قصيدة(حين يسرقُ النسيانُ وجهَها)

 

 قصيدة(حين يسرقُ النسيانُ وجهَها)

بقلم: عدنان الطائي

يا مَنْ ذابَ القلبُ شوقاً في هواها، 

يا مَنْ سكنتْ روحي وما غادرتْ مداها، 

يا مَنْ تجلّى الطيبُ في أخلاقها، 

وفاحَ عطرُ الحبِّ من حلوِ ثناياها.

أحطتُها بالعمرِ، لا خوفاً عليها، 

لكنَّ قلبي قد تعلّمَ احتواها، 

وكانَ صوتُ الودِّ يهدأُ في دمي، 

كلّما أبصرتُ البِشرَ يشرقُ في محيّاها.

عشنا معاً دربَ السنينِ بحلوِها، 

وتقاسمتْ روحي همومَ خُطاها، 

ورسمتُ في عينيها أجملَ فرحتي، 

وجعلتُ من عمري ظلالاً في حِماها.

وكانتْ لأبنائنا قلباً رؤوفاً، 

تخشى عليهم من الحياةِ وأذاها، 

تحملُ القلقَ الدفينَ بصدرها، 

وتخفي وراءَ الصبرِ دمعاً في حناياها.

عجبي لقسوةِ هذا العمرِ، كيفَ مضى، 

وكيفَ تبدّلتْ ملامحُ دنياها! 

كيفَ استحالَ حديثُها صمتاً طويلاً، 

وضاعَ بعضُ الأمسِ من بينِ يداها؟

أمستْ حروفُ الأمسِ تُتعبُ فكرَها، 

وتاهتْ معاني القولِ عن مغزاها، 

وكأنَّ بابَ الذاكرةِ أُوصدَ فجأةً، 

وتبعثرتْ صورُ الحياةِ وراءَها.

يا ليتني أملكُ الزمانَ لأمنحَها 

عمراً جديداً، لا أرى الحزنَ في محيّاها، 

وأعيدَ للعينينِ بسمتَهما التي 

كانتْ تضيءُ البيتَ في أرجائها.

ما أقسى الفقدَ الذي يأتي بلا موتٍ، 

ويتركُ في قلبِ المحبِّ شظاياها، 

أن تبقى الأحبةُ بيننا بأجسادِهم، 

لكنْ تغيبَ عن الكلامِ حكاياتها.

لا ذنبَ لها إن خانَها نسيانُها، 

أو ضلَّ دربُ الأمسِ بينَ خُطاها، 

هي لم تخترْ أن تغادرَ ذاكرتَها، 

ولم يكنْ بيدِها أن تستعيدَ صداها.

وأنا هنا... ما زلتُ أعرفُ وجهَها، 

وأصونُ عهدَ الحبِّ رغمَ أساها، 

إن غابَ عن عينيها بعضُ ملامحي، 

فالقلبُ يحفظُ عمرَنا وذكراها.

سأظلُّ أجلسُ قربَها متى استطعتُ، 

وأضمُّ كفَّها، وأمسحُ دمعَ عيناها، 

وأقولُ: يا نبضَ السنينِ، أنا هنا، 

أُمسكُ كفَّكِ، لا أُفلتُ هواها.

سأظلُّ أزرعُ في المساءِ بشارةً، 

وأمدُّ نحوَ غدٍ جميلٍ يداها، 

لعلَّ ابتسامةً تعودُ لوجهِها، 

ولعلَّ لحناً من ماضينا يواسيها.

فالحبُّ ليسَ بأن نبادلَ بعضَنا 

ذكرى بذكرى، أو نحصي عطاياها، 

الحبُّ أن أبقى إذا غابتْ ملامحُنا، 

وأن أصونَ الودَّ مهما طالَ بلواها، 

أن أستحيلَ لها أماناً هادئاً، 

إن ضاقَ دربُ العمرِ أو قستْ خطاياها.

يا رفيقةَ العمرِ، يا أحلى السنينِ، 

يا نبضَ قلبي، يا بقايا ضياها، 

إن كانَ نسيانُ الزمانِ قد استباحَ 

بعضَ الحكاياتِ التي عشنا مداها، 

فأنا سأحفظُ ما تبقّى من حكايتِنا، 

وأضمُّ للعمرِ الجميلِ بقاياها.

وإذا مضى العمرُ وانطفأتْ خطانا، 

وتفرّقتْ في الأرضِ يوماً خطاها، 

سيظلُّ حبُّكِ في ضلوعي شاهداً، 

أنَّ الوفاءَ أبى أن ينسى هواها.

فنامي قريرةَ عينٍ يا حبيبتي، 

فما زلتُ هنا، أحرسُ ما تبقّى من رؤانا، 

أحبُّكِ كما كنتُ، بل أكثرَ ممّا 

تستطيعُ الكلماتُ أن تحكي صداها.

وأرعاكِ ما استطعتُ، لا منّةً، 

بل لأنَّ الحبَّ عهدٌ في ثناياها، 

ولن أتركَ النسيانَ يسرقُ من قلبي 

امرأةً كانتْ، وما زالتْ أجملَ ما في العمرِ 

شهدناها.

إن نسيتْ وجهي، حفظتُ لها الودَّ، 

وإن غابَ أمسُها، بقيتُ لها أماناً، 

وإن عجزتْ ذاكرتُها عن روايةِ حكايتِنا، 

كان قلبي لها صداها.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه