الذكاء الاصطناعي: من يملك عقل المستقبل؟

 

الذكاء الاصطناعي: من يملك عقل المستقبل؟

في ضوء لقاء ترامب وشي جين بينغ: بين التنافس على قيادة العالم والقبض على أعناق البشرية ام هل يتفاوض الكبار على مستقبل البشرية الانساني؟

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

اكتب لأفهم الإنسان، لا لأقنعه.

مقالة جاءت في ضوء القمة الأمريكية–الصينية الأخيرة بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس شي جين بينغ في البيت الأبيض يوم 24 سبتمبر 2026 وما رافقها من نقاش حول الذكاء الاصطناعي والتنافس التكنولوجي ومخاطرهما المشتركة. بين التنافس الأمريكي–الصيني وعودة الصراع الطبقي في عصر الآلة الذكية

   لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تُضاف إلى قائمة اختراعات الإنسان. إننا أمام تحوّل قد يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل ورأس المال والدولة والمعرفة، وربما يعيد طرح السؤال الذي شغل الفكر الاقتصادي والاجتماعي منذ الثورة الصناعية: من يملك وسائل الإنتاج، ومن يملك ثمارها؟ لكن السؤال هذه المرة أكثر تعقيدًا. فالمصنع الذي كان ينتج السلع أصبح، مع الذكاء الاصطناعي، قادرًا على إنتاج المعرفة والتحليل والتصميم والبرمجيات والقرارات، وربما إنتاج جزء متزايد من العمل الذي كان يؤديه الإنسان نفسه. ومن هنا يبدأ السؤال الأخطر: إذا أصبحت المعرفة نفسها وسيلة إنتاج، فمن يملكها؟

أولًا: أمريكا والصين — اتفاق على الخطر واختلاف على القوة

   يكشف المشهد الأمريكي–الصيني الحالي هذه المفارقة بوضوح. ففي سبتمبر 2026، بدأت واشنطن وبكين محادثات أكثر انتظامًا حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، وطرحت الولايات المتحدة إنشاء آلية لإخطار الطرف الآخر بالحوادث الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع قناة اتصال لمناقشة المخاطر الأمنية. وطُرحت آلية لإخطار الطرف الآخر بالحوادث الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع بحث إنشاء قناة اتصال لمناقشة المخاطر الأمنية وبروتوكولات الطوارئ، لكن هذا التعاون لا يعني انتهاء الصراع. ففي الوقت نفسه تستمر المنافسة حول الرقائق المتقدمة، والنماذج الذكية، والبنية التحتية، والقدرة الحاسوبية، والمعرفة التقنية. بل إن القيود الأمريكية على بعض تقنيات الرقائق المتقدمة ظلت خارج طاولة التفاوض. وهكذا نجد مفارقة تاريخية: الدولتان تتنافسان على امتلاك أقوى ذكاء اصطناعي، وفي الوقت نفسه تتفاوضان حول كيفية منع الذكاء الاصطناعي من أن يصبح خطرًا عليهما. إنهما تتعاونان لأن الخطر مشترك، وتتنافسان لأن القوة الناتجة عن التكنولوجيا ليست مشتركة.

 ماذا وراء هذا الحوار؟

   قد يبدو الحوار للوهلة الأولى حوارًا حول «سلامة الذكاء الاصطناعي». وهذا صحيح جزئيًا. لكن خلف السلامة توجد قضية أخرى: من يضع قواعد المستقبل؟ إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك جزءًا كبيرًا من الشركات والتقنيات المتقدمة، وكانت الصين تبني بسرعة منظومتها الخاصة، فإن السيطرة على التكنولوجيا لا تعني فقط السيطرة على سوق جديد. إنها تعني التأثير في الصناعة، والعمل، والتعليم، والطب، والأمن، والإعلام، والمعرفة، والاقتصاد، وربما القرار السياسي نفسه. ولهذا فإن التنافس الأمريكي–الصيني ليس مجرد سباق بين شركتين أو اقتصادين. إنه جزء من صراع أوسع على من يملك القدرة على تشكيل النظام العالمي الجديد.

