(هل كان محمد مسيحياً؟) من الحنيفية الإبراهيمية إلى التوحيد القرآني

 

 (هل كان محمد مسيحياً؟)

من الحنيفية الإبراهيمية إلى التوحيد القرآني

بقلم الكاتب والباحث عدنان مهدي الطائي

مقدمة:

    منذ ظهور الإسلام، ظل سؤال العلاقة بين محمد والمسيحية واليهودية واحدًا من الأسئلة التي شغلت الباحثين والمؤرخين وعلماء الأديان. وقد ذهب بعض الباحثين إلى البحث عن صلات محتملة بين البيئة العربية التي عاش فيها محمد وبين المسيحية الشرقية، مستندين إلى وجود جماعات مسيحية في الجزيرة العربية، وإلى شخصيات مثل ورقة بن نوفل، وإلى بعض أوجه التشابه بين القرآن والتراث الديني السابق. غير أن السؤال: هل كان محمد مسيحيًا؟ قد يكون، في ذاته، سؤالًا يضع النتيجة قبل البحث. فإذا أخذنا القرآن مرجعًا أساسيًا لفهم التصور الإسلامي، فإن المرجعية التي يقدمها القرآن ليست اليهودية ولا المسيحية، وإنما إبراهيم والحنيفية والتوحيد. يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67] وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. إذا كان إبراهيم سابقًا تاريخيًا على اليهودية والمسيحية، وإذا كان القرآن يرفض اختزال إبراهيم في أي من هاتين الديانتين، فإن الإسلام، وفق تصوره القرآني، لا يقدم نفسه باعتباره فرعًا من اليهودية أو المسيحية، وإنما باعتباره عودة إلى الأصل الإبراهيمي للتوحيد. ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل كان محمد مسيحيًا، أم أن الإسلام نشأ في فضاء ديني عرف اليهودية والمسيحية والحنيفية، ثم أعاد القرآن بناء مفهوم التوحيد على أساس إبراهيم؟ وهذا الفرق بين السؤالين ليس شكليًا، بل يغيّر طريقة قراءة نشأة الإسلام كلها.

 أولًا: إبراهيم قبل اليهودية والمسيحية

  القرآن لا يقدم إبراهيم بوصفه يهوديًا أو مسيحيًا، بل يجعله سابقًا على التصنيفين معًا. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فإذا كانت اليهودية مرتبطة تاريخيًا بموسى وبني إسرائيل، وكانت المسيحية مرتبطة بالمسيح والمرحلة اللاحقة له، فإن إبراهيم يقع في زمن سابق عليهما. وبالتالي فإن الحنيفية الإبراهيمية، في التصور القرآني، ليست فرعًا من اليهودية أو المسيحية، وإنما مرجعية سابقة عليهما. يقول تعالى: ﴿قُلْ، بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135] ويقول: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]. إذن، في القراءة القرآنية، الأصل ليس أن إبراهيم كان يهوديًا ثم جاءت المسيحية ثم جاء الإسلام، وكأننا أمام سلسلة دينية واحدة تتطور خطيًا. بل الصورة مختلفة: إبراهيم التوحيد والحنيفية ظهور منظومات دينية تاريخية لاحقة دخول عناصر بشرية وتأويلات عقدية فيها القرآن يعيد طرح التوحيد الإبراهيمي. وهنا يظهر الفرق بين الدين وبين التدين. الدين في أصله الإلهي شيء، وما يصنعه الإنسان حوله من مذاهب وتفسيرات ومؤسسات وقراءات شيء آخر.

ثانيًا: ماذا يعني التوحيد؟

    عندما نتحدث عن التوحيد، فإننا لا نتحدث فقط عن عدد الآلهة، وإنما عن المعنى الذي تنصرف إليه الألوهية، وعن الحدود الفاصلة بين الله وما عداه. فالتوحيد، في القراءة القرآنية، لا يعني مجرد الاعتراف بوجود إله أعلى، بل يعني أن تكون الألوهية خالصة لله وحده، فلا يُجعل معه شريك، ولا تُنسب إلى غيره منزلة إلهية، ولا يُرفع إنسان إلى مرتبة تتجاوز إنسانيته. ولهذا يقول القرآن: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] فالقضية، إذن، ليست قضية أسماء أو مصطلحات، وإنما قضية مبدأ: هل بقيت الألوهية لله وحده، أم دخلت في مفهومها عناصر أخرى يُنسب إليها شيء من خصائص الألوهية؟

الثالوث في التاريخ الديني عند النظر في تاريخ الأديان، نجد أن التصورات الثلاثية لم تظهر مع المسيحية للمرة الأولى. فمصر القديمة عرفت منظومات ثلاثية من الآلهة، ومن أشهرها أوزيريس وإيزيس وحورس، وقد وصلتنا تمثيلات أثرية واضحة لهذه الثلاثية. وعرفت حضارات بلاد الرافدين أيضًا منظومات متعددة للآلهة، ضمنها آلهة كبرى ارتبطت بوظائف كونية مختلفة. كان من بينها آلهة كبرى مثل أنو وإنليل وإنكي، وفي التقاليد الهندية ظهرت، في مراحل لاحقة من تطورها، صيغة Trimurti، المرتبطة ببراهما وفيشنو وشيفا. وهنا تبرز أهمية السبق الزمني. فالتصورات الثلاثية وبعض صور التجميع بين الآلهة أو الصفات والوظائف الإلهية كانت موجودة في ثقافات وحضارات سابقة على المسيحية بمدد زمنية طويلة. ولذلك يصبح من المشروع تاريخيًا أن نسأل: هل تأثرت بعض التصورات اللاهوتية اللاحقة بالبيئات الدينية والفلسفية السابقة عليها؟ ولا يلزم من طرح هذا السؤال أن نقول إن الثالوث المسيحي نسخة حرفية عن ثالوث مصري أو هندي أو رافدي؛ فالتشابه وحده لا يثبت الاقتباس المباشر. لكن لا ينبغي، في الوقت نفسه، أن نتجاهل أن المسيحية ظهرت داخل عالم ديني وفلسفي سابق لها، كانت فيه تصورات متعددة للآلهة والثنائيات والثلاثيات والحلول والتجسد قد عُرفت قبلها بزمن طويل. ومن هنا يصبح من حق الباحث أن يتتبع رحلة الفكرة عبر التاريخ، وأن يسأل كيف انتقلت بعض التصورات من الأساطير والديانات القديمة إلى أشكال أكثر تركيبًا في التدين اللاحق.

القرآن يعيد تعريف التوحيد

    إذا انتقلنا من التاريخ الديني إلى القرآن، نجد أن المسألة تصبح أكثر وضوحًا. فالقرآن ينتقد التصورات التي يرى أنها خرجت عن التوحيد الذي يقدمه بوصفه توحيدًا خالصًا. فيقول عن بعض التصورات اليهودية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]. ويقول عن المسيح: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72] ثم يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]. ومن منظور القرآن، ليست المشكلة مجرد اختلاف في التعبير، بل في إدخال غير الله في المجال الذي يجب أن تبقى الألوهية فيه لله وحده. ولهذا فإن القرآن لا يكتفي بإعادة صياغة العقيدة، وإنما يعيدنا إلى مرجع أسبق من اليهودية والمسيحية:  ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67] فإبراهيم، في التصور القرآني، لا ينتمي إلى دين تاريخي ظهر بعده، وإنما يمثل الحنيفية والتوحيد السابقين على تلك التصنيفات. التوحيد ليس عقيدة فقط: الوصايا العشر وهنا نصل إلى دليل قرآني بالغ الأهمية، يبين أن التوحيد في القرآن لا ينفصل عن الأخلاق والعدالة الإنسانية. ففي سورة الأنعام، تبدأ الآية 151 بقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ...﴾ ثم تستمر الوصايا في الآيتين 152 و153، وتشمل حفظ مال اليتيم، والعدل في الكيل والميزان، والعدل في الشهادة، والوفاء بالعهد، وتنتهي بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾
[
الأنعام: 153]. ولهذا عُرفت هذه الآيات في بعض التفاسير والدراسات الإسلامية باسم الوصايا العشر، ويجري تعدادها من النهي عن الشرك والإحسان إلى الوالدين، إلى حماية النفس واليتيم والعدل والوفاء بالعهد واتباع الصراط المستقيم. والأكثر دلالة أن الآية التالية مباشرة تقول: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154] ز وهنا يمكن ملاحظة البناء القرآني للمشهد: التوحيد الأخلاق العدالة صيانة الإنسان الطريق المستقيم موسى والكتاب. أي أن القضية ليست مجرد أن تقول: «الله واحد»، بل أن يترجم هذا التوحيد إلى سلوك أخلاقي واجتماعي.

الحنيفية والتوحيد الأخلاقي

    ومن هنا يصبح من الممكن النظر إلى التوحيد الإبراهيمي بوصفه أكثر من تصور ميتافيزيقي عن الله؛ إنه في هذه القراءة منظومة أخلاقية كذلك. فحين يُقال: لا تشرك بالله

تأتي إلى جانبها مباشرة: أحسن إلى والديك. ثم: لا تقتل أولادك. ثم: لا تقتل النفس. ثم: لا تأكل مال اليتيم. ثم: أوفِ الكيل والميزان. ثم: اعدل في الشهادة. ثم: أوفِ بالعهد. وهنا يظهر معنى بالغ الأهمية: التوحيد القرآني يربط بين علاقة الإنسان بالله وعلاقته بالإنسان. ولهذا أرى أن الوصايا العشر في الأنعام 151–153 تصلح لأن تكون أحد الأدلة المركزية في هذه المقالة على أن الحنيفية، كما يعرضها القرآن، ليست مجرد رفض لتعدد الآلهة، وإنما مشروع لتقويم الإنسان والمجتمع أيضًا.

من التشابه الأخلاقي إلى السؤال الحضاري

    ومن هذا المنطلق يمكن دراسة أوجه التشابه بين بعض الوصايا الإبراهيمية/القرآنية وبين مبادئ أخلاقية ظهرت لاحقًا في ديانات أخرى، ومنها البوذية. فالوصايا البوذية تتضمن نواهي أخلاقية مثل القتل والسرقة والكذب والزنا والخمر، وهي قضايا نجد لها أصداء في تقاليد أخلاقية أخرى. ولذلك فإن وجود التشابه بين منظومتين أخلاقيتين يجعل البحث في إمكان التأثر التاريخي مشروعًا. لكن، كما في مسألة الثالوث، ينبغي التمييز بين: التشابه، والسبق الزمني، والاتصال التاريخي المباشر. فالتشابه لا يثبت وحده الاقتباس، لكنه يفتح الباب أمام دراسة انتقال الأفكار بين الحضارات. ومن الممكن هنا أن يكون الإنسان قد حمل بعض المبادئ الأخلاقية من حضارة إلى أخرى، كما يمكن أن تكون بعض القيم قد ظهرت بصورة مستقلة بسبب اشتراك البشر في معاناة، واحدة، وحاجات إنسانية، واحدة. ولهذا فإن السؤال الجدير بالبحث ليس فقط: من أخذ من الآخر؟ بل أيضًا: هل تكشف هذه التشابهات عن وجود منظومة أخلاقية إنسانية أوسع أعادت الأديان المختلفة صياغتها بلغاتها وثقافاتها؟

من إبراهيم إلى الإسلام

    وفي ضوء ذلك، يمكن فهم الإسلام، بحسب التصور القرآني، على أنه استعادة للأصل الإبراهيمي وتصحيح لما يراه القرآن انحرافًا عن التوحيد الخالص كما حصل في الديانتين اليهودية والمسيحية. ولكن فليس المقصود إلغاء موسى أو المسيح، ولا إنكار ما جاء به الأنبياء، وإنما التمييز بين الرسالة الإلهية وبين ما صنعه التاريخ البشري حولها من تصورات وتأويلات ومؤسسات من نتاجه العقلي الذي يقع ضمن مفهوم التدين.

    وهنا تتضح بصورة أكبر العلاقة بين الدين والتدين: الدين هو الأصل المنسوب إلى الله، أما التدين فهو الكيفية التي يفهم بها الإنسان ذلك الأصل ويعيد صياغته داخل التاريخ. ومن ثم يمكن أن يقع الانحراف في التدين، حتى عندما يكون الأصل قائمًا على التوحيد.  ولهذا يعود القرآن إلى إبراهيم باعتباره المرجع السابق على التصنيفات التاريخية: لا يهودية ولا مسيحية عند إبراهيم؛ بل حنيفية وتوحيد. ومن هنا يصبح الإسلام، في هذه القراءة، ليس مجرد استمرار للمسيحية، ولا مجرد امتداد لليهودية، وإنما عودة إلى الأصل الإبراهيمي الذي يجعل الألوهية لله وحده، ويجعل الإنسان مسؤولًا عن إقامة العدل والرحمة وصيانة الحياة. وبالتالي نصل إلى النتيجة التي تمثل، في رأيي، جوهر المسألة: كلما خلص التوحيد لله، تحرر الإنسان من تأليه الإنسان. ومن هذه النقطة يبدأ الطريق من: توحيد الله تحرير الإنسان نزع القداسة عن البشر رفض احتكار الحقيقة الإلهية ليس من حق أحد أن يتحدث بلسان الله.

ثالثًا: المسيح في القرآن ومشكلة «الابن»

    المسيحية التقليدية لا ترى نفسها ديانة تؤمن بإلهين أو ثلاثة آلهة بالمعنى المباشر؛ بل تقدم مفهوم الثالوث داخل تصورها الخاص عن وحدانية الله. لكن القرآن لا يقبل هذا البناء العقدي. فالمشكلة القرآنية ليست فقط في كلمة «واحد»، وإنما في إسناد علاقة ألوهية إلى المسيح. ولهذا يقول: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171]. فالمسيح، في التصور القرآني، رسول وكلمة وروح من الله، لكنه ليس الله. وهنا يظهر الفارق بين التكريم والتأليه. فالقرآن يستطيع أن يرفع مكانة النبي أو الرسول، لكنه لا يسمح بتحويله إلى كائن إلهي. وهذا المبدأ لا يخص المسيح وحده. بل يمكن أن يمتد إلى أي إنسان مهما بلغت منزلته: النبي ليس إلهًا، والعالم ليس إلهًا، والإمام ليس إلهًا، والولي ليس إلهًا، والحاكم ليس إلهًا، ورجل الدين ليس إلهًا. ومن هنا يبدأ الجانب الإنساني والاجتماعي للتوحيد.

 رابعًا: صفات الله ليست آلهة أخرى

   قد يقع سوء فهم عندما نتحدث عن أسماء الله وصفاته. فإذا قلنا إن الله رحيم وعليم وقدير وسميع وبصير، فهذا لا يعني وجود ذوات متعددة إلى جانب الذات الإلهية. فالصفات الإلهية، في الرؤية الفلسفية التي تقوم عليها هذه القراءة، ليست آلهة مستقلة عن الله، ولا كيانات منفصلة عنه. إنما هي صفات قائمة بالذات الإلهية الواحدة. وهنا يجب ألا نقع في خطأ آخر، فنحوّل الصفات إلى موجودات مستقلة، كما لا يجوز أن نحوّل المسيح أو أي إنسان إلى شريك في الألوهية. فالنتيجة هي: الله واحد، وذاته واحدة، وصفاته لا تتحول إلى آلهة مستقلة عنه. وهذا يحافظ على جوهر التوحيد دون إنكار الصفات الإلهية.

خامسًا: هل كان الإسلام مجرد امتداد للمسيحية؟

   إذا كان العرب قبل الإسلام قد عرفوا المسيحية واليهودية وأشكالًا من الاعتقاد التوحيدي، فهل يعني ذلك أن الإسلام كان مجرد امتداد للمسيحية الشرقية؟ ليس بالضرورة. وجود التأثيرات الدينية والثقافية في البيئة العربية لا يعني أن الرسالة الجديدة مجرد نسخة من أحدها. فالإسلام، وفق القرآن، يعيد ترتيب المشهد كله حول إبراهيم. ولهذا يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 68]. ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. وهنا يمكن فهم «الإسلام» بمعناه الأوسع بوصفه الخضوع لله وحده، وليس بالضرورة مجرد اسم مؤسسي لدين تاريخي في صورته المتأخرة. ومن هذه الزاوية، يصبح الإسلام استمرارًا للتوحيد الإبراهيمي، لا مجرد استمرار تاريخي للمسيحية، بل يمكن اعتبر الإسلام تطورا او مصححا للمسيحية.

سادسًا: إذن لماذا وُجدت المسيحية في البيئة المحيطة بمحمد؟

  وجود المسيحية في الجزيرة العربية وما حولها مسألة تاريخية لا يمكن تجاهلها. وقد كانت هناك جماعات مسيحية متعددة، وطرق مختلفة في فهم المسيح، إلى جانب اليهودية ومعتقدات عربية متعددة، ومظاهر من التوحيد الفردي التي ارتبطت في المصادر بمفهوم الحنيفية. ولهذا فمن الطبيعي أن تكون البيئة التي عاش فيها محمد بيئة دينية متداخلة. لكن وجود هذه البيئة لا يثبت وحده أن محمد كان مسيحيًا. كما أن وجود تشابه بين بعض القصص القرآنية والقصص الموجودة في اليهودية والمسيحية لا يثبت وحده أن القرآن مجرد اقتباس منها. فالتشابه يمكن أن يعني: اشتراكًا في التراث الإبراهيمي؛ أو تفاعلًا ثقافيًا ودينيًا؛ أو انتقالًا شفهيًا لبعض القصص؛ أو إعادة صياغة دينية مستقلة؛ أو، وفق الإيمان الإسلامي، استمرارًا للوحي الإلهي السابق. وهنا ينبغي أن يظل البحث مفتوحًا.

سابعًا: ورقة بن نوفل وخديجة... بين الرواية والتاريخ

  من أكثر المسائل التي دفعت بعض الباحثين إلى البحث عن صلة بين بدايات محمد والمسيحية قصة ورقة بن نوفل، وقربه من خديجة. لكن علينا هنا أن نميز بين الرواية الدينية والتاريخ الموثق. فوجود ورقة بن نوفل كشخصية مرتبطة بالمسيحية في الروايات الإسلامية لا يكفي وحده لإثبات أن محمد كان مسيحيًا. وكذلك فإن القول بأن زواج محمد من خديجة تم وفق طقس مسيحي، أو أن ورقة بن نوفل قام بدور كنسي في الزواج، يحتاج إلى دليل تاريخي مستقل، ولا ينبغي تقديمه كحقيقة محسومة. وهذه نقطة منهجية مهمة. فالكاتب الذي يريد الدفاع عن فكرة جديدة لا يحتاج إلى تضخيم الأدلة. بل إن قوة الفكرة تأتي من قدرتها على الوقوف حتى أمام الأدلة التي لا تحسمها.

ثامنًا: المعراج بين التجربة الدينية والرؤية

   ومن المسائل التي يمكن أن تدخل في هذا السياق قضية المعراج. فالقرآن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]. ثم يقول في موضع آخر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]. وقد أثار هذا الموضوع عبر التاريخ أسئلة كثيرة حول طبيعة التجربة: هل كانت جسدية؟ روحية؟ رؤيوية؟ أم تجربة تتجاوز التصنيفات المعتادة؟ لكن القرآن لا يقدم لنا تفصيلًا فلسفيًا حاسمًا يسمح بإغلاق باب الاجتهاد. ولهذا فإن قراءة المعراج بوصفه تجربة رؤيوية أو روحية تظل ممكنة فلسفيًا، دون أن يعني ذلك نفي القراءة الأخرى. والأهم أن هذه المسألة لا تكفي وحدها لإثبات أن محمدًا كان مسيحيًا.

تاسعًا: من توحيد الله إلى توحيد الإنسان

   هنا نصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية في الموضوع كله. إذا كان الله واحدًا، فلا يجوز أن يوجد إله آخر. وإذا لم يوجد إله آخر، فلا يجوز أن يتحول الإنسان إلى «شبه إله». ومن هنا: توحيد الله يؤدي منطقيًا إلى نزع الألوهية عن الإنسان. وعندما تُنزع الألوهية عن الإنسان، تُنزع عنه القداسة المطلقة. وعندما تُنزع القداسة المطلقة عن الإنسان، لا يعود هناك إنسان يمتلك حقًا إلهيًا في السيطرة على الآخرين. وهنا يتحول التوحيد من قضية ميتافيزيقية إلى قضية إنسانية. يمكن أن نرسم السلسلة هكذا:

توحيد الإله

نزع الألوهية عن البشر

نزع القداسة المطلقة عن السلطة البشرية

المساواة بين الناس

توحيد الإنسان

وهذا ما يمكن أن نسميه: «توحيد الإنسان» ليس المقصود أن يصبح البشر واحدًا في أفكارهم أو أديانهم، وإنما أن يتساووا في القيمة الإنسانية أمام الله. فلا يصبح الإنسان أعلى من الإنسان لأنه ملك، أو رجل دين، أو صاحب ثروة، أو صاحب سلطة، أو منتسب إلى طبقة دينية معينة. وهنا يتحول التوحيد إلى مشروع لتحرير الإنسان من الإنسان.

عاشرًا: من الدين إلى التدين

   وهنا تلتقي هذه القراءة مع قضية أكبر: الفرق بين الدين والتدين. الدين، في أصله، هو ما ينسب إلى الله. أما التدين فهو ما يصنعه الإنسان من فهم للدين. ومن هنا فإن المذهب والفقه والتفسير والمؤسسة الدينية والاجتهاد التاريخي ليست هي الله. قد تكون اجتهادات مهمة، وقد تكون عميقة، وقد تكون صالحة لعصرها، لكنها تبقى اجتهادًا بشريًا. وهذا يقودنا إلى مفهوم المقدس. فإذا كانت القدسية المطلقة لله وحده، فلا يجوز أن تنتقل القداسة الإلهية إلى إنسان، أو مؤسسة، أو تفسير، أو مذهب. ويمكن اختصار الفكرة في عبارة: المقدس يقع ما بين الدين والتدين، أما القدسية المطلقة فلا تكون إلا للذات الإلهية. وبذلك يصبح من الممكن احترام الدين دون تأليه التدين. واحترام العالم دون تأليه العالم. واحترام النبي دون تأليهه. واحترام الفقيه دون تأليهه. واحترام المؤسسة دون منحها سلطة إلهية.

حادي عشر: الإسلام تصحيح أم قطيعة؟

   ربما يكون من الأدق ألا نصف الإسلام بأنه مجرد «قطيعة» مع اليهودية والمسيحية، لا أن نصفه بأنه مجرد «امتداد» لهما. فالصورة القرآنية أكثر تعقيدًا. الإسلام يعترف بإبراهيم وموسى والمسيح وسائر الأنبياء، لكنه في الوقت نفسه ينتقد بعض التصورات العقدية التي يرى أنها ظهرت في اليهودية والمسيحية. ولهذا يمكن النظر إلى الإسلام، في هذه القراءة، باعتباره: إعادة بناء للتوحيد الإبراهيمي داخل خطاب جديد ونقد للديانتين من جعل لله شريكا اخر. فهو لا يبدأ من فراغ، ولا يكرر السابقين، وإنما يقول إن الأصل الإبراهيمي واحد، وإن التاريخ الديني دخلته قراءات بشرية متعددة. ومن هنا يصبح الإسلام، بحسب الرؤية القرآنية، تصحيحًا لمسار التوحيد، لا مجرد استعارة من المسيحية ولا مجرد نسخة عربية من اليهودية.

ثاني عشر: هل كان محمد مسيحيًا إذن؟

   بعد هذه الرحلة، نستطيع العودة إلى السؤال الأول. هل كان محمد مسيحيًا؟ لا يقدم لنا الدليل المتاح ما يكفي لإثبات هذه النتيجة بصورة قاطعة. ومن الخطأ أن نحول بعض أوجه التشابه أو الروايات التاريخية المختلف عليها إلى حقيقة نهائية. لكن هذا لا يعني أن المسيحية لم تكن جزءًا من البيئة الدينية التي عاش فيها محمد. بل من المعقول تاريخيًا دراسة التفاعل بين الإسلام المبكر واليهودية والمسيحية والتيارات التوحيدية العربية، مع ترك الباب مفتوحًا أمام اختلاف التفسيرات. غير أن القرآن نفسه يقدم لنا مفتاحًا آخر لفهم الإسلام: ليس المسيح هو المرجعية النهائية، ولا موسى، ولا اليهودية، ولا المسيحية؛ بل إبراهيم والتوحيد. ولهذا يقول القرآن: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾. وبالتالي، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل كان محمد مسيحيًا؟ بل: ما الذي أراد القرآن أن يعيده إلى مركز الدين؟ والجواب الذي تقدمه هذه القراءة هو: التوحيد.

خاتمة: ليس من حق أحد أن يتحدث بلسان الله

  ربما تكون أعظم نتيجة يمكن الوصول إليها من هذه القراءة هي أن التوحيد لا ينبغي أن يتوقف عند حدود العقيدة. فإذا كان الله واحدًا، فلا شريك له. وإذا لم يكن له شريك، فلا إنسان يملك جزءًا من ألوهيته. وإذا لم يملك الإنسان شيئًا من ألوهية الله، فلا يملك أحد حقًا مطلقًا في أن يتحدث بلسان الله. وهنا نصل إلى العبارة التي تتجاوز موضوع محمد والمسيحية واليهودية والحنيفية لتصبح مبدأً فلسفيًا عامًا: ليس من حق أحد أن يتحدث بلسان الله. فالإنسان يستطيع أن يقول: هذا فهمي للنص. ولا يستطيع أن يقول: هذا هو كلام الله الذي لا يحتمل النقاش. يستطيع أن يقول: هذا اجتهادي. ولا يستطيع أن يقول: اجتهادي هو إرادة الله المطلقة. يستطيع أن يختلف مع غيره. لكنه لا يستطيع أن يحوّل اختلافه البشري إلى حقيقة إلهية ملزمة لجميع البشر. وهنا تتضح العلاقة بين التوحيد والحرية. فالتوحيد لا يحرر الإنسان من الأصنام الحجرية فقط، وإنما يستطيع أن يحرره أيضًا من الأصنام البشرية. قد يكون الصنم هذه المرة إنسانًا يتحدث باسم الله. وقد يكون مؤسسة. وقد يكون مذهبًا. وقد يكون تفسيرًا. وقد يكون سلطة سياسية ترتدي ثوب الدين. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين هو أن يتحول التدين إلى سلطة مقدسة، وأن يتحول الإنسان إلى متحدث رسمي باسم السماء. عندها لا يعود الإنسان عبدًا لله وحده، بل يصبح عبدًا لمن يدّعي أنه يعرف إرادة الله نيابة عنه. ومن هنا فإن العودة إلى إبراهيم ليست مجرد عودة تاريخية إلى شخصية قديمة، وإنما عودة إلى معنى: الله واحد، والإنسان ليس إلهًا. وهذا، في جوهره، هو المعنى الذي يمكن أن يصل بنا من:

الحنيفية الإبراهيمية
إلى التوحيد القرآني
ومن التوحيد القرآني
إلى تحرير الإنسان
ومن تحرير الإنسان
إلى رفض احتكار الحديث باسم الله.

فإذا كانت القدسية المطلقة لله وحده، فإن كل ما عدا ذلك يدخل في مجال الإنسان: فهمًا وتأويلًا واجتهادًا وتاريخًا. وهنا لا يعود السؤال: من يملك الحقيقة؟ بل يصبح السؤال الأكثر إنسانية: كيف نبحث عن الحقيقة دون أن ندّعي أننا نملك لسان الله؟ وهذه هي المسافة التي تفصل الدين عن التدين، والوحي عن التأويل، والله عن الإنسان. وفي هذه المسافة تحديدًا تبدأ حرية الإنسان.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه