القرآن بين الوحي الإلهي والصياغة النبوية قراءة في إشكالية المعنى واللفظ والمتشابه والاجتهاد المفتوح

 

القرآن بين الوحي الإلهي والصياغة النبوية

قراءة في إشكالية المعنى واللفظ والمتشابه والاجتهاد المفتوح

اكتب كي افهم الانسان... لا لأقنعه

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

مقدمة

    يبدو السؤال الذي طرحه العلامة كمال الدين الحيدري :هل القرآن إلهي أم نبوي؟ سؤالًا حادًا لا يترك مجالًا إلا لإجابة واحدة من اثنتين، لكن التأمل فيه يكشف أن القضية أكثر تعقيدًا من هذا التقابل. فالسؤال الحقيقي قد لا يكون: من أين جاء القرآن؟ وإنما: ما الذي نزل من عند الله؟ وهل نزل المعنى واللفظ معًا، أم نزل المعنى الإلهي ثم عبّر عنه الرسول بلسان قومه؟ وهنا تبرز إشكالية تستحق البحث بعيدًا عن الاتهام والدفاع المسبق.

   لقد أثار السيد كمال الدين الحيدري هذه المسألة من خلال التمييز بين مستوى المضمون والمعنى، وبين مستوى اللفظ والصياغة؛ فالمضمون، بحسب الطرح الذي يناقشه، إلهي، أما السؤال فيتعلق بمن قام بصياغته في اللغة العربية. ومن هنا تبدأ رحلتنا مع السؤال، لا بهدف إثبات موقف مسبق، ولا بهدف التشكيك في القرآن أو النبي، وإنما بهدف إرضاء العقل البشري بالبحث عن الاحتمالات الممكنة، وترك الحكم النهائي للقارئ.

أولًا: الوحي بلسان القوم

يقول القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] هذه الآية مهمة في هذه المناقشة؛ لأنها تربط الرسالة الإلهية بلغة القوم الذين أُرسل إليهم الرسول. فالوحي الإلهي لا يصل إلى الإنسان في فراغ لغوي، وإنما يصل إليه عبر لغة بشرية مفهومة. ومن هنا يمكن أن يُطرح السؤال: إذا كان الله سبحانه يخاطب البشر من خلال رسول ينتمي إلى قوم ولغة وثقافة معينة، فهل تكون اللغة ذاتها جزءًا من الوحي، أم أن الوحي هو المعنى، بينما يتولى الرسول التعبير عنه باللغة التي يفهمها قومه؟ الآية لا تجيب بصورة مباشرة عن هذا السؤال، ولذلك لا يصح أن نجعلها وحدها دليلًا على أن النبي هو الذي صاغ ألفاظ القرآن. لكنها، في المقابل، تفتح الباب أمام البحث في العلاقة بين المعنى الإلهي واللغة البشرية. وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: الآية تثبت أن الرسالة تُبلّغ بلسان القوم، لكنها لا تثبت وحدها أن النبي هو مؤلف ألفاظ القرآن. وهذا التفريق ضروري حتى لا ننتقل من احتمال إلى نتيجة دون دليل.

ثانيًا: بين المعنى الإلهي واللفظ القرآني

   يمكن أن نضع أمامنا تصورين رئيسيين:

التصور الأول: اللفظ والمعنى من الله وهو التصور التقليدي الذي يرى أن القرآن نزل من عند الله معنى ولفظًا، وأن جبريل نقل الوحي إلى النبي كما أنزله الله، وأن النبي لم يكن له دور في صياغة ألفاظه. وبهذا المعنى يكون القرآن إلهيًا في مضمونه وألفاظه معًا.

التصور الثاني: المعنى من الله والصياغة من النبي

    وهنا لا نتحدث عن قرآن من اختراع محمد، ولا عن مضمون بشري اخترعه النبي من عنده. بل نتحدث عن احتمال مختلف تمامًا: أن يكون المعنى والوحي والهداية والتشريع من الله، وأن يكون التعبير العربي عن ذلك المعنى قد جرى على لسان النبي، باعتباره الرسول الذي يخاطب قومه بلغتهم. وهذا الاحتمال، إذا طُرح، يحتاج إلى مناقشة مستقلة، لأنه لا يعني بالضرورة أن النبي اخترع مضمونًا أو غيّر وحيًا أو أضاف إليه. وهنا تقع نقطة مهمة جدًا: الصياغة البشرية المحتملة ليست بالضرورة تأليفًا بشريًا، والتعبير عن الوحي ليس بالضرورة اختراعًا للوحي.

 ثالثًا: هل الصياغة النبوية تعني أن القرآن أصبح بشريًا؟

    هنا ينبغي الحذر من القفز من مقدمة إلى نتيجة. فلو افترضنا جدلًا أن الله أوحى إلى النبي بالمعنى، وأن النبي عبّر عن ذلك المعنى باللغة العربية، فإن هذا لا يعني تلقائيًا أن القرآن أصبح بشري المصدر. فالطبيب، مثلًا، قد يكتشف حقيقة علمية، ثم يشرحها للناس بلغتهم الخاصة. اختلاف أسلوب الشرح لا يعني أن الحقيقة التي يشرحها من اختراعه. وبالمثل، يمكن في هذا التصور الافتراضي أن يكون: المصدر الإلهي للمعنى ثابتًا، بينما تكون اللغة وسيلة التعبير عنه. لكن يبقى سؤال آخر أكثر عمقًا: هل يمكن أن تكون هذه الصياغة البشرية قد حافظت على المعنى الإلهي بصورة كاملة؟ هنا تبدأ المسألة الفلسفية الحقيقية. فإذا كان النبي قد عبّر عن المعنى الإلهي، فهل كان التعبير مطابقًا تمامًا لما أراده الله؟ وهل كان النبي يتلقى المعنى بصورة واضحة تمكنه من نقله دون زيادة أو نقصان؟ هذه أسئلة لا ينبغي إخفاؤها، ولا ينبغي أيضًا الإجابة عنها بمجرد الافتراض.

رابعًا: الصادق الأمين وأمانة التبليغ

   وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا في هذه القضية. فحتى لو ناقشنا احتمال الصياغة النبوية، لا ينبغي أن نقفز إلى اتهام النبي بأنه كان يتلاعب بالوحي أو يصوغ النص وفق أهوائه الشخصية. فالنبي محمد عُرف في سيرته بـ الصادق الأمين، وهي صفة سبقت بعثته، كما يقول القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] وهذا الوصف القرآني للأخلاق النبوية يجعل من غير المنهجي أن ننتقل مباشرة من فرضية الصياغة البشرية إلى فرضية التلاعب المتعمد بالوحي. فهناك فرق كبير بين الأمرين: أن يعبّر الإنسان عن معنى تلقاه، شيء؛ وأن يختلق معنى من عنده ثم ينسبه إلى الله، شيء آخر. والفرق بينهما جوهري. لذلك فإن القول المحتمل بأن النبي شارك في الصياغة، لا يساوي القول بأنه أضاف إلى الوحي ما يريد، أو حذف منه ما لا يريد، أو غيّر مضمونه بما يخدم أهدافًا شخصية. مثل هذا الاتهام يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يمكن أن يكون نتيجة تلقائية لفرضية الصياغة.

 خامسًا: ماذا يعني هذا بالنسبة إلى عبارة «القرآن من الله»؟

   هنا نصل إلى لبّ الإشكالية. عندما نقول: القرآن من الله فماذا نعني تحديدًا؟ هل نعني:

1.  أن المصدر هو الله؟

2.  وأن المعنى من الله؟

3.  وأن الألفاظ نفسها من الله؟

4.  أم أن الهداية والتشريع والمعاني من الله، بينما جرى التعبير عنها بلغة النبي؟

إذا كان المقصود هو المعنى الأول والثاني، فلا مشكلة في القول إن القرآن وحي إلهي. أما إذا كان المقصود أن كل لفظ وكل تركيب وكل صياغة حرفية هي من الله مباشرة، فإن هذه مسألة أخرى تحتاج إلى دليل مستقل. ولهذا قد يكون الخلاف الحقيقي ليس حول إلهية القرآن، وإنما حول كيفية انتقال الوحي من المستوى الإلهي إلى المستوى اللغوي البشري.

سادسًا: وماذا عن المتشابهات؟

   هنا تصبح القضية أكثر حساسية. يقول القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] والتشابه يفتح أمام الإنسان مساحة، واسعة للتفكير، والتدبر، والاجتهاد. وبحسب القراءة التي نعتمدها، فإن التأويل النهائي للمتشابه مما استأثر الله بعلمه، بينما يبقى للإنسان مجال التدبر والاجتهاد والفهم في حدود قدرته. ومن هنا يمكن طرح سؤال جديد: إذا صحّت فرضية أن الوحي وصل إلى النبي في مستوى المعنى، وأن النبي عبّر عنه بلسانه، فهل يمكن أن تكون بعض الصياغات المتعلقة بالمتشابه قد ارتبطت بطريقة التعبير النبوي عن ذلك المعنى؟ إنه احتمال يمكن بحثه، لكنه ليس نتيجة ثابتة بمجرد طرح النظرية. وهذه نقطة أرى أنها ضرورية جدًا. فلا ينبغي أن نقول: المتشابهات من صياغة محمد وكأنها حقيقة ثبتت تاريخيًا أو قرآنيًا. الأدق أن نقول: إذا صحّت فرضية أن المعنى إلهي والصياغة نبوية، فقد يُطرح احتمال أن يكون للرسول دور في صياغة بعض الألفاظ التي تحمل معاني متشابهة أو عميقة، لكن إثبات هذا الاحتمال يحتاج إلى دليل مستقل. وهكذا نحافظ على حرية البحث دون أن نحول الاحتمال إلى حقيقة.

سابعًا: هل المعجزة تثبت إلهية اللفظ؟

   تظهر هنا قضية أخرى: إذا كانت بلاغة القرآن معجزة، فهل يعني ذلك أن ألفاظه لا يمكن أن تكون من صياغة النبي؟ قد يقال: إذا كان النبي هو الذي صاغ الألفاظ، فكيف تكون البلاغة معجزة؟ لكن هذا السؤال يفترض مسبقًا أن المعجزة لا يمكن أن تمر عبر الإنسان. وهذا يحتاج إلى إثبات. فحتى لو افترضنا أن المعنى إلهي وأن الرسول عبّر عنه بلغة عربية بالغة القوة، فإن السؤال يبقى: هل كانت القدرة على هذه الصياغة البشرية نفسها جزءًا من التأييد الإلهي للرسول؟ أم أن إعجاز القرآن قائم على أن الله أنزل ألفاظه ومعانيه معًا؟ هنا نجد أنفسنا أمام احتمالين، ولا ينبغي أن نحسم المسألة بمجرد الاستنتاج الدائري: القرآن معجز لأنه من الله، إذن ألفاظه من الله. فالقول بأن القرآن معجز قد يكون دليلًا على مصدره الإلهي، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الدقيق المتعلق بآلية تشكل اللفظ.

ثامنًا: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾

وقد يستشهد بعض الباحثين بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4] وهذه الآية مهمة في النقاش؛ لأنها تنفي أن يكون النبي يتحدث عن الوحي وفق هواه. لكن ينبغي كذلك عدم توسيع الآية أكثر مما تحتمل. فهل المقصود كل كلام النبي طيلة حياته، أم المقصود كلامه المتعلق بالوحي والرسالة فقط؟ وهنا لابد ان نقف عند تفسير الآية، لذلك يمكن الاستفادة منها في تأكيد أمانة النبي في تبليغ الوحي، لكن لا ينبغي تحويلها وحدها إلى برهان تفصيلي على أن كل لفظ قرآني نزل عليه حرفيًا بالطريقة نفسها.

 تاسعًا: الاجتهاد بين النص والفهم

   وهنا نصل إلى قضية قريبة من مشروعنا الفكري حول الاجتهاد. إذا كان النص إلهيًا، فإن الإنسان لا يملك تغييره. أما إذا كان الفهم الإنساني للنص يتجدد، فإن الاجتهاد يصبح ضرورة. ولهذا أرى أن العلاقة يمكن صياغتها بهذه الصورة: النص من الله، والفهم من الإنسان. والنص القرآني ثابت في وجوده، لكن الإنسان متغير في معرفته وأسئلته وظروفه الحضارية. ومن هنا يأتي الاجتهاد. فالاجتهاد ليس إعادة كتابة القرآن، ولا حذف ما لا يناسب العصر، ولا اختراع معنى جديد باسم الله. بل هو محاولة الإنسان أن يفهم النص الثابت في عالم متغير. وهذا ينسجم مع الدعوات القرآنية المتكررة إلى العقل والتدبر: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ و: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ فالقرآن لا يلغي العقل، بل يستدعيه.

عاشرًا: الاجتهاد ليس تأويلًا إلهيًا

    وهنا أميز بين ثلاثة أمور: التدبر: محاولة فهم النص والتفكير في دلالاته. الاجتهاد: استخدام العقل والمعرفة والواقع للوصول إلى فهم قابل للنقاش. التأويل: البحث في المعنى الباطن أو النهائي للنص. وفي رؤيتي، لا ينبغي للإنسان أن يدعي أنه يمتلك التأويل الإلهي النهائي، لأن ذلك يعني الانتقال من موقع الباحث إلى موقع المتحدث باسم الله. وهنا يعود المبدأ الذي أراه أساسيًا: ليس من حق أحد أن يتحدث بلسان الله. فالإنسان يستطيع أن يقول: هذا فهمي للنص. لكنه لا يستطيع أن يقول: هذا هو مراد الله قطعًا، إلا بدليل قطعي لا يحتمل غيره.

الحادية عشرة: أين نقف من طرح الحيدري؟

  إذا فهمنا المسألة بهذا الشكل، فإن طرح السيد كمال الدين الحيدري، في هذه القضية، لا ينبغي اختزاله في عبارة: القرآن من محمد وليس من الله. فهذه صياغة مختلفة عن السؤال المطروح. المسألة، كما تبدو من التفريق بين المعنى واللفظ، أكثر دقة: هل الوحي الإلهي يتضمن المعنى واللفظ معًا، أم أن الوحي يتضمن المعنى، بينما يكون للنبي دور في التعبير اللغوي عنه؟ الاحتمال الثاني، حتى لو ناقشناه بجدية، لا يعني أن محمدًا اخترع الدين، ولا أنه اخترع التشريع، ولا أنه أضاف ما يريد إلى القرآن. إنه يطرح فقط سؤالًا حول وظيفة اللغة البشرية في عملية الوحي. وهذا فرق لا يجوز إغفاله.

الثانية عشرة: ثلاث فرضيات لا ينبغي خلطها

   ولكيلا تختلط الأمور، يمكن وضع ثلاث فرضيات أمام القارئ:

الفرضية الأولى

المعنى واللفظ كلاهما من الله. وهذه هي الرؤية التقليدية المعروفة.

الفرضية الثانية

المعنى والوحي من الله، بينما التعبير اللغوي من النبي. وهذه هي الفرضية التي تستحق البحث والنقاش.

الفرضية الثالثة

القرآن من تأليف النبي من حيث المعنى والمضمون. وهذه فرضية مختلفة جذريًا عن الثانية، ولا يجوز الانتقال إليها لمجرد القول بأن للنبي دورًا في الصياغة.

فإثبات الثانية لا يعني إثبات الثالثة. وهذا التفريق، في رأيي، ضروري لتحقيق العدالة الفكرية في البحث.

الثالثة عشرة: هل نستطيع إذن القول إن القرآن «من الله بالمطلق»؟

   إذا كنا نعني بعبارة «من الله بالمطلق» أن المصدر الإلهي يشمل المعنى واللفظ والتعبير الحرفي دون أي تدخل بشري في الصياغة، فإن قبول فرضية الصياغة النبوية سيجعل هذه العبارة بحاجة إلى إعادة تعريف. أما إذا كنا نعني أن الوحي والهداية والمضمون والتشريع والأصل الذي جاء به الرسول من الله، فلا تعارض في أن يكون التعبير قد جاء عبر اللغة التي يفهمها قومه. وبذلك قد يصبح السؤال أكثر دقة من مجرد: هل القرآن من الله أم من محمد؟ والسؤال الأدق هو: ما الذي هو من الله في القرآن، وما الدور الذي أدته اللغة والذات النبوية في نقل ذلك الوحي إلى الإنسان؟ وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي يستحق أن يُبحث.

خاتمة

   لا أرى أن الغاية من هذه المناقشة هي إسقاط قدسية القرآن، ولا التشكيك في الرسول، ولا الانتصار لرأي على آخر. فالقراءة المتأنية تقودنا إلى ضرورة الفصل بين: الوحي، والمعنى، واللفظ، والصياغة، والفهم الإنساني. وإذا كان الوحي إلهيًا، فإن أمانة الرسول في تبليغه لا تتوقف بالضرورة على أن نتصور عملية الوحي بطريقة واحدة فقط، ما دام الدليل لم يحسم كل تفاصيلها. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نحول الاحتمال إلى حقيقة، فنقول إن المتشابهات مثلًا من صياغة النبي دون دليل مستقل. إن أقصى ما يمكن قوله في هذه المرحلة: إذا صحّت فرضية أن المعنى إلهي والصياغة نبوية، فإن ذلك لا يعني أن النبي تلاعب بالوحي، ولا أنه أضاف إليه من عنده، ولا أنه اخترع مضمونه؛ بل يعني فقط أن البحث ينتقل إلى العلاقة بين الوحي الإلهي واللغة البشرية. وهنا يعود العقل إلى دوره. فالقرآن ثابت في مصدره ونصه بالنسبة إلى الإيمان الإسلامي، لكن فهم الإنسان له ليس ثابتًا؛ لأنه يتحرك مع المعرفة والأسئلة والتجربة الإنسانية. ولهذا يمكن أن نقول: النص من الله، والفهم من الإنسان؛ والاجتهاد حركة العقل في فضاء النص، لا إعادة كتابة للنص. أما المتشابه، فلا ينبغي أن يكون بابًا لامتلاك الحقيقة الإلهية، بل مجالًا للتدبر والاجتهاد، مع الاعتراف بحدود العقل البشري. وفي النهاية، تبقى قاعدة أراها جوهرية في كل بحث ديني: قدسية الذات الإلهية وحدها قدسية مطلقة، وليس لشيء من دونها أن يساويها في القداسة. أما الإنسان، مهما بلغ علمه واجتهاده، فيبقى إنسانًا يبحث عن الحقيقة، ولا يمتلكها نيابةً عن الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه