بعد الستين… حين يصبح العمر أكثر حكمة
بعد الستين… حين يصبح
العمر أكثر حكمة
بقلم الكاتب والباحث
عدنان مهدي الطائي
مقدمة: هل العمر نهاية
أم بداية أخرى؟
اعتدنا أن ننظر إلى الحياة وكأنها طريق له
اتجاه واحد: طفولة، ثم شباب، ثم عمل، ثم تقاعد، ثم شيخوخة، وكأن السنوات التي تلي
الستين ليست سوى انتظار هادئ لنهاية الطريق. لكن هذه
النظرة ربما تكون واحدة من أكثر الأفكار ظلمًا للإنسان. فالإنسان لا تنتهي قدرته على الحياة عندما يتقدم به العمر، وإنما تتغير
طريقة عيشه للحياة. بعد الستين، قد لا نملك القوة نفسها التي كانت
لدينا في العشرين أو الأربعين، لكننا نمتلك شيئًا لم يكن متاحًا لنا بالقدر نفسه: الخبرة، والوعي،
والقدرة على التمييز بين ما يستحق أن نعيش من أجله وما لا يستحق. وهنا تبدأ فلسفة أخرى للحياة.
أولًا: عندما يتغير
معنى الزمن
في الشباب، نعيش الزمن وكأنه ملكنا. نؤجل أشياء كثيرة، ونقول: غدًا سأفعل، وغدًا سأزور، وغدًا سأقرأ، وغدًا
سأقول لمن أحب إنني أحبه. لكن بعد الستين يصبح للزمن معنى مختلف. نبدأ في إدراك أن «غدًا» ليس وعدًا مضمونًا، وأن قيمة الحياة ليست في
عدد السنوات التي أمامنا، وإنما في كيفية استخدام السنوات التي نعيشها الآن. وهنا لا ينبغي أن يتحول هذا الإدراك إلى خوف من الموت، بل إلى احترام
للحياة. فالموت، في فلسفة ما بعد العبث، ليس سببًا لكي
نتوقف عن العيش؛ بل قد يكون أحد الأسباب التي تجعل للحظة الحاضرة قيمة. إن معرفتنا بأن الحياة محدودة لا تجعلها عبثية بالضرورة، وإنما تدفعنا
إلى أن نسأل: ماذا سأفعل بالوقت الذي ما زال لدي؟
ثانيًا: ما بعد الستين… التحرر من سباق الآخرين
في مراحل العمر الأولى، يعيش الإنسان أحيانًا
وفق مقاييس الآخرين. ماذا يقول الناس؟ ماذا حقق فلان؟ كم يملك فلان؟ من
أصبح طبيبًا؟ ومن أصبح مديرًا؟ ومن بنى بيتًا أكبر؟ ثم تأتي مرحلة ندرك فيها أن
هذه المنافسة لم تكن ضرورية أصلًا. بعد الستين
يمكن للإنسان أن يتحرر من كثير من هذه الأسئلة. لا يحتاج إلى
أن يثبت قيمته لأحد. فالقيمة الإنسانية لا تقاس بالمنصب، ولا بالمال،
ولا بعدد الممتلكات، وإنما بما تركه الإنسان في نفوس الآخرين من أثر طيب، وبما
استطاع أن يفعله من خير، وبقدرته على أن يعيش بسلام مع نفسه. وهنا تبدأ البساطة في اكتساب معنى فلسفي. البساطة ليست فقرًا في الحياة، وإنما تحرر من الأشياء التي لا نحتاج
إليها.
ثالثًا: الجسد الذي
تغير… والإنسان الذي لم ينتهِ
من أكثر الأشياء التي تؤلم الإنسان في هذه
المرحلة أن يرى جسده يتغير. الشعر يشيب، والعضلات تضعف، والحركة تصبح أبطأ،
وقد تظهر الحاجة إلى النظارة أو العصا أو بعض المساعدة. لكن لماذا ننظر إلى هذه التغيرات وكأنها هزيمة؟ إن الجسد لا يخون
الإنسان عندما يتقدم في العمر؛ إنه ببساطة يخبرنا أن الزمن مرّ. لذلك ينبغي أن نتعلم أن نقول لأنفسنا: هذا جسدي،
وهذه سني، وهذه رحلتي… وأنا لا أخجل منها. تقبّل الجسد
بمحبة لا يعني الاستسلام للمرض أو إهمال الصحة، بل يعني أن نعتني بأنفسنا من دون
أن نكره أنفسنا بسبب ما لا نستطيع تغييره. تحرك قدر
إمكانك. امشِ إن استطعت. مارس ما
يناسبك من النشاط. تناول ما يحافظ على صحتك. استرح عندما يحتاج جسدك إلى الراحة. ولا تجعل
الحركة سباقًا مع الشباب. المهم ألا تتوقف عن الحياة.
رابعًا: الابتسامة بوصفها موقفًا فلسفيًا
قد تبدو الابتسامة شيئًا بسيطًا، لكنها
أحيانًا تكون موقفًا عميقًا من الحياة. فالإنسان
الذي ابتسم بعد أن مرّ بتجارب صعبة لا يضحك لأنه لم يعرف الألم، وإنما لأنه رفض أن
يمنح الألم حق امتلاك بقية حياته. أن تبتسم بعد
الستين يعني أن تقول للحياة: لقد عرفت منك الكثير؛ عرفت الفرح والحزن، النجاح
والفشل، الفقد واللقاء، وما زلت هنا. وما دام هناك
صباح جديد، فما زال هناك شيء يستحق أن نعيشه.
خامسًا: ما بعد العبث…
حين نصنع المعنى بدل أن ننتظره
هنا تلتقي الشيخوخة مع فلسفة ما بعد العبث. إذا كان الإنسان قد يصل في لحظة ما إلى السؤال القديم: ما معنى الحياة؟ فربما لا تكون الإجابة في انتظار معنى جاهز يأتيه من
الخارج. المعنى قد يكون فيما نصنعه نحن من خلال وجودنا. أن تحب شخصًا. أن تساعد إنسانًا. أن تكتب فكرة. أن تعلم حفيدًا. أن تصالح
نفسك. أن تزرع شجرة. أن تروي
حكاية. أن تترك خلفك كلمة طيبة. كل هذه الأشياء الصغيرة قد تصبح، في مجموعها، معنى كبيرًا. ومن هنا فإن الإنسان بعد الستين لا يحتاج إلى أن يبدأ حياة جديدة
بالضرورة؛ ربما يحتاج فقط إلى أن ينظر إلى حياته القديمة بعين جديدة.
سادسًا: الحكمة ليست في
معرفة كل شيء
الشباب يريد أن يعرف كل شيء. أما الإنسان الذي تقدم به العمر فيتعلم شيئًا آخر: ليس من الضروري أن أعرف كل شيء لكي أعيش بسلام. يكفي أن أعرف ما يستحق أن أعرفه. وأن أتجاهل
ما لا يستحق أن يسرق راحتي. وأن أختلف مع الآخرين دون أن أكرههم. وأن أقبل أنني قد أكون مخطئًا. وأن أتعلم
حتى آخر يوم في حياتي. هذه ربما هي إحدى أجمل ثمار العمر: أن تتحول المعرفة من وسيلة لإثبات الذات إلى وسيلة لفهم الإنسان.
سابعًا: لا تؤجل الفرح
هناك خطأ آخر يقع فيه الإنسان عندما يتقدم في
العمر، وهو انتظار المناسبة الكبيرة لكي يكون سعيدًا. لكن الحياة
لا تقدم لنا دائمًا المناسبات الكبيرة. لذلك علينا
أن نتعلم فن اكتشاف الفرح الصغير. فنجان قهوة
في الصباح. كتاب نحبه. أغنية قديمة
تعيد إلينا زمنًا جميلًا. صديق نتحدث معه. صورة قديمة. زهرة في حديقة. ضحكة طفل. رسالة من شخص
نحبه. هذه الأشياء قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة هي
المادة التي تُبنى منها الحياة. السعادة ليست
دائمًا حدثًا كبيرًا؛ أحيانًا تكون مجرد لحظة انتبهنا إليها.
ثامنًا: ما الذي يبقى
منا؟
بعد رحلة طويلة، يبدأ الإنسان في طرح سؤال
مختلف: ليس: ماذا أملك؟ بل: ماذا تركت؟ هل
تركت إنسانًا أصبح أفضل بسبب كلمة قلتها؟ هل ساعدت شخصًا عندما احتاج إليك؟ هل
أحببت بصدق؟ هل سامحت؟ هل تركت فكرة تستحق أن تبقى؟ هل كان وجودك إضافة إلى حياة
الآخرين؟ ربما هنا يكمن أحد أعمق معاني الحياة. فالإنسان لا
يعيش فقط بعدد السنوات التي عاشها، وإنما أيضًا بمقدار الأثر الذي تركه في العالم
وفي ذاكرة الآخرين. تاسعًا: التفاؤل… دواء لا يُباع في الصيدليات
هل يكفي التفاؤل لكي يعيش الإنسان حياة أفضل؟ ربما
لا يستطيع التفاؤل أن يشفي كل مرض، ولا أن يوقف عقارب الزمن، ولا أن يعيد إلينا ما
فقدناه، لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا بالغ الأهمية: أن يغيّر الطريقة التي
نواجه بها ما يحدث لنا. فالتفاؤل ليس دواءً طبيًا بالمعنى المعروف، لكنه
قد يكون دواءً للنفس. عندما يمرض الإنسان أو يتقدم به العمر، فإن أصعب
ما يواجهه أحيانًا ليس الألم الجسدي وحده، وإنما الشعور بالعجز والخوف وفقدان
الأمل. وهنا تأتي قوة التفاؤل. أن تقول لنفسك: ربما لا أستطيع تغيير كل شيء، لكن ما زلت أستطيع
أن أفعل شيئًا. هذه الجملة البسيطة قد تعيد إلى الإنسان إحساسه
بأنه ما زال شريكًا في حياته، وليس مجرد متفرج عليها. لكن علينا أن نميز بين التفاؤل الواعي والتفاؤل الساذج. التفاؤل الساذج يقول: لا تقلق، كل
شيء سيكون بخير. أما التفاؤل الواعي فيقول: قد لا يكون كل شيء بخير، لكنني لن أسمح لما هو سيئ أن يسلبني كل ما هو
جميل. وهذا فرق كبير. فالتفاؤل
الحقيقي لا يطلب منا أن ننكر المرض، ولا أن نتجاهل الحزن، ولا أن نتظاهر بالقوة
عندما نكون متعبين. إنه يسمح لنا بأن نقول: أنا متعب… ولكنني سأحاول. أنا حزين… ولكنني سأبحث عن نافذة للضوء. لقد فقدت شيئًا عزيزًا… ولكنني لن أفقد معنى وجودي. تقدم بي العمر… ولكنني ما زلت أستطيع أن أحب وأبتسم وأتعلم وأمنح. وهنا يصبح التفاؤل موقفًا فلسفيًا من الحياة. ففي فلسفة ما بعد العبث، لا يحتاج الإنسان إلى أن يقنع نفسه بأن الحياة
خالية من الألم لكي يجد فيها معنى؛ بل يستطيع أن يعترف بوجود الألم والموت والفقد،
ثم يقرر رغم ذلك أن يعيش. المعنى لا يأتي دائمًا من غياب الألم، بل قد
يولد من الطريقة التي نواجه بها الألم. ولهذا، فإن
الإنسان بعد الستين يحتاج إلى التفاؤل، لا باعتباره وعدًا بأن المستقبل سيكون
مثاليًا، وإنما باعتباره قدرة على رؤية ما بقي من الضوء، حتى عندما تكون بعض نوافذ
الحياة قد أُغلقت. قد لا نستطيع أن نعيد شبابنا، ولكننا نستطيع أن
نعيش حاضرنا. قد لا نستطيع أن نوقف الزمن، ولكننا نستطيع أن
نمنح أيامنا قيمة. قد لا نستطيع أن نمنع المرض، ولكننا نستطيع أن
نحافظ على روحنا من الاستسلام. وقد لا
نستطيع أن نعرف كم بقي لنا من العمر، لكننا نستطيع أن نسأل: كيف أجعل اليوم الذي أعيشه اليوم جديرًا بأن يُعاش؟ وهنا يصبح التفاؤل
أكثر من مجرد ابتسامة. إنه شجاعة هادئة في مواجهة الحياة. ولهذا يمكن القول: التفاؤل لا
يعالج كل مرض، لكنه قد يساعد الإنسان على مواجهة المرض. ولا يمنع الحزن، لكنه يمنع الحزن من أن يصبح حياتنا كلها. ولا يوقف الشيخوخة، لكنه يجعل سنوات العمر أكثر احتمالًا وجمالًا. وربما لهذا السبب كان التفاؤل من أجمل الأدوية التي لا تُباع في
الصيدليات؛ لأنه لا يُقاس بالجرعات، وإنما بقدرتنا على أن ننهض كل صباح ونقول: ما دام في العمر بقية… ففي الحياة بقية.
خاتمة: أجمل ما في العمر أنه لم ينتهِ بعد
بعد الستين لا تقل: لقد انتهى
شبابي. قل: لقد بدأت مرحلة جديدة
أعرف فيها نفسي أكثر. لا تقل: لم يعد لدي ما أفعله. قل: لدي وقت لأفعل ما لم أستطع فعله من قبل. لا تنظر إلى التجاعيد باعتبارها علامات هزيمة؛
انظر إليها باعتبارها شهادات على أنك عشت. ولا تجعل
تقدم العمر سببًا للانسحاب من الحياة. عش ببساطة. تحرك قدر استطاعتك. ابتسم كثيرًا. أحب من حولك. سامح قدر ما تستطيع. اقرأ. اكتب. تأمل. وتقبّل جسدك وسنك بمحبة. فربما تكون
السعادة التي بحثنا عنها طويلًا لم تكن في مكان بعيد، وإنما كانت تنتظرنا في أبسط
تفاصيل الحياة. وفي فلسفة ما بعد العبث، لا يكون السؤال: كم بقي لي من العمر؟
بل: كيف أجعل ما بقي من العمر جديرًا بأن يُعاش؟
وهنا ربما نكتشف الحقيقة الأجمل: أن التقدم في
العمر ليس ابتعادًا عن الحياة، بل اقترابٌ من حقيقتها. وأن السنوات التي تلي الستين ليست بالضرورة خريف العمر… فقد تكون أهدأ فصوله، وأكثرها حكمة، وأشدها صفاءً.
تعليقات
إرسال تعليق