الفلسفة ليست لغزًا... بل معرفة للجميع
الفلسفة ليست لغزًا...
بل معرفة للجميع
بقلم الباحث عدنان مهدي
الطائي
ليست الفلسفة كلمات صعبة تُكتب بلغة لا يفهمها
إلا المتخصصون، وليست استعراضًا للمصطلحات والمفاهيم المعقدة. الفلسفة في جوهرها
محاولة الإنسان أن يفهم نفسه والعالم الذي يعيش فيه. ومن هنا
أعتقد أن الفلسفة ينبغي أن تصل إلى الجميع، لا أن تبقى حبيسة النخب والمختصين. فالسؤال الفلسفي في الأصل ليس غريبًا عن الإنسان العادي.
كل إنسان يسأل في لحظة ما:
من أنا؟
لماذا نعيش؟
ما الخير والشر؟
هل الإنسان حر في اختياراته؟
ما الحقيقة؟
هل يستطيع العقل أن يعرف كل شيء؟
ولماذا يوجد العالم أصلًا؟
هذه أسئلة فلسفية، حتى
لو لم يعرف صاحبها أنه يمارس الفلسفة. المشكلة تبدأ
عندما تتحول الإجابة عن هذه الأسئلة إلى لغة شديدة التعقيد. عندها يشعر القارئ أن
الفلسفة عالم مغلق، وأن عليه أن يكون متخصصًا حتى يحق له الاقتراب منها. وهذا في رأيي يضع حاجزًا غير ضروري بين الفلسفة والإنسان، فعمق الفكرة
لا يحتاج إلى غموض العبارة لذلك هناك فرق بين عمق الفكرة وتعقيد اللغة. قد تكون الفكرة عميقة جدًا، ولكن يمكن التعبير عنها بجمل واضحة وقصيرة. وقد تكون الفكرة بسيطة، لكن الكاتب يجعلها غامضة بسبب الجمل الطويلة
والمصطلحات الكثيرة والجمل الاعتراضية المتتابعة. لذلك لا
ينبغي أن نقيس قيمة النص الفلسفي بصعوبة فهمه. فإذا استطاع
الكاتب أن يقول الفكرة العميقة بلغة بسيطة دون أن يفقد معناها، فإنه لم يضعف
الفلسفة، بل يُقرّبها من الإنسان. فالفلسفة
التي تُفهم أفضل من الفلسفة التي تُستعرض عندما نستخدم مصطلحًا فلسفيًا، من الأفضل
أن نشرحه للقارئ بدل أن نفترض معرفته به. وإذا كانت
الفكرة تحتاج إلى مثال، فلنقدم المثال. وإذا كانت
تحتاج إلى سؤال، فلنبدأ بالسؤال. وإذا كانت
تحتاج إلى دليل علمي، فلنضع الدليل في مكانه. بهذه الطريقة
ينتقل القارئ معنا خطوة بعد خطوة، بدل أن يجد نفسه أمام جدار من المصطلحات. فالفلسفة ليست مسابقة في صعوبة اللغة، وإنما رحلة في التفكير. نحن لا نكتب للنخب وحدها ولا نعتقد أن تبسيط الفلسفة يعني الكتابة
للقارئ قليل المعرفة فقط، كما لا يعني التخلي عن الدقة العلمية. بل يعني أن نخاطب الإنسان أولًا. القارئ المتخصص سيجد في النص عمقه ومصادره
وتحليله، والقارئ غير المتخصص سيجد الطريق مفتوحًا لفهم الفكرة والمشاركة فيها. وهذا هو الأهم.
فالمعرفة التي لا يستطيع الوصول إليها إلا عدد
محدود من الناس تبقى معرفة محصورة. أما عندما تصبح الفكرة واضحة ومفهومة، فإنها
تتحول إلى جزء من الحوار الإنساني العام. بين التبسيط
والتسطيح لكن علينا أن ننتبه إلى أمر مهم، تبسيط الفلسفة لا يعني تسطيحها.
فالتبسيط هو أن نحافظ على عمق الفكرة ونزيل
عنها التعقيد اللغوي غير الضروري. أما التسطيح فهو أن نحذف من الفكرة عناصرها
الأساسية حتى تصبح سهلة، لكنها لم تعد صحيحة أو دقيقة. نحن نريد الأول، لا الثاني. ولهذا ينبغي
أن تكون اللغة بسيطة، لكن الفكرة عميقة؛ والجملة واضحة، لكن التحليل دقيق؛ والمثال
قريبًا من الحياة، لكن الاستنتاج قائمًا على العقل والدليل.
الفلسفة للجميع
ربما نحتاج اليوم إلى أن نعيد الفلسفة إلى
مكانها الطبيعي: بين الناس. في البيت،
وفي الجامعة، وفي الصحيفة، وفي المدرسة، وفي المقاهي، وفي الحوار بين الأصدقاء. فالفلسفة لا تبدأ عندما نفتح كتابًا فلسفيًا، وإنما تبدأ عندما نتوقف
أمام شيء مألوف ونسأل: لماذا؟ ومن هنا أرى أن مهمة الكاتب الفلسفي ليست
أن يجعل القارئ يشعر بأنه أمام نص لا يفهمه، وإنما أن يأخذ بيده من السؤال البسيط
إلى الفكرة العميقة. فكلما أصبحت الفلسفة أوضح، أصبح الحوار العقلي
أوسع. وكلما اتسع الحوار، أصبح الإنسان أكثر قدرة على
التفكير بنفسه. ولذلك أقول: الفلسفة ليست
لغزًا ينبغي أن يحله القارئ، بل معرفة ينبغي أن تصل إليه. وإذا كان علينا أن نختار بين لغة تستعرض المعرفة ولغة توصلها، فإنني
أختار الثانية. لأن الفلسفة التي لا تصل إلى الإنسان تفقد جزءًا
من رسالتها الإنسانية.
تعليقات
إرسال تعليق