كن فيكون في سطور قراءة فلسفية في علاقة الأمر الإلهي بالزمن

 

 كن فيكون في سطور

قراءة فلسفية في علاقة الأمر الإلهي بالزمن

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

مقدمة

  إذا كان الله قادرًا على أن يقول للشيء ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، فلماذا اختار أن يظهر الإنسان بعد مليارات السنين من تشكّل الكون والنجوم والكواكب، ثم الحياة، ثم التطور البيولوجي، بدلًا من أن يظهر منذ اللحظة الأولى؟

   قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يقودنا إلى قضية فلسفية عميقة. فحين نقول: لماذا انتظر الله مليارات السنين حتى يظهر الإنسان؟ فإن كلمة «انتظر» تحمل افتراضًا ضمنيًا: أن الله داخل الزمن، وأن الزمن مرّ عليه كما يمر علينا، وأن هناك فترة بين إرادته وظهور النتيجة. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل الله خاضع للزمن؟

   الجواب عن هذا السؤال هو مفتاح القضية كلها. فالتصور الإلهي الكلاسيكي يرى الله أزليًا، غير محكوم بالتعاقب الزمني، ليس له بداية وليس له نهاية. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الأدق ليس: لماذا تأخر الله؟ بل: لماذا تحقق ظهور الإنسان من خلال تاريخ كوني وبيولوجي طويل؟ وهل لعبارة ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ معنى آخر يمكن أن نقرأ فيه استمرارية الحركة، لا مجرد لحظة خلق فوري؟

أولًا: الإشكالية

    وفقًا للمعرفة العلمية الحديثة، لم يظهر الإنسان مباشرة مع ظهور الأرض، بل سبقه تاريخ طويل: تشكّل الكون، ثم النجوم، ثم العناصر، ثم الكواكب، ثم ظهور الحياة وتنوعها، ثم تطور الكائنات الحية، وصولًا إلى الكائنات ذات الأجهزة العصبية والدماغ، ثم أشباه البشر، وأخيرًا الإنسان العاقل. فالكون عمره نحو 13.8 مليار سنة، والأرض نحو 4.54 مليار سنة، في حين لا يرجع ظهور الإنسان العاقل إلى أكثر من نحو 300 ألف سنة. ومن هنا تظهر أمامنا فرضية فلسفية تستحق التأمل: إذا قبلنا جدلًا أن الله أراد للإنسان أن يظهر من خلال سيرورة التطور، فهل يعني ذلك أن الله احتاج إلى الزمن؟ هنا ينبغي أن نميز بين أمرين:

الأول: أن يكون الله خاضعًا للزمن، بمعنى أن الزمن يجري عليه، فينتظر، ثم يقرر، ثم ينفذ. وهذا يتعارض مع التصور الإلهي الكلاسيكي.

والثاني: أن يجعل الله الزمن جزءًا من طريقة تحقق إرادته، بحيث تكون القوانين الطبيعية نفسها إحدى الوسائل التي يتحقق من خلالها الخلق. وهذا يترك سؤالًا آخر مفتوحًا: هل يمكن أن يكون المسار الطويل الذي نراه في الطبيعة جزءًا من عملية الخلق نفسها؟

ثانيًا: القراءة اللغوية

  لغويًا، «كُنْ» فعل أمر، و«يَكُونُ» فعل مضارع مرفوع في القراءة المشهورة، وقد وردت أيضًا قراءة بالنصب عند بعض القراء. ولا يصح أن نحول الفعل المضارع العربي مباشرة إلى ما يسمى في الإنجليزية Present Continuous، لكن هذا لا يمنع من طرح سؤال فلسفي انطلاقًا من هذه البنية اللغوية. فالمضارع العربي لا يحمل وحده مدة زمنية محددة. يمكن أن يرتبط بالحال أو الاستقبال أو الاستمرار بحسب السياق والقرائن. ومن هنا يجب الفصل بين قضيتين:

الأولى: لا توجد قاعدة لغوية تقول إن «يكون» هنا تعني Present Continuous.

والثانية: لا توجد في الفعل المضارع نفسه دلالة تحدد لنا كم من الزمن استغرق تحقق «يكون».

ومن بين هاتين القضيتين تقع المساحة التي يمكن أن يدخل منها السؤال الفلسفي. فالله يقول «كُنْ»، لكن «فَيَكُونُ» ولا يخبرنا كم من الوقت استغرق تحقق هذا الأمر في عالمنا. فقد يكون الخلق لحظة، وقد يكون مسارًا، وقد يكون تاريخًا كونيًا بأكمله. وكلمة «كُنْ» أمر بالوجود، و«فيكون» خبر عن تحقق الوجود، من غير أن تخبرنا الكلمة وحدها عن مدة هذا التحقق. وهنا يبدأ الفرق بين النحو والفلسفة. فهل «فيكون» تعني الفورية؟ أم أن الفورية هنا تعني أن أمر الله نافذ، ولو كان تحقق الشيء في العالم مرتبطًا بمراحله وقوانينه؟

ثالثًا: ماذا يقول القرآن؟

  ورد التعبير القرآني «كُنْ فَيَكُونُ» في أكثر من موضع، منها:

- ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]

- ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

- ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]

- ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]

يلاحظ أن هذه الآيات لا تتحدث في سياق واحد عن بداية الكون فقط، بل تستخدم التعبير أيضًا في الحديث عن الخلق، والإحياء، والإيجاد، والبعث. فالسؤال ليس: هل العبارة تعني قدرة الله على الخلق؟ فهذا واضح. وإنما السؤال: هل تخبرنا هذه العبارة أيضًا عن الزمن الذي يستغرقه تحقق الخلق؟ وهنا نجد في الآية نفسها عنصرًا زمنيًا يستحق التأمل، وهو لفظ «إذا» في قوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾. وقد أشار ابن عاشور إلى أن «إذا» ظرف زمان، ثم شرح «كن» بوصفها أقصر تعبير عن التكوين وإيجاد الشيء. لكن وجود ظرف زمني في خطاب القرآن لا يعني تلقائيًا أن الله يخضع للزمن؛ فاللغة تتحدث عن الفعل الإلهي بالنسبة إلى العالم الذي نعرفه ونعيشه. وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل الزمن وصف للخلق أم وصف للخالق؟ الجواب: هو وصف للخلق.

  ويقدم ابن عاشور معالجة جديرة بالانتباه. فهو يرى أن «كُنْ» أقصر كلمة تعبّر عن الأمر بالكون، أي عن الاتصاف بالوجود، ويشرح التعبير باعتباره قريبًا للمعنى الذي يفهمه الإنسان؛ فالقرآن يستخدم اللغة التي يعرفها الإنسان للتعبير عن أمر يتجاوز أدوات الإنسان وصناعته. ويوضح أن المقصود ليس أن الله يحتاج إلى مباشرة الصنع باليد أو الآلة أو معالجة المادة كما يفعل الصناع والمهندسون. وهذا الرأي يضع أمامنا قيدًا مهمًا: «كُنْ فَيَكُونُ» لا تصلح، في هذه القراءة، دليلًا على أن الله يحتاج إلى مدة زمنية حتى يخلق. لكنها في الوقت نفسه لا تقدم لنا تفسيرًا علميًا للكيفية التي قد يحدث بها الخلق في العالم الطبيعي. وهنا يفترق سؤال القدرة الإلهية عن سؤال آلية تحقق الخلق في الكون.

رابعًا: القراءة الفلسفية لمسألة الزمن

   إذا انتقلنا من التفسير إلى الفلسفة، نجد أن مسألة علاقة الله بالزمن ليست قضية محسومة عند جميع الفلاسفة. فهناك تصور فلسفي كلاسيكي واسع يرى أن الله ليس موجودًا داخل الزمن أصلًا، لأن الزمن من خصائص العالم المتغير. هذا الاتجاه ظهر بوضوح عند أوغسطين وبوثيوس، ثم أصبح مؤثرًا في الفلسفة واللاهوت الكلاسيكيين، وامتد إلى مفكرين مثل أنسلم وتوما الأكويني. وفي هذا التصور لا يكون السؤال: «كم سنة انتظر الله؟» سؤالًا صحيحًا بالمعنى نفسه الذي يكون فيه السؤال عن انتظار الإنسان صحيحًا.

   لكن هناك اتجاهًا فلسفيًا آخر يدافع عن نوع من الزمانية الإلهية، أي أن الله أزلي أبدي لكنه يعيش وجودًا متعاقبًا داخل الزمن. وهذه الرؤية موجودة في النقاش الفلسفي المعاصر، وإن اختلف المدافعون عنها في تفاصيلها.

   إذن نحن أمام تصورين أساسيين:

التصور الأول: الزمن خاص بالعالم المخلوق، والله متعالٍ عن الزمن.

التصور الثاني: يمكن تصور الله أزليًا أبديًا، مع وجود علاقة ما بينه وبين التعاقب الزمني في العالم.

ولا يملك البحث العلمي التجريبي وسيلة مباشرة للفصل بين هذين التصورين، لأنهما ينتميان إلى مجال الميتافيزيقا والفلسفة الدينية أكثر من انتمائهما إلى علوم المختبر. وهنا تظهر قيمة السؤال الذي بدأنا منه: إذا كان الله غير خاضع للزمن، فلماذا اختار أن يتحقق ظهور الإنسان عبر زمن طويل؟

خاتمة: قراءة في «كن فيكون»

  يمكن أن نضع أمامنا احتمالين لفهم «كُنْ فَيَكُونُ»:

الاحتمال الأول: أن يكون «فَيَكُونُ» تعبيرًا عن تحقق مباشر ملازم للأمر، بحيث لا توجد مسافة زمنية ذات معنى بين الإرادة والوجود.

والاحتمال الثاني: أن يكون «فَيَكُونُ» وصفًا لنفاذ الأمر ووقوع النتيجة، بينما يمكن أن يكون تحقق الشيء في عالم الطبيعة جاريًا من خلال مراحل وقوانين وتسلسل زمني.

    وفي الاحتمال الثاني لا يكون الزمن منافسًا للخلق، بل يكون جزءًا من العالم الذي يتحقق فيه الخلق. وهذا تصور فلسفي، وربما من الحكمة القول: «كُنْ» تعبر عن الأمر الإلهي، و«فَيَكُونُ» عن تحقق الوجود، أما مقدار الزمن الذي يستغرقه تحقق ذلك الوجود في عالمنا، فلا تحدده العبارة بذاتها.

    ومن هنا يمكن القول إن في «كُنْ فَيَكُونُ» إشارة إلى معنى المضارع المستمر مجازا، لا بمعنى أنها تساوي Present Continuous في قواعد اللغة الإنجليزية، ومن هنا يمكن، على سبيل القراءة الفلسفية لا على سبيل القاعدة اللغوية، أن نستأنس بصيغة المضارع في "يكون" للتفكير في الخلق بوصفه تحققًا قد يمتد عبر مراحل..  بمعنى أن الفعل المضارع «يكون» يفتح الباب أمام فهم الخلق بوصفه عملية مستمرة، لا لحظة فورية واحدة. فالله يقول «كُنْ»، والوجود «يكون» عبر مراحل، في عالمنا، بحسب القوانين التي أرادها الله نفسه. وهذه القراءة لا تنقص من قدرة الله، بل تفتح أفقًا لفهم العلاقة بين الأمر الإلهي والتاريخ الكوني الطويل، دون أن نضطر إلى افتراض أن الله خاضع للزمن، أو أن الخلق كان لحظة واحدة لا تاريخ لها. ويمكن ايجازها بالقول (فالله يقول: كُنْ، ويقع الوجود في عالمنا وفق ما نشهده من مراحل وقوانين؛ وقد يكون هذا المسار الزمني جزءًا من الكيفية التي يتحقق بها الخلق في الطبيعة)

والله أعلم.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه