بين المال والصحة حين تصبح الحياة أغلى من ثمنها
بين المال والصحة
حين تصبح الحياة أغلى
من ثمنها
بقلم الكاتب والباحث
عدنان مهدي الطائي
هناك سؤال يراودني كثيرًا، حتى إنه يأتي إليّ
أحيانًا في أحلامي: لو خُيّرت بين المال
والصحة، فأيهما أختار؟ قد يبدو السؤال بسيطًا
في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أصعب الأسئلة التي يمكن أن يواجهها الإنسان عندما
يتقدم به العمر، أو عندما يكتشف أن بعض الأشياء التي كان يظن أنها مضمونة في
الحياة ليست كذلك. أنا بحاجة إلى المال،
نعم. فالمال ليس عدوًا
للإنسان، كما تصوره بعض الفلسفات المثالية. إنه وسيلة للسكن، والغذاء، والعلاج،
والأمان، والاستقلال، ومساعدة الأبناء، ومواجهة متطلبات الحياة. والفقر ليس فضيلة،
كما أن الغنى ليس رذيلة في ذاته. لكن السؤال الأكثر قسوة
هو: ماذا لو أصبح المال
قادرًا على شراء العلاج، لكنه عاجز عن إعادة الصحة؟
هنا تبدأ المسألة الفلسفية الحقيقية.
الواقعية تقول: المال ضرورة لا يمكن إنكارها
حيث من الخطأ أن نتحدث عن الحياة وكأن الإنسان يعيش بالروح وحدها. فالإنسان يحتاج إلى المال لكي يأكل، ويسكن،
ويتعالج، ويتنقل، ويحمي نفسه من قسوة الظروف. وقد يصبح المال، في بعض مراحل
الحياة، شرطًا من شروط الكرامة الإنسانية. ومن هذه الزاوية، تبدو الواقعية محقة. فالإنسان الذي لا يملك المال قد يفقد جزءًا من
حريته، وقد يجد نفسه مضطرًا إلى قبول ما لا يريد، أو التخلي عن أشياء يحتاج إليها. لذلك لا أستطيع أن أقول: الصحة أهم من المال، وانتهى الأمر. لأن الإنسان قد يحتاج المال لكي يحافظ على
صحته أصلًا. لكن الواقعية نفسها
تصطدم بحدودها عندما تكتشف أن المال، مهما بلغ، لا يستطيع شراء كل شيء. يمكن للمال أن يشتري سريرًا في أفضل مستشفى،
لكنه لا يستطيع أن يضمن الشفاء. يمكنه أن يشتري الدواء،
لكنه لا يستطيع أن يضمن استجابة الجسد له. يمكنه أن يشتري الطعام، لكنه لا يستطيع أن
يعيد للإنسان بالضرورة القدرة على تذوق الحياة كما كان يفعل. وهنا تبدأ حدود المال.
المثالية تقول: الصحة
ليست سلعة، عندها تقف المثالية في
الطرف الاخر، تنظر إلى الإنسان من زاوية مختلفة، فتقول إن هناك
أشياء لا ينبغي قياس قيمتها بالمال. الصحة واحدة منها. فالإنسان السليم قد لا يشعر بثروة جسده، لأنه
يعيش معها كل يوم دون أن يفكر فيها. يمشي دون أن يسأل قدميه
كيف تحملانه. يتنفس دون أن يفكر في
قيمة الهواء. يستيقظ صباحًا دون أن
يعتبر مجرد الاستيقاظ نعمة. لكن عندما يتغير شيء في
الجسد، يكتشف الإنسان فجأة أن ما كان يملكه مجانًا كان أثمن من أشياء كثيرة دفع
عمره كله للحصول عليها. وهنا تظهر مفارقة
الحياة ((paradox. نحن غالبًا لا نعرف
قيمة النعمة إلا عندما تصبح مهددة بالفقدان
حينما نضع سؤالنا بين الواقعية والمثالية. هل علينا أن نختار؟
هل نقول: المال أم الصحة؟ ربما يكون السؤال نفسه
بحاجة إلى إعادة صياغة.
فالمال ليس غاية،
والصحة ليست مجرد وسيلة. المال ينبغي أن يكون
وسيلة لحياة أفضل، والصحة هي إحدى أهم الشروط التي تجعل تلك الحياة ممكنة. لذلك فإن المشكلة ليست في امتلاك المال، وإنما
في أن يتحول المال من وسيلة إلى غاية. عندما يصبح الإنسان مستعدًا للتضحية بصحته
كلها من أجل المال، فإنه قد يكتشف في النهاية أنه جمع ثروةً لإنسان لم يعد قادرًا
على الاستمتاع بها. وهنا تختصر الحياة
المفارقة كلها: قد تقضي نصف عمرك في
جمع المال، ثم تقضي النصف الآخر في محاولة شراء ما فقدته وأنت تجمعه. وهذه ليست دعوة إلى الفقر. بل هي دعوة إلى التوازن. المال يستطيع أن يؤجل بعض الألم، لكنه لا
يستطيع أن يهزم الزمن.
هناك وهم كبير يرافق الإنسان المعاصر: الاعتقاد
بأن كل شيء يمكن إصلاحه إذا امتلكنا المال الكافي. التكنولوجيا تتقدم، والطب يتطور، والعلاج أصبح
أكثر قدرة على إنقاذ الإنسان وإطالة حياته. وهذا كله رائع. لكن العلم نفسه يذكرنا بأن للجسد حدودًا،
وللزمن سلطته، وللحياة قوانينها. قد نستطيع إصلاح عضو،
أو استبدال مفصل، أو علاج مرض، أو السيطرة على أعراض، لكننا لا نملك حتى الآن
عقدًا مع الزمن يقول لنا: أعد إليّ شبابي. وهنا يصبح المال عاجزًا أمام سؤال أكبر منه. فالصحة ليست غياب المرض فقط
،بل الأهم من ذلك أن الصحة ليست مجرد رقم في تقرير طبي. الصحة هي أن تستطيع أن تتحرك. أن تجلس مع من تحب. أن تأكل ما تستطيع الاستمتاع به. أن تنظر من النافذة وتشعر بأن العالم ما زال
يستحق أن يُرى. أن تستطيع أن تقول كلمة
طيبة. أن تمشي ولو خطوات
قليلة، ولكنها خطواتك أنت. أن يكون في داخلك سبب
يجعلك تستيقظ في الصباح. ولهذا فإن الصحة في
معناها الأعمق ليست حالة جسدية فقط، وإنما قدرة على ممارسة الحياة. وماذا لو خُيّرت؟
وعاد السؤال إليّ مرة أخرى: المال أم الصحة؟
فلن أختار أحدهما بصورة مطلقة. سأقول: أريد من المال ما يحفظ صحتي، ومن الصحة ما
يجعل للمال معنى. أريد مالًا يكفيني
للعيش بكرامة، لا مالًا يجعلني عبدًا له. وأريد صحة تسمح لي بأن أعيش، لا مجرد رقم جميل
في ملف طبي. لأن المال إذا فقدناه
يمكن، في كثير من الأحيان، أن نسعى إلى تعويضه. أما بعض ما نفقده من صحتنا، فقد لا يكون له
طريق للعودة. وهنا تكمن المأساة: هناك أشياء نستطيع استردادها بعد أن نفقدها،
وأشياء أخرى إذا فقدناها أصبح استردادها حلمًا. ربما لا يكون السؤال: ماذا أختار؟
ربما السؤال الأعمق هو: كيف أعيش بحيث لا أضطر
إلى الاختيار؟ كيف أعمل دون أن أستهلك
جسدي؟ كيف أكسب المال دون أن
أخسر الحياة؟ كيف أنفق على صحتي قبل
أن أضطر إلى إنفاق ثروة على مرضي؟
كيف أعرف متى يكون الطموح مشروعًا، ومتى يتحول إلى جشع؟
وكيف أستطيع، في مرحلة متقدمة من العمر، أن أقول: لقد عشت بما يكفي، ولم أترك الحياة تمر بي
وأنا منشغل بجمع ما لن آخذه معي؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها المال وحده، ولا تجيب
عنها المثالية وحدها. إنها تحتاج إلى واقعية
إنسانية؛ واقعية تعترف بحاجتنا إلى المال، ومثالية إنسانية تعرف أن الإنسان أكبر
من حسابه المصرفي.
الثروة الحقيقية
ربما تكون الثروة الحقيقية في النهاية ليست
مقدار ما نملك، وإنما مقدار ما نستطيع أن نفعله بما نملك. قد يكون الإنسان غنيًا بالمال وفقيرًا في
الحياة. وقد يكون محدود المال،
لكنه غني بالصحة، والمحبة، والطمأنينة، والقدرة على الاستمتاع بالأشياء الصغيرة. والحكمة ليست أن نرفض المال، ولا أن نقدسه. الحكمة أن نضعه في مكانه الصحيح. المال خادم جيد، لكنه سيد سيئ. والصحة كذلك ليست شيئًا ننتبه إليه عندما
نفقدها، بل أمانة ينبغي أن نرعاها ما استطعنا.
خاتمة: عندما يصبح
السؤال شخصيًا
كلما عاد إليّ هذا السؤال في أحلامي: هل أختار المال أم الصحة؟
أشعر أنني لا أبحث في الحقيقة عن جواب اقتصادي، بل عن جواب إنساني. أنا لا أريد مالًا أكثر إذا كان ثمنه أن أفقد
قدرتي على الحياة. ولا أريد صحة مثالية لا
أستطيع أن أعيش معها بكرامة بسبب الفقر. أريد شيئًا أكثر تواضعًا وأعمق: ما يكفيني من المال، وما يبقيني قادرًا على
الحياة. فربما ليست السعادة في
أن نملك كل شيء، وإنما في أن نعرف ما الذي لا ينبغي أن نخسره ونحن نحاول امتلاك
الأشياء. وفي النهاية، قد يكون
أعظم درس تعلمه الإنسان هو: لا تجعل المال الذي
تجمعه اليوم يأخذ منك الصحة التي ستحتاجها غدًا؛ لأن بعض الأموال يمكن استعادتها،
أما بعض الصحة فإذا رحلت... فلا ثروة في العالم تستطيع أن تشتريها من جديد. وهنا، بين الواقعية والمثالية، لا أختار المال
ضد الصحة، ولا الصحة ضد المال.
أختار الحياة.
تعليقات
إرسال تعليق