الديمقراطية لا تُمارَس بالانتخابات وحدها العراق نموذجًا

 

مقدمة تمهيدية للمقالة (الديمقراطية لا تُمارَس بالانتخابات وحدها) العراق نموذجا

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

    من البديهي ان المشكلة ليست أن الديمقراطية لا تصلح للمجتمع الجاهل بطبيعتها، بل أن الديمقراطية، بوصفها نظامًا مؤسسيًا، تحتاج إلى شروط ثقافية وتعليمية وقانونية حتى تتحول من مجرد انتخابات إلى حكم رشيد. وهذا يجعل أطروحتي أكثر دقة؛ لأن العراق منذ 2003 يقدّم حالة واضحة على وجود انتخابات ومؤسسات دستورية، مع استمرار الزبائنية والمحاصصة وضعف المؤسسات. فالبنك الدولي وصف السياسة العراقية بأنها تقوم على تقاسم السلطة والريع، وما ينتج عنهما من استحواذ النخب والزبائنية والمحسوبية والشلل السياسي، بينما يشير تقرير Freedom House لعام 2026 إلى أن العراق يجري انتخابات تنافسية، لكن الحكم الديمقراطي تعرقله الفساد وضعف المؤسسات ووجود قوى مسلحة خارج الإطار القانوني. (World Bank)

الديمقراطية لا تُمارَس بالانتخابات وحدها

العراق نموذجًا

   ليست الديمقراطية صندوقًا يُفتح كل أربع سنوات، ثم يُغلق لتعود الحياة السياسية إلى ما كانت عليه. الديمقراطية قبل أن تكون انتخابات، هي ثقافة وعقل ومنهج في التفكير؛ وهي قبل أن تكون حقًا في اختيار الحاكم، قدرةٌ على اختيار الأفضل، ومحاسبته، واستبداله عندما يفشل. ومن هنا يبرز سؤال قد يبدو صادمًا: هل يمكن للديمقراطية أن تنتج حكمًا ديمقراطيًا في مجتمع لم تتكوّن فيه بعدُ الثقافة الديمقراطية؟ السؤال لا يعني أن الشعوب "لا تستحق الديمقراطية"، ولا يعني أن الديمقراطية امتياز تمنحه النخب للمجتمعات المتقدمة. بل يعني شيئًا آخر أكثر أهمية: إن المؤسسات الديمقراطية لا تعمل في فراغ؛ وإنما تعمل داخل ثقافة اجتماعية، وكلما كانت الثقافة أكثر علمًا ووعيًا ونقدًا، أصبحت الديمقراطية أكثر قدرة على إنتاج دولة حديثة. أما عندما تكون الأمية السياسية، والتعصب، والولاء الشخصي، والطائفية، والعشائرية، والزبائنية هي الأدوات الأساسية في تشكيل الوعي العام، فقد يتحول صندوق الاقتراع من وسيلة لإنتاج النخبة إلى وسيلة لإعادة إنتاجها. وهنا تبدأ المشكلة.

الديمقراطية علمٌ قبل أن تكون تصويتًا

     الديمقراطية في جوهرها ليست مجرد أن يقول المواطن: "أنا أختار". إنها أيضًا أن يعرف لماذا اختار، وماذا اختار، وما الذي يترتب على اختياره. فالناخب الديمقراطي لا ينبغي أن يبحث فقط عن الشخص الذي يمنحه خدمة شخصية، أو وظيفة لقريبه، أو منفعة لعشيرته، أو حماية لجماعته، وإنما عن البرنامج القادر على بناء الدولة. الديمقراطية بهذا المعنى تحتاج إلى عقل نقدي. تحتاج إلى مواطن يستطيع أن يسأل: من أين يأتي المال؟ ما البرنامج الاقتصادي؟ كيف ستُدار الدولة؟ ما معيار اختيار المسؤول؟ ما علاقة الكفاءة بالمنصب؟ كيف تُحمى المؤسسة من الحزب؟ كيف يصبح القانون أقوى من الزعيم؟ ومن هنا تصبح الديمقراطية مشروعًا تعليميًا وثقافيًا قبل أن تكون انتخابيًا. فالمجتمع الذي يتعلم كيف يسأل، وكيف يناقش، وكيف يختلف، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يحاسب المسؤول، ينتج مع الزمن نخبة سياسية جديدة. أما المجتمع الذي يتعود على الطاعة والتلقين والولاء الشخصي، فقد يستخدم الأدوات الديمقراطية القديمة لإعادة إنتاج الثقافة القديمة.

العراق: انتخابات حديثة وثقافة سياسية لم تتحرر بالكامل من الماضي

    العراق بعد عام 2003 دخل مرحلة جديدة من حيث الدستور والانتخابات والتعددية الحزبية. لكن وجود هذه المؤسسات لا يعني تلقائيًا اكتمال الديمقراطية بمعناها العميق. فالتقارير الحديثة تشير إلى أن العراق يجري انتخابات منتظمة وتنافسية، وأن جماعات سياسية ودينية وقومية مختلفة ممثلة في النظام، لكن الحكم الديمقراطي ما زال يواجه مشكلات تتعلق بالفساد، وضعف المؤسسات الرسمية، وتأثير القوى المسلحة، وضعف سيادة القانون. والبنك الدولي ذهب أبعد من ذلك عندما وصف النظام السياسي العراقي بأنه يقوم على الريع وتقاسم السلطة، وما يرتبط بهما من استحواذ النخب والزبائنية والمحسوبية والشلل السياسي، مع تأثير ذلك في فعالية الحكومة وتقديم الخدمات العامة.  وهنا ينبغي أن ننتبه إلى المفارقة: قد تكون لديك انتخابات، ولكن لا تكون لديك ديمقراطية ناضجة. وقد يكون لديك برلمان، ولكن لا تكون لديك دولة مؤسسات قوية. وقد تكون لديك أحزاب كثيرة، ولكن لا تكون لديك منافسة سياسية حقيقية قائمة على البرامج والكفاءة.

عندما يصبح المواطن زبونًا والسياسي صاحبَ متجر

   أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية هو أن تتحول العلاقة بين المواطن والسياسي من: مواطن دولة إلى: زبون زعيم. عندها لا يعود المواطن يسأل: ماذا فعلت للدولة؟ بل يسأل: ماذا أعطيتني؟ ولا يعود السياسي بحاجة إلى تقديم مشروع وطني طويل الأمد، بل يحتاج إلى شبكة من المنافع والعلاقات والولاءات. وهكذا تنشأ الزبائنية السياسية. السياسي يقدم المنفعة، والمواطن يقدم الولاء. السياسي يوفر الوظيفة، والمواطن يوفر الصوت.

السياسي يمنح الحماية، والمواطن يمنح الولاء.

   وبهذه الطريقة يصبح صوت المواطن سلعة سياسية، ويصبح المنصب العام مصدرًا لإعادة توزيع المنافع على شبكة من المؤيدين. وقد وثّق البنك الدولي بصورة صريحة أثر الزبائنية والمحسوبية في السياسة العراقية، مشيرًا إلى أن العلاقات الشخصية و"الواسطة" تؤثر في فرص الحصول على الوظائف، وأن نموذج الوظائف الحكومية بوصفها أداة للمحسوبية أصبح عبئًا متزايدًا على الدولة.

   المشكلة ليست في الشعب وحده وهنا يجب أن نكون أكثر إنصافًا. ليس من الصحيح أن نقول إن المشكلة سببها "الشعب الجاهل" وحده. فالنظام السياسي نفسه يستطيع أن ينتج الجهل السياسي أو يضعفه. عندما تكون المدرسة ضعيفة، والجامعة مسيّسة، والإعلام تابعًا، والمؤسسات الحزبية مغلقة، والمعلومة غير متاحة، والقانون غير متساوٍ، والوظيفة مرتبطة بالولاء، فإن المجتمع لا يحصل على البيئة التي تساعده على إنتاج مواطن ديمقراطي

مستقل. إذن هناك علاقة دائرية: ثقافة ضعيفة تنتج سياسة ضعيفة، والسياسة الضعيفة قد تعيد إنتاج الثقافة الضعيفة. وهذه هي الحلقة التي ينبغي كسرها.

أخطر ما في الزبائنية أنها لا تنتج نخبة جديدة

    الديمقراطية الحقيقية يفترض أن تكون نظامًا يسمح بتجدد النخب. كل جيل يأتي بأفكاره. كل مرحلة تاريخية تنتج قيادات جديدة. كل انتخابات حقيقية ينبغي أن تمنح الكفاءة فرصة للصعود، والفشل فرصة للسقوط. لكن الزبائنية تفعل العكس. إنها تميل إلى حماية أصحاب النفوذ، وإعادة تدوير الوجوه، وتوسيع شبكات الولاء. وقد أشارت دراسة حديثة لمركز كارنيغي إلى ازدياد هيمنة عدد محدود من العائلات والشخصيات على أحزاب وحركات سياسية عراقية، وربطت ذلك بمخاطر ترسيخ الفساد وإضعاف التنافس القائم على الكفاءة.  وهنا يصبح السؤال ليس: من يستطيع أن يحكم؟ بل: من يستطيع أن يبقى في الحكم؟ وهذا فرق هائل.

الديمقراطية الحقيقية تقتل الزعيم السياسي بمرور الزمن

   أقصد هنا "قتل الزعيم" سياسيًا، لا جسديًا. فالديمقراطية الناضجة لا تسمح بأن يصبح السياسي ضرورة أبدية. تأتي مرحلة، فيغادر. ويأتي بعده آخر. ثم يأتي ثالث. وتنشأ نخبة شابة تختلف في أفكارها عن النخبة السابقة. وهكذا تتحرك الدولة إلى الأمام. أما النظام الذي يعيد الأشخاص أنفسهم، أو العائلات نفسها، أو الشبكات نفسها، أو الخطابات نفسها، فإنه لا يمارس التجديد الديمقراطي، وإنما يمارس إعادة إنتاج السلطة. وهذه نقطة جوهرية في فهم الفرق بين الديمقراطية كشكل، والديمقراطية كمنهج.

الجهل السياسي لا يعني الأمية فقط

    قد يكون الإنسان متعلمًا، ويحمل شهادة جامعية، لكنه يظل أميًا سياسيًا. وقد يكون الإنسان قليل التعليم، لكنه يمتلك حسًا نقديًا رائعًا. لذلك لا أقصد بالجهل هنا عدم معرفة القراءة والكتابة فقط. إنني أقصد الجهل السياسي: أن يصدق المواطن كل ما يسمعه. أن يقدس الزعيم. أن يخلط بين الدين والسياسة. أن يضع الطائفة قبل الدولة. أن يضع العشيرة قبل القانون. أن يرى الوظيفة العامة غنيمة. أن يعتبر المال السياسي حقًا طبيعيًا. أن يصوت لمن يمنحه منفعة شخصية، ثم يشكو من فساد الدولة. هنا تتحول الديمقراطية إلى مرآة تعكس مستوى الوعي الاجتماعي.

من "ديمقراطية الانتخابات" إلى "ديمقراطية الدولة"

    لذلك فإن المطلوب ليس إلغاء الديمقراطية، بل استكمالها. لا يكفي أن نسأل: هل لدينا انتخابات؟ بل يجب أن نسأل: هل لدينا قضاء مستقل؟ هل لدينا تعليم حديث؟ هل لدينا إعلام حر ومسؤول؟ هل لدينا أحزاب تقوم على البرامج؟ هل يستطيع المواطن أن يغيّر ممثله دون خوف أو إغراء؟ هل المال العام منفصل عن المال الحزبي؟ هل الوظيفة العامة تقوم على الكفاءة؟ هل يستطيع الشاب أن يصل إلى موقع سياسي دون أن يكون تابعًا لشبكة نفوذ؟ هل القانون أقوى من الحزب؟ هل الدولة أقوى من الزعيم؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة ليست في فكرة الديمقراطية نفسها، وإنما في البنية التي يُطلب من الديمقراطية أن تعمل داخلها.

العراق يحتاج إلى ديمقراطية تُنتج الإنسان قبل أن تُنتج الحاكم

    ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في هذه المقالة. نحن لا نحتاج إلى ديمقراطية تنتج حكامًا فقط. نحتاج إلى ديمقراطية تنتج مواطنًا جديدًا. مواطنًا يعرف حقوقه وواجباته. يقرأ. يسأل. يناقش. يختلف دون أن يكره. ينتقد دون أن يهدم. يختار دون أن يُباع صوته. ويرفض أن تتحول الدولة إلى شركة خاصة للأحزاب. عندها فقط يصبح صندوق الاقتراع أداة لبناء المستقبل، وليس أداة لإعادة إنتاج الماضي.

 الخلاصة

    ليست الديمقراطية نظامًا سحريًا يصلح بمجرد استيراد مؤسساته. إنها ثقافة تتعلمها المجتمعات، ومؤسسات تحميها، وقوانين تفرضها، وأجيال جديدة تطورها. ولهذا فإن المشكلة التي تواجه العراق ليست في أن الديمقراطية "لا تصلح للعراقيين"، فهذه عبارة ظالمة للشعب ومضللة سياسيًا. المشكلة أن الديمقراطية السياسية سبقت في كثير من جوانبها اكتمال شروط الديمقراطية الاجتماعية والثقافية والمؤسسية. ومن هنا أصبح لدينا التناقض:

- انتخابات حديثة، وثقافة سياسية قديمة.

- برلمان، ولكن مؤسسات ضعيفة.

- تعددية حزبية، ولكن زبائنية واسعة.

- صندوق اقتراع، ولكن ولاءات تتجاوز البرنامج الانتخابي.

والخروج من هذا التناقض لا يكون بإلغاء الديمقراطية، وإنما بتحويلها من طقس انتخابي إلى منهج حياة. فالديمقراطية التي لا تنتج تعليمًا أفضل، وقانونًا أقوى، ومؤسسات أكثر استقلالًا، ونخبًا جديدة، وعدالة أوسع، واقتصادًا أكثر إنتاجًا، ستبقى ديمقراطية ناقصة. أما الديمقراطية التي تنتج مواطنًا أكثر وعيًا من أبيه، ونخبة شابة أكثر كفاءة من النخبة السابقة، ومؤسسات أقوى من الأشخاص، فهي الديمقراطية التي تستطيع أن تقود المجتمع إلى الأمام.

   الديمقراطية لا تبدأ يوم يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع؛ بل تبدأ يوم يصبح قادرًا على أن يقول: لن أبيع صوتي، ولن أعبد زعيمي، ولن أقدّم الطائفة على الدولة، ولن أقبل أن تكون الدولة ملكًا لمن يحكمها. عندها فقط يصبح صندوق الاقتراع بداية الديمقراطية، لا نهايتها. لان الديمقراطية تحتاج إلى بيئة معرفية ومؤسسية حتى لا تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الجهل والزبائنية. وبالتالي في رأيي، تصلح جدًا لأن تكون ضمن المشروع الفكري عن الدولة المدنية والحداثة المؤنسنة، لأنها تربط بين الوعي، والدولة، وتجديد النخب، لا بين الديمقراطية وصندوق الاقتراع فقط.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه