يُخلطان:
· الإلحاد: حكم يقول إن
الله غير موجود.
· اللاأدرية: موقف يقول
إن مسألة وجود الله أو عدمه تتجاوز قدرة العقل البشري على الجزم، فلا نفي قاطع ولا
إثبات قاطع. وتعني لا اعرف.
· الربوبية: الإيمان
بوجود خالق أول للكون، لكنه لا يتدخل في شؤونه بالمعجزات والوحي.
· الإيمان التقليدي:
الإيمان بإله شخصي متدخل، يسمع ويستجيب ويرسل وحياً.
هذا التمييز ضروري، لأن
كلاً من داروين وهوكينغ مرّا بهذه المواقف في لحظات مختلفة، وإن استقرّا في نهايات
مختلفة.
داروين: اللاأدرية بوصفها موقفاً معرفياً متقلباً
أوضح نص في هذا الباب رسالة داروين إلى جون
فوردايس بتاريخ 7 مايو 1879، حيث كتب: «لم أكن قط ملحداً بالمعنى الذي ينكر وجود
الله. أعتقد عموماً – وأكثر فأكثر كلما تقدمت في العمر – أن وصف ‘اللاأدري’ هو
الوصف الأكثر دقة لحالتي الذهنية». وفي سيرته الذاتية كتب ما يقارب المعنى نفسه: «لغز
بداية كل الأشياء غير قابل للحل بالنسبة لنا، وأنا عن نفسي يجب أن أكتفي بأن أبقى
لاأدرياً». إذن، داروين لم يعلن إلحاداً صريحاً، ولم يتبنَّ إيماناً مسيحياً
تقليدياً. مال داروين في أواخر حياته إلى اللاأدرية، مع إقراره بتقلب أحكامه في
المسائل الدينية. ولم يكن موقفه إثباتاً لوجود الله أو نفياً
قاطعاً له، بل تعبيراً عن عجزه عن الوصول إلى يقين يحسم المسألة.
لماذا لم يكن ملحداً؟
لأن الإلحاد، في تصوره، يتطلب معرفة يقينية
بعدم وجود الله. وهو لا يملك هذه المعرفة. كان يرى أن الجزم بالإلحاد يشبه الجزم
بالإيمان: كلاهما يتجاوز حدود ما يمكن إثباته أو نفيه بشكل قاطع. في المقابل من يقول
الإلحاد: عدم الاعتقاد بوجود إله، وقد يتخذ صورة النفي
الصريح أو عدم تبنّي الاعتقاد لغياب الأدلة الكافية. وان اللاأدرية: موقف يتعلق بحدود
المعرفة وإمكان حسم مسألة وجود الله أو عدمه؛ وقد تجتمع مع الإيمان أو الإلحاد
بحسب موقف الشخص من الاعتقاد.
لماذا لم يكن مؤمناً
تقليدياً؟
لأسباب عدة، لعل أهمها:
1. مشكلة الألم في
الطبيعة: كان داروين يرى أن فكرة «التصميم الرحيم» يصعب التوفيق بينها وبين وجود
الألم والقسوة في عالم الكائنات، مثل طفيل الإشنيومون الذي يتغذى داخل أجساد
اليسروع. هي فصيلة من الحشرات تنتمي إلى رتبة غشائيات الأجنحة، والتي تضم النحل
والزنابير والنمل. تكمن شهرة هذه الحشرات
في أسلوبها الفريد في التكاثر، تقوم أنثى الزنبور باستخدام آلة وضع البيض (Ovipositor)
الخاصة بها، والتي تشبه الإبرة، لحقن بيوضها داخل جسم الضحية (اليرقة، أو العناكب،
أو الحشرات الأخرى). تحقن الأنثى مع البيض مادة سامة (Venom)
تعمل على شل الضحية وتخديرها، وليس قتلها. الهدف هو إبقاء الضحية حية fresh طازجاً.
بعد فقس البيض، تتغذى اليرقات على الأنسجة الحية للضحية من الداخل. وهي
تتبع استراتيجية مرعبة: تستهلك الأعضاء الحيوية أولاً وتؤخر الأعضاء الضرورية
للحياة، لتبقى الضحية حية لأطول فترة ممكنة حتى اللحظات الأخيرة. ارتبطت هذه
الحشرات بداروين ليس لأنه اكتشفها، بل لأنها شكلت أزمة أخلاقية ولاهوتية عميقة
بالنسبة له، وأرّقته بشدة. لقد وجد في دورة حياتها الوحشية دليلاً قوياً ضد فكرة
وجود "مصمم رحيم" للطبيعة. عندها كتب داروين: "لا أستطيع أن أقنع
نفسي بأن إلهاً رحيماً وقادراً على كل شيء قد خلق عمداً فصيلة الإشنيومون بقصد
صريح أن تتغذى داخل أجساد اليرقات الحية". إلى جانب أمثلة أخرى مثل القط الذي
يلعب بالفأر، هي الدليل الذي جعله يرى "الكثير جداً من البؤس في
العالم". لذلك، لعبت "طفيليات الإشنيومون" دوراً محورياً في دفع
داروين بعيداً عن فكرة الإله المتدخل في المسيحية مثلا، وتقويته لموقفه اللاأدري
الذي ناقشناه سابقاً.
في المقابل نوضح مشكلة
الألم في الطبيعة: واجه داروين صعوبة في التوفيق بين الاعتقاد
بإله رحيم كلي القدرة وبين ما شاهده من قسوة في العالم الطبيعي. ومن الأمثلة التي أُشير
إليها في هذا السياق طفيليات الإشنيومون، التي تتطور يرقاتها داخل أجساد كائنات
حية أخرى.
وقد أثار هذا النمط من الافتراس تساؤلات لديه عن مدى انسجام المعاناة التي
تتسبب بها الطبيعة مع فكرة التصميم الإلهي الرحيم. لا يعني ذلك
أن هذا المثال وحده حسم موقف داروين الديني، لكنه يوضح أحد الاعتراضات التي جعلت
التوفيق بين الألم الطبيعي والإيمان التقليدي مسألة صعبة بالنسبة إليه.
2. التفسير الطبيعي للتصميم
الظاهري: قدّمت نظرية التطور تفسيراً طبيعياً لـ«التصميم» في الكائنات، دون الحاجة
إلى مصمم يتدخل في كل تفصيل.
3. رفض الوحي
والمعجزات: لم يكن داروين يرى في النصوص الدينية مصدراً موثوقاً للمعرفة العلمية
أو الميتافيزيقية.
«الشك الرهيب»: هل يمكن
الوثوق بعقل تطور؟
في رسالة إلى ويليام غراهام بتاريخ 3 يوليو
1881، كتب داروين: «يظهر لدي دائماً هذا الشك الرهيب: هل قناعات عقل الإنسان، الذي
تطور من عقل الحيوانات الدنيا، لها أي قيمة أو يمكن الاعتماد عليها على الإطلاق؟» هذا
الشك لا يتعلق مباشرة بوجود الله، بل بموثوقية العقل البشري نفسه. إذا كان العقل
نتاج تطور طبيعي غير موجه، غايته الأساسية البقاء والتكاثر لا اكتشاف الحقيقة
المطلقة، فهل يمكن الوثوق بأحكامه عندما يتحدث عن الله والروح والخلود؟ هذا السؤال
جعل داروين يبقى في منطقة اللاأدرية حتى النهاية.
لم يصل داروين بهذا التساؤل إلى إثبات بطلان
العقل، بل طرح مشكلة فلسفية تتعلق بمدى موثوقية أحكامنا عندما نتجاوز مجال الخبرة
والملاحظة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي أن يكون العقل نتاجاً للتطور كي نشك
في قدرته على اكتشاف الحقيقة، أم أن التطور نفسه قد يفسر نشوء قدرات عقلية تساعد
الإنسان على فهم العالم؟ هنا يتحول التساؤل من موقف داروين الشخصي إلى قضية فلسفية
أوسع.
هوكينغ: من عدم الحاجة إلى
الخالق إلى النفي الصريح
ستيفن هوكينغ قدّم مساراً مختلفاً. في مراحل
مبكرة، كان أقرب إلى اللاأدرية. قال في مقابلة شهيرة عام 2010: «قد يوجد إله، لكن
العلم يستطيع تفسير الكون دون الحاجة إلى خالق». هذا التعبير — «قد يوجد إله» — هو
بالضبط جوهر الموقف اللاأدري: لا نفي قاطع، ولا إثبات قاطع. بل إن هوكينغ قال ذات
مرة: «لا يمكن للمرء أن يثبت أن الله غير موجود. لكن العلم يجعل الله غير ضروري». لكن
هوكينغ لم يتوقف عند هذا الحد. في كتابه «التصميم العظيم» (2010) كتب: «لأن هناك
قانوناً مثل الجاذبية، يمكن للكون أن يخلق نفسه من لا شيء... ليس من الضروري أن
نستدعي الله لإشعال فتيل الكون». وفي كتابه الأخير «أجوبة مختصرة لأسئلة كبيرة»
(2018)، كان أكثر حسمًا: «لا يوجد إله. لا أحد خلق الكون ولا أحد يوجه مصيرنا».
نقطة الالتقاء ونقطة
الافتراق
نقطة الالتقاء: الاعتراف بحدود المعرفة
كلاهما اعترف بأن مسألة
وجود الخالق لا يمكن حسمها علميًا، وأن العقل البشري محدود أمام الأسئلة
الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما قال، في لحظة ما: «لا أعرف».
نقطة الافتراق: بين «لا أعرف» و«لا حاجة»
· داروين: بقي لاأدريًا
حتى النهاية، متواضعًا أمام «لغز بداية كل الأشياء». لم يقل «لا حاجة إلى خالق»،
بل قال «لا أعرف، والشك الرهيب يمنعني من الجزم».
· هوكينغ: بدأ لاأدريًا
في «مختصر تاريخ الزمن»، ثم انزلق تدريجيًا نحو الإلحاد الصريح، حتى وصل إلى نفي
وجود الله في كتابه الأخير.
يمكن القول إن داروين
كان لاأدريًا مستقرًا، بينما هوكينغ كان لاأدريًا عابرًا نحو الإلحاد. كلاهما
اعترف بـ«لا أعرف»، لكن هوكينغ أضاف بعدًا آخر: «ولا أحتاج إلى افتراض وجوده».
الخلاصة: هما متواضعان
معرفيًا، مختلفان في الاتجاه
لم يكن داروين ملحدًا بالمعنى الصريح، بل كان
لاأدريًا. رفض المسيحية التقليدية والإله الشخصي المتدخل، لكنه لم ينكر وجود الله
إنكارًا قاطعًا، وترك الباب مفتوحًا أمام احتمال «سبب أول» لا يعلمه العقل البشري.
أما هوكينغ، فقد بدأ من نقطة قريبة من داروين، اتخذ هوكينغ موقفاً أكثر حسمًا في
تصريحاته المتأخرة؛ فبعد أن قال إن وجود الله لا يمكن نفيه بصورة قاطعة، مع إمكان
تفسير الكون علمياً من دون الحاجة إلى خالق، عبّر في كتابه الأخير عن اعتقاده بأن
أبسط تفسير هو عدم وجود إله. ومن ثم يمكن وصف موقفه المتأخر بأنه أقرب إلى
الإلحاد الصريح، مع تجنب الجزم بأن تصريحاته السابقة تثبت أنه مرّ بمرحلة لاأدرية
مستقرة ثم انتقل منها حتماً إلى الإلحاد.
أظهر الرجلان اختلافاً
في كيفية التعامل مع حدود المعرفة. فقد مال داروين إلى تعليق الحكم في المسألة
الدينية، بينما رأى هوكينغ أن القوانين الفيزيائية تتيح تفسير نشأة الكون دون
الاستعانة بفرضية الخالق، ثم عبّر لاحقاً عن اعتقاده بعدم وجود إله. وهنا يظهر الفرق بين
عدم الجزم، وعدم الحاجة إلى تفسير ديني، واتخاذ موقف ينفي وجود الله.

تعليقات
إرسال تعليق