ثانيًا: الصين تدخل السباق من باب مختلف

   لا تخفي الصين طموحها إلى أن يكون لها دور في وضع قواعد الذكاء الاصطناعي عالميًا. ففي مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي في يوليو 2026، طرحت بكين رؤية تقوم على الحوكمة العالمية، والتعاون الدولي، وتقليص فجوة الذكاء الاصطناعي بين الشمال والجنوب، وأعلنت تأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي (WAICO) بمشاركة 29 دولة مؤسسة بحسب الخارجية الصينية. وهنا ينبغي أن نفرق بين الخطاب السياسي والواقع السياسي. فالخطاب الصيني يتحدث عن «العدالة» و«الشمول» و«مصلحة البشرية»، بينما للصين، مثل الولايات المتحدة، مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والتكنولوجية الخاصة. ولا ينبغي أن نستبدل الهيمنة الأمريكية المحتملة بهيمنة صينية محتملة ثم نسمي ذلك عدالة. السؤال الصحيح ليس: هل تكون أمريكا أم الصين؟ بل: هل يستطيع العالم أن يمنع احتكار المستقبل من أي قوة، أمريكية كانت أم صينية أم غيرهما؟

 ثالثًا: عودة السؤال الماركسي بصورة جديدة

   كان سؤال ماركس المركزي يدور حول ملكية وسائل الإنتاج. من يملك المصنع؟ من يملك رأس المال؟ ومن يبيع قوة عمله لمن يملك رأس المال؟ أما في عصر الذكاء الاصطناعي فقد نحتاج إلى إعادة صياغة السؤال:

- من يملك الحوسبة؟

- من يملك البيانات؟

- من يملك الرقائق؟

- من يملك النماذج الكبرى؟

- من يملك مراكز البيانات؟

- من يملك الخوارزميات؟

- ومن يملك القدرة على تشغيلها على نطاق عالمي؟

إن وسائل الإنتاج القديمة كانت الحديد، والفحم، والمصانع، والآلات. أما وسائل الإنتاج الجديدة فقد أصبحت تشمل: البيانات + الخوارزمية + الرقائق + القدرة الحاسوبية + الطاقة + رأس المال + المواهب البشرية. ومن يمتلك هذه المنظومة يمتلك جزءًا متزايدًا من القدرة على إنتاج القيمة. وهنا يمكن أن تظهر طبقة جديدة من التفاوت.

الرأسمالي الجديد ليس مالك المصنع فقط

    الرأسمالي في القرن التاسع عشر كان يملك المصنع. أما الرأسمالي في القرن الحادي والعشرين فقد يملك البنية التي تجعل المصنع نفسه أكثر ذكاءً وأقل اعتمادًا على العمل البشري. العامل الذي كان يبيع قوة عضلاته في المصنع أصبح يبيع وقته ومهارته ومعرفته. ثم جاءت الآلة الرقمية لتدخل حتى إلى المجالات التي اعتقدنا أنها آخر حصون الإنسان: الترجمة، الكتابة، التصميم، البرمجة، التحليل، المحاسبة، البحث، التشخيص، والخدمات المهنية. ولا يعني ذلك أن هذه المهن ستختفي جميعًا. فدراسة منظمة العمل الدولية لعام 2025 تشير إلى أن نحو ربع العمال عالميًا يعملون في مهن لها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن النتيجة الأكثر احتمالًا في معظم الحالات هي تحوّل الوظائف وليس اختفاءها بالكامل. لكن هذا لا يلغي السؤال الطبقي، بل ربما يجعله أكثر تعقيدًا.

رابعًا: من صراع العامل ورب العمل إلى صراع جديد

   في الرأسمالية الصناعية كان الصراع بصورة مبسطة: من يملك المصنع؟ أما في اقتصاد الذكاء الاصطناعي فقد يصبح: من يملك الذكاء الذي يدير المصنع؟ وهنا يمكن أن تظهر طبقة جديدة يمكن تسميتها، مجازًا: طبقة مالكي الذكاء. وهي ليست بالضرورة طبقة موحدة، وإنما شبكة تضم مالكي الشركات والمنصات ومراكز البيانات والرقائق والبيانات ورأس المال والخبرات المتقدمة. وفي المقابل يوجد مليارات البشر الذين يستخدمون هذه الأنظمة، لكنهم لا يملكون بنيتها الأساسية. وهنا يكمن الخطر. ليس لأن الذكاء الاصطناعي «سيقتل الوظائف» بالضرورة، وإنما لأن ملكية ثماره قد تصبح أكثر تركيزًا من ملكية أدوات الإنتاج السابقة. وهذا الاحتمال ليس مجرد تأمل فلسفي؛ فصندوق النقد الدولي حذّر من أن عوائد رأس المال الناتجة عن الذكاء الاصطناعي يمكن أن تزيد عدم المساواة في الثروة، وأن أثر التكنولوجيا على دخول العمال يعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كانت ستكمل عمل أصحاب الدخول المرتفعة أم تستبدل عملهم.

الفرق بين أمريكا والصين

    لا ينبغي اختزال المسألة في أن: أمريكا = رأسمالية والصين = اشتراكية. هذه الثنائية لم تعد كافية لفهم القرن الحادي والعشرين. الولايات المتحدة لديها منظومة تقودها شركات خاصة عملاقة ورأس مال استثماري وجامعات ومختبرات وشركات تقنية، بينما تعمل الصين ضمن نموذج تتداخل فيه الشركات والسوق مع التخطيط الصناعي والدولة وقدرتها على توجيه الموارد. لذلك يمكن أن نسأل: هل نحن أمام رأسمالية أمريكية تنافس نموذجًا صينيًا للدولة–السوق؟ وربما يكون هذا السؤال أدق من إعادة استعمال ثنائية الاشتراكية والرأسمالية بصورتها القديمة. إن الصين ليست عودة إلى الاشتراكية الكلاسيكية، كما أن الولايات المتحدة ليست مجرد رأسمالية القرن التاسع عشر. لقد ظهر شيء جديد.

خامسًا: الرأسمالية الذكية

   ربما يكون أهم تحوّل في القرن الحالي هو أن رأس المال لم يعد يشتري الآلة فقط، بل يشتري القدرة على جعل الآلة تفكر. وهذا يخلق معادلة جديدة: رأس المال ← الحوسبة ← الذكاء الاصطناعي ← إنتاج أكثر ← أرباح أكبر ← مزيد من رأس المال ← مزيد من الحوسبة أي أن رأس المال يستطيع أن يدخل في دائرة تراكم جديدة. وإذا لم توجد آليات توزيع عادلة، فقد تصبح الفجوة بين من يملك هذه المنظومة ومن لا يملكها أكبر. وقد يؤدي ذلك إلى ما يمكن تسميته: الانتقال من التفاوت في ملكية وسائل الإنتاج إلى التفاوت في ملكية القدرة على إنتاج المعرفة. وهنا تصبح المسألة أخطر من الصراع الطبقي القديم.

 سادسًا: هل الحل هو مصادرة الذكاء الاصطناعي؟

   ليس بالضرورة. فهنا يجب ألا نقع في خطأ تاريخي آخر. إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على رفع الإنتاجية وتحسين الطب والتعليم والصناعة والزراعة والخدمات، فإن القضاء على الحافز الاقتصادي والابتكار قد يحرم البشرية من فوائد هائلة. المشكلة ليست في وجود رأس المال. والمشكلة ليست في وجود الشركات. والمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه. المشكلة في السؤال: كيف توزع القوة والثروة التي ينتجها؟

سابعًا: نحو ديمقراطية ثمار الذكاء

    إذا كانت الثورة الصناعية قد احتاجت إلى قوانين العمل والنقابات والضمان الاجتماعي والتعليم العام والضرائب التصاعدية وغيرها من المؤسسات لتقليل اختلال العلاقة بين رأس المال والعمل، فإن الثورة الذكية قد تحتاج إلى مؤسسات جديدة. من بينها:

 أولًا: حق الإنسان في الاستفادة من مكاسب الإنتاجية.

   إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج أكثر بعمل بشري أقل، فلا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد: كم زادت أرباح الشركة؟ بل: ماذا حصل المجتمع من زيادة الإنتاجية؟

ثانيًا: ضرائب عادلة على الأرباح الناتجة عن الأتمتة والاحتكار التقني.

   وقد ناقش صندوق النقد الدولي بالفعل دور السياسات المالية والضريبية في توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي والتخفيف من آثاره على العمال.

ثالثًا: الاستثمار في الإنسان.

   التعليم المستمر وإعادة التدريب لا ينبغي أن يكونا ترفًا. فالآلة تتطور بسرعة، ولذلك ينبغي أن يصبح حق الإنسان في التعلم المستمر جزءًا من حقوق المواطنة الاقتصادية.

رابعًا: منع الاحتكار.

   لأن احتكار الذكاء أخطر من احتكار سلعة عادية. من يسيطر على البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي قد يملك قدرة على التأثير في الاقتصاد، والمعرفة، والإعلام، والعمل. ولهذا فإن المنافسة الاقتصادية وحدها قد لا تكون كافية.

خامسًا: اعتبار بعض البنى الأساسية للذكاء الاصطناعي مصلحة عامة.

   كما اعتبرت المجتمعات الحديثة الكهرباء والمياه والاتصالات والبنية الرقمية عناصر أساسية للحياة الاقتصادية، فقد يصبح من الضروري التفكير في أشكال من البنية التحتية العامة أو المفتوحة للذكاء الاصطناعي.

سادسًا: معالجة البعد البيئي.

   الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة هائلة ومياهًا وموارد نادرة. أي نقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي يجب أن يأخذ في الاعتبار أثر هذه الصناعة على البيئة والمناخ.

 سابعًا: حماية التنوع الثقافي واللغوي.

    من يملك الذكاء لا يملك الإنتاج فقط، بل يملك أيضًا القدرة على تشكيل الوعي والذاكرة الجمعية. لذلك يجب أن يكون هناك وعي بمخاطر الت homogenization الثقافي (التجانس الثقافي (الذي قد ينتج عن هيمنة نماذج ذكاء اصطناعي أحادية اللغة والثقافة.

ثامنًا: وأخطر سؤال — ماذا عن دول العالم الثالث؟

   هنا تصبح القضية عالمية فعلًا. فإذا امتلكت أمريكا والصين ومعهما عدد محدود من الدول والشركات القدرة الحاسوبية والنماذج والرقائق والبيانات، بينما بقيت دول الجنوب مجرد مستهلك لهذه التكنولوجيا، فقد يتشكل استعمار اقتصادي جديد لا يحتاج إلى احتلال الأرض. استعمار يقوم على: من يملك الذكاء يملك الإنتاج. ومن يملك الإنتاج يملك القوة. ومن يملك القوة يستطيع التأثير في القرار. ولهذا فإن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تحذر من أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل قد تستفيد أقل من الذكاء الاصطناعي بسبب ضعف البنية الرقمية والتعليم والتمويل والقدرة على التبني. وهذه هي النقطة التي تجعل القضية أكبر من أمريكا والصين.

تاسعًا: من يملك مستقبل البشرية؟

   ربما تكون هذه هي الجملة المركزية في المقال كله: لقد كان الإنسان في الثورة الصناعية يخشى أن تحل الآلة محل يديه؛ أما في الثورة الذكية فإنه يخشى أن تحل الآلة محل جزء من عقله، بينما يبقى السؤال: من يملك الآلة التي أصبحت قادرة على استخدام هذا العقل؟ وهنا نصل إلى المفارقة. أمريكا تريد الحفاظ على موقعها في قمة التكنولوجيا. والصين تريد أن تكون قوة رئيسية في تشكيل مستقبلها وقواعدها. وكلاهما يتحدث عن الأمن والسلامة والتعاون الدولي، وفي الوقت نفسه يسعى كل منهما إلى امتلاك قوة استراتيجية لا يريد أن يمتلكها منافسه وحده. إذن ليست المشكلة في أن تتنافس الدول. فالتنافس قد يدفع إلى الابتكار. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنافس إلى احتكار لمستقبل البشرية والهيمنة على مقدراتها.

عاشرًا: نحو عقد اجتماعي جديد

    ربما لا نحتاج إلى إلغاء الرأسمالية. ولا نحتاج إلى العودة إلى الاشتراكية بصورتها التاريخية. بل نحتاج إلى شيء ثالث: اقتصاد يستفيد من الابتكار، لكنه لا يسمح بأن تصبح ثماره ملكًا حصريًا لمن يملك الخوارزمية. وهنا يمكن أن يكون للإنسان نصيب من الثروة التي ينتجها الذكاء الذي صنعه هو. قد يكون ذلك من خلال الضرائب، والملكية العامة لبعض البنى الأساسية، وصناديق اجتماعية، ومشاركة العاملين في مكاسب الإنتاجية، وتعزيز المنافسة، والتعليم المجاني أو المدعوم، وربما في المستقبل أشكال جديدة من الدخل الاجتماعي. المهم أن نعيد تعريف العلاقة بين: العمل – رأس المال – المعرفة – الدولة – الإنسان.

الخاتمة

    إن السؤال الذي بدأنا به: هل تتعاون أمريكا والصين لمصلحة البشرية أم لمصلحتهما؟ لا يمكن الإجابة عنه بكلمة واحدة. إنهما تتحركان وفق مصالحهما الوطنية، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن الذكاء الاصطناعي يفرض عليهما، وعلى بقية العالم، حقيقة جديدة: هناك مخاطر لا تستطيع دولة واحدة احتواءها. وهناك ثروة جديدة يمكن أن تغير حياة البشرية كلها. وهناك قوة جديدة يمكن أن تجعل الفوارق بين البشر والدول أكبر مما كانت عليه. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين أمريكا والصين فقط. وليست بين الرأسمالية والاشتراكية. بل بين احتمالين:

- ذكاء اصطناعي يصبح ملكًا للقلة، فتزداد قدرة القلة على التحكم في الأغلبية.

- أو ذكاء اصطناعي يصبح إنجازًا حضاريًا تشترك البشرية في ثماره، مع بقاء الابتكار والمنافسة والملكية الخاصة ضمن قواعد تمنع احتكار القوة.

ومن هنا ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين: إذا كان الإنسان قد صنع عقلًا اصطناعيًا قادرًا على إنتاج الثروة والمعرفة، فهل يستطيع أن يصنع نظامًا اجتماعيًا عادلًا يوزع ثمار هذا العقل؟ فالمشكلة في النهاية ليست: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان؟ بل: ماذا سيفعل الإنسان بالذكاء الذي صنعه؟ ومن سيملك ثماره؟ وربما تكون هذه هي المعركة الطبقية الجديدة: ليست معركة من يملك المصنع، بل من يملك العقل الذي يدير المصانع والعقول والأسواق.

    ربما لا تتغير معادلة التاريخ كثيرًا: قلةٌ تملك وسائل الإنتاج، وكثرةٌ تنتج الثروة. لكن الذي يتغير هو شكل الوسيلة؛ فحين كان الإنتاج يحتاج إلى اليد، امتلكوا المصانع، وحين أصبح يحتاج إلى المعرفة، امتلكوا المعرفة، وحين أصبحت المعرفة نفسها قابلة للأتمتة، بدأ السؤال الجديد: من يملك الذكاء الذي ينتج المعرفة؟

وهكذا قد لا يموت الصراع الطبقي في عصر الذكاء الاصطناعي؛ بل قد يدخل مرحلته الأكثر تعقيدًا: قلةٌ مُستغِلّة، وكثرةٌ مُستغَلّة، وبينهما آلةٌ صنعها الإنسان ثم بدأ يتفاوض معها على مستقبله.

مصادر واستشهادات:

Reuters — الولايات المتحدة والصين ومقترح آلية الإخطار بحوادث الذكاء الاصطناعي، سبتمبر 2026.

Associated Press — التنافس الأمريكي–الصيني ومخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي، سبتمبر 2026

International Labour Organization — Generative AI and Jobs: A 2025 Update.

IMF — Gen-AI: Artificial Intelligence and the Future of Work.

OECD — AI and the Global Productivity Divide.

والبيان الرسمي الصيني بشأن تأسيس World Artificial Intelligence Cooperation Organization (WAICO)، الذي وقّع عليه ممثلو 29 دولة مؤسسة في يوليو 202

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه