الجنة والنار: أين يكون الوجود حين تتبدل الأرض والسماوات؟
الجنة والنار: أين يكون
الوجود حين تتبدل الأرض والسماوات؟
مستوحاة من الآية:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾،
بقلم الباحث عدنان مهدي
الطائي
من الأسئلة التي يطرحها الإنسان منذ القدم:
إذا كانت الجنة والنار حقيقة كما اقرها القرآن، فأين مكان توجداهما؟
قد يبدو السؤال في ظاهره بسيطاً، لكنه في
حقيقته سؤال وجودي يتصل بمفهوم المكان والزمان وطبيعة العالم الذي نعيش فيه.
فالقرآن لا يقدم الجنة والنار بوصفهما مجرد فكرتين معنويتين، وإنما يصفهما بلغة
تتضمن الأنهار والثمرات والأشجار والنعيم في الجنة، كما يصف النار بالوقود
والأبواب والعذاب. ومن ثم يبدو أن أمامنا وجوداً أخروياً له خصائص يمكن التعبير
عنها بلغة المكان والأشياء. لكن إذا كانت الجنة مكاناً، والنار مكانا. فأين
يقع هذا المكان؟ وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
الجنة والنار ليستا مجرد مفهومين رمزيين حيث يصف
القرآن الجنة بقوله: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ويصف
بعض نعيمها بالأنهار والثمار والمساكن، كما يرد في سورة محمد وصف الأنهار من الماء،
واللبن، والعسل، والثمرات. ويصف النار فيقول عنها: ﴿نَارًا
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ويذكر لها أبواباً، ويصف الدخول إليها
والخروج منها في سياقات متعددة. وعليه يمكن، من داخل النص نفسه، أن نفهم أن
الحديث ليس عن مجرد حالة نفسية أو معنى أخلاقي، وإنما عن واقع أخروي ذي خصائص
مكانية. لكن من المنطق هذا لا يعني أن الجنة والنار موجودتان بالضرورة داخل
المكان الذي نعرفه في هذا الكون الحالي. وهنا تكمن
أهمية السؤال: هل المكان واحد في كل صور الوجود؟
عندما نتحدث عن المكان في حياتنا، فإننا نتحدث
عن مكان مرتبط بالزمان وبالعالم المادي الذي نرصد ظواهره ونقيسها. وقد بينت الفيزياء الحديثة أن الزمان والمكان ليسا عنصرين منفصلين
بصورة بسيطة، وإنما يرتبطان في بنية واحدة هي الزمكان. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يلزم أن
تكون كل صورة ممكنة من الوجود خاضعة بالضرورة للزمكان الذي نعرفه الآن؟ هذا سؤال افتراضي
لا يستطيع العلم وحده إثباته. لان العلم يدرس الكون الذي
تصلنا منه المعلومات، ويضع نماذج لقوانينه وبنيته وتطوره. لكنه لا يملك دليلاً
يثبت أن كل وجود ممكن يجب أن يكون محصوراً في الصورة الحالية للكون. ومن هنا يصبح البحث عن الجنة باستخدام خريطة الكون الحالي افتراضاً
يحتاج هو نفسه إلى برهان. غير ان الآية القرآنية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ تفتح أمامنا احتمالاً عقلياً بالغ الأهمية؛ فهي لا
تتحدث فقط عن انتقال الإنسان من مكان إلى مكان، وإنما عن تبدل الأرض والسماوات
نفسها. فإذا أخذنا الآية على
دلالتها المباشرة، فإن علينا أن نميز بين مرحلتين: العالم الذي
نعرفه الآن والعالم الذي يرتبط بالآخرة. فإذا كانت
الأرض والسماوات نفسهما ستتبدلان، فمن المنطقي ألا نفترض أن الجنة والنار يجب أن
تكونا موجودتين وفق إحداثيات العالم الحالي. ومن هنا تظهر النتيجة العقلية:
(إذا كان الله، وفق التصور الديني، هو خالق الكون، فإن خالق الكون لا يكون مقيداً
بالبنية الحالية للكون الذي خلقه.) والقرآن نفسه يقدم تصوراً لله منزهاً عن الجسم والمكان والزمان؛ اي
أن الله ليس محكوماً بزمان ولا بمكان. عندها أصبح لدينا دليل عقلي على
النحو الآتي: (إذا كان خالق الكون قادراً على إيجاد هذا الكون، فلا يوجد من حيث
المبدأ ما يمنع عقلاً من أن يخلق نظاماً وجودياً آخر.) وإذا كان القرآن يخبرنا بتبدل
الأرض والسماوات، فإننا لسنا ملزمين بأن نفترض أن عالم الآخرة مطابق للعالم الحالي
في قوانينه وبنيته ومفهوم المكان فيه. وعندئذ يصبح
من الممكن عقلاً أن تكون الجنة والنار حقيقتين موجودتين ولهما امتداد مكاني، ولكن
في نظام وجود أخروي غير النظام الكوني الحالي. وهنا لا
نحتاج إلى افتراض أنها تقع في كوكب أو مجرة أو نجم بعيد. وهل يعني ذلك أنها خارج الكون؟ أرى ليس من الضروري أن نستخدم هذه
العبارة على إطلاقها؛ لأن كلمة «خارج الكون» نفسها تحتاج إلى تعريف.
لكن إذا كان المقصود أنها ليست ضمن الكون الفيزيائي الحالي الذي نرصده وندرس
قوانينه، فهذا احتمال فلسفي معقول. أما إذا قصدنا تحديد موقعها في «بعد خامس» أو
«كون موازٍ» أو خلف ثقب أسود، فلا يوجد لدينا دليل قرآني أو علمي يسمح بهذا
التحديد. ولهذا ينبغي أن نفرق بين: إمكان فلسفي وحقيقة علمية مثبتة. والذي نستطيع
قوله هنا هو الإمكان، لا اليقين العلمي.
والان نسأل (ماذا عن
«عرضها السماوات والأرض»؟)
هذه الآية تفتح سؤالاً آخر: هل المقصود بالعَرض قياس هندسي مطابق لمقاييسنا الفيزيائية؟ ونحن لا
نملك دليلاً حاسماً على ذلك. فالآية تعطي انطباعاً قوياً عن السعة والامتداد،
لكنها لا تعطينا وحدة قياس فلكية ولا إحداثيات يمكن أن نضعها في خريطة الكون. ولهذا يمكن فهمها على أنها تعبير عن اتساع هائل يتجاوز المقاييس
البشرية، مع بقاء حقيقة الجنة كما يقررها النص. وبذلك لا
نحتاج إلى تحويل الآية إلى معادلة فيزيائية.
كما نسأل (ماذا عن
النار؟)
المشكلة
نفسها تنطبق على النار. فالقرآن يصفها بوقود مذكور، ويذكر لها أبواباً،
ويتحدث عن دخول أهلها إليها، مما يمنحها في النص خصائص مكانية واضحة. لكن إذا كانت المرحلة الأخروية نفسها مرتبطة بتبدل الأرض والسماوات،
فإن السؤال عن مكان النار يجب أن يوضع في السياق نفسه الذي وضعنا فيه الجنة. أي أننا لا نملك دليلاً يحدد موقعها داخل الكون الحالي، ولا نملك في
الوقت نفسه دليلاً ينفي وجودها. والاحتمال
الذي ينسجم مع النص هو أنها جزء من العالم الأخروي الذي يتشكل مع تغير نظام الوجود
الذي نعرفه اليوم. اما العلم هنا لا ينفي الغيب ولا يثبته قد يقول
قائل: لقد أصبح الإنسان قادراً على دراسة أعماق الأرض
ورصد أعماق الفضاء، فلماذا لم يجد الجنة أو النار؟ والجواب أن العلم يبحث في كل ما
يمكن أن تصل إليه أدواته من أثر ومعلومة وقياس. لكن عدم
العثور على شيء لا يكفي وحده لإثبات عدم وجوده، ما لم يكن وجود ذلك الشيء يفترض
آثاراً يجب أن تكون قابلة للرصد. ولهذا لا
نستطيع أن نقول: العلم أثبت أن الجنة غير موجودة. ولا نستطيع أن
نقول في المقابل: العلم أثبت أن الجنة موجودة في مكان آخر. وبنفس الوقت أجد كلا القولين يتجاوز
حدود الدليل. أما الذي نستطيع فعله فهو استخدام المعرفة
العلمية لتحديد حدود السؤال، ثم استخدام العقل في قراءة ما يسمح به النص.
من الدليل العلمي إلى
الدليل العقلي
في هذه النقطة يختلف الاستدلال على وجود الله
عن الاستدلال على مكان الجنة. فعندما نلاحظ في الطبيعة نظاماً محدداً،
كالآليات البيولوجية التي تضبط انقسام الخلية وتمنع استمرارها بلا حدود، يمكن أن
نتخذ من هذه الحقيقة العلمية مقدمة لاستدلال عقلي على وجود نظام وقانون وعلية في
الطبيعة. لكن العلم نفسه لا يستطيع اثباته مختبريا من
وجود الله من عدمه، بل يقدم الحقيقة التي
يبني عليها العقل استنتاجه كالتماهي مع الآية المذكورة ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ التي لم تقدم لنا إحداثيات الجنة
والنار، لكنها تقدم مقدمة نصية مهمة: إن النظام
الكوني الذي نعرفه ليس بالضرورة هو النظام النهائي للوجود.
ومن هذه المقدمة يمكن للعقل أن يستنتج أن
البحث عن الجنة والنار داخل الإحداثيات الحالية للكون قد يكون افتراضاً غير ملزما.
إذن... أين الجنة وأين النار؟ ربما يكون السؤال الصحيح ليس: في أي نقطة من الكون توجد الجنة؟ بل: هل الآخرة تعمل ضمن نفس بنية الزمان والمكان
التي يعمل ضمنها عالمنا؟
فإذا كانت الأرض
والسماوات ستتبدلان، وكانت الجنة والنار مرتبطتين بعالم الآخرة، فإن من الممكن
عقلاً أن يكون لهما وجود حقيقي ومكان بالمعنى الأخروي، من دون أن يكون هذا المكان
قابلاً للتحديد بواسطة خرائط الفلك الحالية. وهنا نصل إلى
نقطة لا ينبغي تجاوزها: نحن لا نعرف مكان الجنة ولا مكان النار. لكننا نستطيع أن نفهم، عقلاً، لماذا لا يلزم من ذلك أنهما غير موجودتين. وفي الوقت نفسه لا يحق لنا أن نخترع لهما موقعاً لم يحدده النص.
وأين يقف الإنسان؟
هنا أجد أن القضية تعود إلى الفرق بين الدين
والتدين. النص يفتح أمام الإنسان باب الغيب. والعقل يتأمل
هذا النص. والعلم يختبر ما يمكن اختباره. أما التأويل البشري فلا ينبغي أن يرتفع إلى مرتبة الحقيقة الإلهية
لمجرد أن صاحبه يتحدث باسم الدين. ولذلك أرى أن
القاعدة التي تلخص هذا البحث هي: (حين نصل إلى الغيب، لا نتوقف
عن السؤال، بل نتوقف عن الادعاء. (فالجنة قد تكون حقيقة ذات وجود وأوصاف مكانية،
والنار كذلك، ولكن طبيعة المكان الذي تنتميان إليه تظل من الغيب الذي لم يمنحنا
النص خريطته، ولم يمنحنا العلم أدوات الوصول إليه. وهذا لا يعني
إغلاق باب العقل. بل يعني استخدام العقل إلى أقصى حدوده، ثم
الاعتراف بحدوده.
وربما تكون المفارقة
الأجمل أن الإنسان كلما توسعت قدرته على اكتشاف الكون، أصبح السؤال عن حدود وجوده
أكثر عمقاً. فالعلم يوسع لنا صورة الكون، والنص يفتح أمامنا
سؤال الآخرة، والعقل يصل بينهما، أما الغيب فيبقى غيباً حتى يجيء الدليل. وليس من حق أحد أن يقول: هذه هي
الجنة، وهذا مكانها، وهذه حقيقتها ما لم يكن يمتلك دليلاً حاسماً. فالله خالق الكون، والكون ليس حدود قدرة الله، كما أن فهم الإنسان للنص
ليس حدود علم الله.
تعليقات
إرسال تعليق