حين يتكلم الإنسان بلسان الله من الفاشية الإسلامية إلى فاشية التأويل
حين يتكلم الإنسان
بلسان الله
من الفاشية الإسلامية
إلى فاشية التأويل
بقلم الكاتب والناقد والباحث عدنان مهدي
الطائي
مقدمة: السؤال الذي
يسبق الفاشية
منذ أن عرف الإنسان
المقدس، عرف معه سؤالًا بالغ الخطورة: من يملك حق
الحديث باسم المقدس؟ فإذا كان الوحي مصدرًا إلهيًا، فإن الإنسان الذي يقرأه ويفسره
ويستنبط منه الأحكام ينتمي إلى المجال البشري، لا إلى المجال الإلهي. وهنا تظهر المسافة التي كثيرًا ما يجري إلغاؤها في الخطاب الديني: مسافة بين الوحي والتفسير، وبين النص والاجتهاد، وبين الدين والتدين. وعندما تختفي هذه المسافة، قد يتحول الإنسان من مفسر للنص إلى متحدث
باسمه، ومن متحدث باسمه إلى صاحب سلطة دينية، ومن صاحب السلطة الدينية إلى صاحب
سلطة سياسية. وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر خطورة: متى يتوقف الإنسان عن تفسير كلام الله، ويبدأ في الكلام بلسان الله؟
من هنا تأتي أهمية كتاب المفكر المصري
الألماني حامد عبد الصمد «الفاشية الإسلامية»، الذي صدر بالألمانية عام 2014
بعنوان Der
islamische Faschismus، ثم ترجم إلى الإنجليزية عام 2016. يحاول عبد الصمد فيه الكشف عن
أوجه تشابه بين الإسلاموية والفاشية، ويربط تحليله خصوصًا بالبنى السلطوية
والإقصائية والجهادية، ويمد بحثه إلى جماعة الإخوان المسلمين وحزب الله والنظام الإيراني،
وتنظيم داعش، والتيارات السلفية، والجهادية. لكننا لا
نريد أن نتوقف عند السؤال الذي طرحه عبد الصمد. بل نريد أن
نذهب خطوة أخرى: إذا كانت بعض أشكال الإسلام السياسي قد اكتسبت
سمات فاشية، فهل المشكلة في الإسلام نفسه، أم في الطريقة التي حوّل بها الإنسان
تفسيره للدين إلى أيديولوجيا وسلطة؟ ومن هنا ينتقل بحثنا من: الفاشية الإسلامية
إلى مفهوم أكثر تحديدًا: فاشية التأويل.
أولًا: ماذا يقول حامد
عبد الصمد؟
يمكن إيجاز أطروحة عبد الصمد في أن بعض أشكال
الإسلاموية الحديثة تشترك مع الفاشية في عناصر مثل احتكار الحقيقة، وإخضاع الفرد
للجماعة، وصناعة العدو، وتمجيد الطاعة، والنزعة الشمولية، والسعي إلى إخضاع
المجتمع لمنظومة عقائدية وسياسية واحدة. كما يبحث
الكتاب في الروابط التاريخية بين بعض تيارات الإسلام السياسي وبين الفاشية
الأوروبية، ولا يقتصر على الحركات الجهادية المعاصرة، بل يتناول شخصيات وحركات
سياسية ودينية متعددة. وتكمن قوة الكتاب في أنه يطرح سؤالًا صعبًا لا
ينبغي الهروب منه: ماذا يحدث عندما تتحول العقيدة إلى أيديولوجيا
سياسية شاملة؟ لكن عنوان الكتاب نفسه يحتاج إلى قدر من التمييز؛ لأن الإسلام دين،
بينما الإسلاموية مشروع سياسي يستخدم الإسلام مرجعيةً له. ومن هنا لا يجوز منطقيًا أن ننتقل مباشرة من نقد الإسلاموية إلى الحكم
على الإسلام كله. وهنا تبدأ دراستنا.
ثانيًا: الدين والتدين
— المفتاح المنهجي
إن أهم تمييز ينبغي تثبيته قبل الدخول في هذه
القضية هو التمييز بين: الدين والتدين. الدين، في هذا البحث،
هو ما يتصل بالوحي والنص الإلهي. أما التدين فهو الطريقة التي يفهم بها الإنسان
ذلك الوحي، ويفسره، ويستنبط منه الأحكام، ويحوّله إلى عقائد ومذاهب وفقه، ومؤسسات،
وممارسات اجتماعية، وسياسية. ولهذا يمكن أن نقول: الدين ليس هو التدين. كما أن: الوحي ليس هو الفقه. و: النص ليس هو التأويل. و: الاجتهاد البشري ليس وحيًا. وهذه الفكرة
تمثل جوهر المسألة التي ناقشناها في مشروع )بين الوحي والعقل(. فقد يكون النص مقدسًا، لكن فهم الإنسان للنص
لا يصبح مقدسًا لمجرد أن صاحبه رجل دين. الفقيه يجتهد. والمفسر يفسر. والمتكلم يؤول. والسياسي
يوظف. لكن لا ينبغي أن تتحول هذه الأفعال البشرية إلى
وحي جديد.
ثالثًا: عندما يصبح
الاجتهاد حكم الله
الاجتهاد ضرورة للحياة؛ لأن النصوص محدودة،
بينما الوقائع الإنسانية متغيرة. لكن الاجتهاد يظل اجتهادًا، على أساس معناه:
تليين النص ومده في المرتقى الحضاري شريطة عدم الغاءه او تأويله. لان لا يعلم تأويله
الا الله.. وعندما يقول الفقيه: هذا فهمي
للنص فهو يمارس حقه الطبيعي في الاجتهاد. لكن عندما يتحول ذلك إلى: هذا هو حكم الله.. وهذا
يعني تم تأويله باطنيا وليس ظاهريا. في حين إننا نحتاج إلى سؤال
آخر: أين النص الذي يجعل هذا الاجتهاد حكمًا إلهيًا؟ هنا تبدأ المشكلة. فإذا لم يكن هناك نص صريح، فإن ما بين أيدينا هو: فهم بشري للنص. وقد يكون فهمًا قويًا. وقد يكون ضعيفًا. وقد يكون مناسبًا لعصر معين. وقد يصبح غير مناسب لعصر آخر. لكنه يظل في
النهاية اجتهادًا بشريًا. وهنا تكمن المسافة التي ينبغي ألا تختفي: الوحي → النص → العقل → التفسير → الاجتهاد. أما حذف الحلقات البشرية والقول: أنا أفسر
النص = أنا أنقل إرادة الله فهو الانتقال من المعرفة إلى السلطة.
رابعًا: حسن البنا —
الإسلام والدولة
يظهر هذا الانتقال مبكرًا في الإسلام السياسي
الحديث عند حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين. ففي (رسالة
المؤتمر الخامس) لا يكتفي البنا بالدعوة الدينية، وإنما يربط الإسلام بالحكم
والتنفيذ، ويقول إن الإسلام عند الإخوان يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، وإن
الإسلام (حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء). ثم يصل إلى
المطالبة بإقامة حكومة تقوم على (منهاج إسلامي قرآني(. وفي موضع آخر من الرسالة يعلن البنا بوضوح: (ونريد
بعد ذلك الحكومة المسلمة) ثم يتحدث عن إحياء نظام الحكم الإسلامي وتكوين الحكومة
الإسلامية على أساسه. لكن من الإنصاف هنا ألا نقدم البنا بوصفه
مطابقًا لسيد قطب. فالبنا كان يؤكد في مواضع أخرى تأييده للنظام
الدستوري والنيابي والشورى، ويرفض اللجوء إلى الثورة المسلحة في تحقيق أهداف
الجماعة. وهذا التفريق مهم. فالمقالة لا تريد أن تقول إن جميع الإسلاميين كانوا نسخة واحدة، وإنما
تريد أن تدرس كيف انتقلت فكرة الدين من المجال العقدي إلى المجال السياسي.
خامسًا: ابن تيمية —
الدين والسلطة
قبل الإسلام السياسي الحديث بقرون، نجد عند
ابن تيمية تصورًا واضحًا للعلاقة بين الدين والقدرة السياسية. ففي (السياسة الشرعية) يقرر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والجهاد، والعدل، وإقامة بعض الشعائر والحدود، لا يتم إلا بالقوة والإمارة. وترد
عنه العبارة: (ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة(. هذه العبارة لا تعني
وحدها أن ابن تيمية دعا إلى دولة دينية بالمعنى الحديث، ولا يجوز تحميلها أكثر مما
تحتمل. لكنها تكشف عن تصور مهم: الدين يحتاج
إلى القدرة السياسية لتنفيذ بعض أحكامه. وهنا تبدأ
العلاقة التاريخية بين: الواجب الديني والسلطة السياسية. ومن هذه العلاقة ستتطور لاحقًا تصورات مختلفة للسلطة في الفكر الإسلامي.
سادسًا: محمد بن عبد
الوهاب — بين التوحيد والتكفير
عند الانتقال إلى محمد بن عبد الوهاب، يصبح
موضوع التكفير أكثر حساسية. ومن الخطأ العلمي اختزاله في القول إنه كان يكفر
كل مخالف؛ فالنصوص المنقولة عنه وعن أتباعه تتضمن أيضًا تقييد التكفير، واعتبار
الجهل وعدم قيام الحجة في بعض الحالات. لكن مشروعه
ركز بصورة قوية على مفهوم التوحيد ومحاربة ما اعتبره شركًا أو بدعًا، وجعل الخلاف
حول بعض الممارسات الدينية خلافًا عقديًا شديد الحساسية. وهنا تظهر نقطة مهمة بالنسبة إلى مفهوم فاشية التأويل: ليس كل اختلاف فقهي يؤدي إلى الاستبداد. لكن عندما يصبح تفسير معين للتوحيد أو الشرك هو المعيار الذي يحدد
انتماء الإنسان إلى الجماعة أو خروجه منها، فإن التأويل يبدأ في اكتساب سلطة على
هوية الإنسان. وهنا يصبح السؤال: من يملك حق تحديد حدود الإيمان؟
سابعًا: المودودي —
الحاكمية بوصفها سيادة
مع أبي الأعلى المودودي تنتقل المسألة إلى
مرحلة أكثر وضوحًا في الفكر السياسي الحديث. ففي (المصطلحات
الأربعة) أعاد المودودي تفسير مفاهيم مثل الإله والرب والعبادة والدين ضمن تصور
يربطها بالحكم والسيادة والطاعة. وتشير الدراسات إلى أن مفهوم الحاكمية أصبح
محورًا مهمًا في هذا التصور. وفي بعض الصياغات المنقولة عن المودودي تصبح
السلطة العليا والتشريع من خصائص الألوهية، بحيث إن إعطاء الإنسان سلطة التشريع
المستقلة يُفهم بوصفه منافسة للسيادة الإلهية. وهنا يظهر
السؤال الفلسفي: إذا كانت السيادة لله، فمن الذي يترجم هذه
السيادة إلى قانون؟ الإجابة لا يمكن أن تكون «النص» وحده. لأن النص يحتاج إلى: قارئ، ومفسر،
وفقيه، ومؤسسة، ومشرّع، وقاضٍ، وحاكم. وهنا يدخل
الإنسان إلى قلب ما يفترض أنه حكم الله.
ثامنًا: سيد قطب —
الحاكمية والجاهلية
مع سيد قطب تصبح الحاكمية أكثر مركزية وحركية. ففي (معالم في الطريق) يقرر أن المجتمع المسلم هو المجتمع الذي يقر بأن
الحاكمية لله وحده، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة. وتظهر في الكتاب
كذلك ثنائية الحاكمية والجاهلية، مع الدعوة إلى تكوين «طليعة» تعمل لإعادة إنشاء
المجتمع المسلم. وفي أحد نصوص (معالم في الطريق) يربط قطب
الحاكمية العليا بسيادة الشريعة، ويجعلها أساسًا للتحرر الإنساني. وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا. فإذا كان
المجتمع الذي لا يطبق الشريعة وفق هذا التصور مجتمعًا جاهليًا، فإن السؤال يصبح: من الذي يحدد هل المجتمع طبق الشريعة أم لا؟ هنا يظهر دور الجماعة التي
تملك التفسير. وهنا يمكن أن تتحول: الحاكمية لله إلى: تفسير
الجماعة لما تعنيه حاكمية الله. وهذا هو
المكان الذي تبدأ فيه فاشية التأويل. ومن الإنصاف
أيضًا الإشارة إلى أن بعض المصادر الإخوانية التي تدافع عن قطب تؤكد أن الحاكمية
عنده لا تعني حكم رجال الدين أو الثيوقراطية، وإنما تعني أن الشريعة هي المرجع. وهذه الملاحظة مهمة؛ لأنها تجعل نقدنا أكثر دقة: المشكلة ليست أن قطب دعا إلى كهنوت إسلامي بالمعنى المسيحي، وإنما في
السؤال عن الجهة البشرية التي تمتلك حق تحديد وتطبيق (حاكمية الله).
تاسعًا: من الحاكمية
إلى فاشية التأويل
هنا يمكن أن نضع المعادلة الأولى: الله يحكم لكن: الإنسان يفسر ما هو حكم الله. ثم: المؤسسة تطبق هذا التفسير. ثم: السلطة تحميه. وبذلك تتحول
السلسلة إلى: النص → التفسير → الاجتهاد → المؤسسة → السلطة. وعندما يصبح تفسير المؤسسة هو التفسير الوحيد المقبول، تتحول الحاكمية
من مفهوم ديني إلى احتكار بشري للحقيقة الدينية. وهنا لا تكون
المشكلة في القول إن (الحكم لله (. فهذا قول ديني. المشكلة هي: من يملك حق الكلام باسم هذا الحكم؟
عاشرًا: الوجه الآخر —
الإسلام السياسي الشيعي
إذا كنا نريد نقدًا متوازنًا، فلا يمكن أن نضع
الإسلام السياسي السني تحت المجهر ونترك الإسلام السياسي الشيعي خارجه. لكن المقارنة يجب أن تكون علمية، لا مذهبية. في التجربة الإمامية الشيعية تظهر مفاهيم: الإمامة، الإمام الغائب، الغيبة، المهدوية، النيابة، الاجتهاد، ولاية
الفقيه. وهنا ينبغي تثبيت التمييز الذي تقوم عليه
دراستنا: المهدوية جزء من التراث والتدين الإسلامي، لكنها
ليست عقيدة تفصيلية منصوصًا عليها في القرآن نصًا صريحًا. وهذا لا يعني أنها (خارج الدين) أو (خارج الإسلام. بل يعني شيئًا أكثر تحديدًا: إن التفاصيل
العقدية الخاصة بالإمام الثاني عشر وغيبته وظهوره لا ينبغي أن ننسبها إلى القرآن
ما لم يرد فيها نص قرآني صريح. وهنا وقعنا في محذور التأويل. وهذا
هو الفرق بين: الدين والتدين. وبين: الوحي والاجتهاد البشري. وتشير
الدراسات التاريخية إلى أن تصور الإمامة الاثني عشرية والغيبة تشكل وتبلور
تاريخيًا، وأن غياب الإمام الثاني عشر أدى إلى أزمة دينية وسياسية حول سؤال: من
يملك حق قيادة الجماعة في غيبته؟
الحادي عشر: من الإمام الغائب إلى نائب الإمام
هنا تظهر واحدة من أكثر التحولات أهمية. ففي مراحل مبكرة من التشيع الإمامي كان هناك ميل واضح إلى الابتعاد عن
السلطة السياسية، وتصف الدراسات الأكاديمية هذا الاتجاه بمفهوم الهدوء أو القعود
السياسي. لكن مع تطور المؤسسة الفقهية ظهرت تصورات عن دور
الفقهاء في زمن الغيبة. وتذكر «Encyclopedia Ironical» أن الفقهاء بدأوا يُنظر
إليهم بوصفهم نوابًا عامين عن الإمام في زمن الغيبة الكبرى، وأن هذا التطور منحهم
صلاحيات دينية واجتماعية متزايدة. ثم تطور الأمر تاريخيًا
إلى تعزيز مكانة المرجع الفقهي، بما في ذلك صلاحيات تتعلق بالأموال الدينية
والاجتهاد وبعض الشؤون العامة. وهنا يتغير السؤال: من يمثل الإمام الغائب؟ ومن: من ينتظر
ظهوره؟ إلى: من ينوب عنه؟
ثم إلى: ما حدود هذه النيابة؟ وهنا ندخل إلى جوهر قضية ولاية الفقيه.
الثاني عشر: الخميني —
من الغيبة إلى ولاية الفقيه
مع روح الله الخميني تأخذ المسألة صيغة سياسية
أكثر جذرية. فكتابه (الحكومة الإسلامية) وُلد من محاضرات
ألقاها في النجف عام 1969-1970، وصاغ فيه تصورًا للحكومة الإسلامية قائمًا على
ولاية الفقيه. وتنقل مصادر عن الكتاب قوله، في سياق بيان سلطة
الفقيه، إن الفقيه العالم العادل إذا نهض بتشكيل الحكومة فإنه يتولى من أمور
المجتمع ما كان يتولاه النبي. كما يربط الخميني الحكومة الإسلامية بالقانون الإلهي
وبسلطات الولي الفقيه. وهنا نصل إلى السؤال الذي يهمنا: هل ولاية الفقيه نص قرآني مباشر؟ الجواب المنهجي: لا توجد في القرآن صياغة صريحة لنظرية ولاية الفقيه بهذا البناء
السياسي الحديث. وهذا لا يعني أن النظرية بلا جذور دينية أو
فقهية. بل يعني أنها نظرية فقهية ـ سياسية بشرية تشكلت
من خلال تفسير النصوص والتراث والتأويل. وهذا هو
الفرق الذي نريد الحفاظ عليه.
الثالث عشر: الحاكمية السنية وولاية الفقيه الشيعية
الآن نستطيع أن نضع المسارين جنبًا إلى جنب. في بعض تيارات الإسلام السياسي السني: النص → الحاكمية → الشريعة → المشروع السياسي → السلطة. وفي النموذج الخميني: الإمامة → الغيبة → النيابة الفقهية → ولاية الفقيه → السلطة. إن المسارين ليسا متطابقين. ولا يجوز
القول إن الحاكمية وولاية الفقيه شيء واحد. لكن بينهما
سؤالًا مشتركًا: كيف تتحول الإرادة الإلهية إلى سلطة بشرية؟ فالله
لا يصدر بنفسه القرارات اليومية للدولة. والنص لا
يختار الوزراء. والقرآن لا يضع آليات إدارة الاقتصاد الحديث. هناك دائمًا إنسان يفسر ويستنبط ويطبق. وهنا تظهر
المفارقة: كلما قيل إن الحكم لله، ازدادت أهمية الإنسان
الذي يحدد للناس ما هو حكم الله. وهذه هي
الحلقة التي ينبغي أن تبقى قابلة للنقد.
الرابع عشر: المهدوية —
من أفق الخلاص إلى شرعية السلطة
المهدوية، بوصفها تصورًا دينيًا، تنتمي إلى أفق
الغيب والخلاص، كما هي موجودة في كثير من الديانات الأخرى. لكن عندما تدخل إلى
المجال السياسي، يمكن أن تنتقل من: انتظار الخلاص إلى: تفسير التاريخ باسم الخلاص. ثم إلى: تأسيس السلطة باسم تمثيل الخلاص. وهنا لا تكمن
المشكلة في الإيمان بالمهدوية. فالإيمان شيء.
والتوظيف السياسي للإيمان شيء آخر. المشكلة تبدأ عندما تقول سلطة سياسية: نحن نمثل الإرادة المرتبطة بالإمام الغائب، ولذلك فإن الاعتراض علينا
يصبح اعتراضًا على المشروع الديني. هنا يتحول
الاعتقاد إلى أداة شرعية سياسية. ويصبح السؤال: هل هذه الشرعية منصوص عليها في الوحي، أم هي اجتهاد بشري في فهم الوحي
والتراث؟ وهنا يعود الفرق بين: الدين والتدين.
الخامس عشر: فاشية
التأويل ليست سنية ولا شيعية
بعد هذه المقارنة، نستطيع أن نصل إلى نتيجة
أكثر إنصافًا. ليس صحيحًا أن نقول:
التسنن فاشي. ولا: التشيع فاشي. ولا: كل الحاكمية فاشية. ولا: كل ولاية فقيه فاشية. فهذه تعميمات
تفسد البحث. الأدق هو: أي منظومة دينية سياسية يمكن أن تنزلق إلى
الاستبداد عندما يتحول تفسير بشري معين للنص إلى حقيقة مقدسة لا تقبل النقد. وبذلك يصبح معيارنا: ليس المذهب،
بل علاقة التأويل بالسلطة.
السادس عشر: فاشية
التأويل — المفهوم المقترح
نقصد بـ فاشية التأويل تلك اللحظة التي يفقد
فيها الاجتهاد صفته البشرية ويكتسب صفة المقدس. أي عندما
يتحول: أرى إلى: الله يريد و: أفهم النص هكذا إلى: هذا هو حكم
الله
ثم يتحول: من يخالفني مخطئ إلى: من يخالفني
يخالف الدين. ثم: من يخالف
الدين عدو. وهنا تتحول المسألة من اختلاف معرفي إلى سلطة
سياسية.
السابع عشر: لماذا (فاشية
التأويل) أخطر من مجرد الفاشية السياسية؟
الفاشية السياسية تستولي على مؤسسات الدولة. أما فاشية التأويل فتسعى إلى الاستيلاء على مصدر الشرعية في العقل نفسه. الفاشية السياسية تقول: أطعني لأنني
أملك السلطة. أما فاشية التأويل فتقول: أطعني لأن سلطتي من الله. الأولى يمكن
مقاومتها سياسيًا. أما الثانية فتجعل مقاومتها تبدو في وعي أتباعها
وكأنها مقاومة للمقدس نفسه. ولهذا فإن الخطر الأكبر ليس في أن يقول رجل
الدين: أنا أخطئ. بل في أن
يقول: رأيي هو إرادة الله.
الثامن عشر: هل نقد
التدين نقد للدين؟
هنا ينبغي أن نضع خطًا
واضحًا. نقد الفقه ليس نقدًا للوحي. نقد المفسر
ليس نقدًا لله. نقد المؤسسة الدينية ليس نقدًا للإيمان. نقد الإسلام السياسي ليس نقدًا للإسلام.
نقد الحاكمية ليس بالضرورة نقدًا للقرآن. ونقد ولاية
الفقيه ليس بالضرورة نقدًا للتشيع. إننا نمارس
نقدًا للتدين عندما يتحول إلى سلطة. وهذا التفريق
يحرر الباحث من موقفين متطرفين: الأول: تقديس كل ما قاله رجال الدين. والثاني: رفض الدين بسبب ما فعله رجال الدين. كلاهما خطأ
منهجي.
التاسع عشر: النص
المقدس لا يحتاج إلى مفسر معصوم
إذا كان النص مقدسًا، فهذا لا يجعل قارئه
معصومًا. وإذا كان القرآن وحيًا، فهذا لا يعني أن كل تفسير له وحي. وإذا كان الفقيه عالمًا، فهذا لا يجعله إلهيًا. ومن هنا ينبغي أن تبقى العلاقة: نص مقدس +
عقل بشري + اجتهاد قابل للنقد. وهذا هو
الطريق الطبيعي لبقاء الفكر حيًا. أما إذا أصبح
الاجتهاد مقدسًا، انتهى الاجتهاد. لأن الاجتهاد
الذي لا يمكن مراجعته ليس اجتهادًا؛ يعتبر أنه عقيدة مغلقة.
العشرون: من (الفاشية
الإسلامية) إلى (فاشية التأويل)
لقد فتح حامد عبد الصمد الباب أمام سؤال
العلاقة بين الإسلاموية والفاشية. لكن المقارنة بين التجربتين السنية والشيعية تسمح لنا بتوسيع
السؤال. فقد يأتي تسييس المقدس من: الحاكمية أو
من: ولاية الفقيه أو من أي صيغة أخرى تجعل التفسير الديني أساسًا لسلطة
سياسية مطلقة. لذلك فإن السؤال الأكثر عمقًا ليس: هل هذا إسلام سني أم إسلام شيعي؟ بل: من يملك حق
تفسير المقدس؟ ومن يملك حق القول: هذا هو حكم
الله؟ ومن يملك بعد ذلك حق فرضه على المجتمع؟ هنا تبدأ القضية الحقيقية.
الحادي والعشرون:
الإنسان الذي يتكلم بلسان الله
ربما يكون أخطر تحول في تاريخ التدين عندما
ينتقل الإنسان من: أنا أؤمن إلى: الله يريد. ومن: أنا أفهم إلى: هذا حكم الله. ومن: هذا اجتهادي إلى: من يخالفني يخالف الدين هنا يختفي الحد الفاصل بين الإنسان والمقدس. وهنا يصبح الإنسان صاحب سلطة لا يستطيع الآخرون مساءلتها بسهولة. وهنا: يتكلم الإنسان بلسان الله.
الخاتمة: لا أحد يملك
لسان الله
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمقدس ليس أن ينكره
الإنسان، وإنما أن يحتكره الإنسان. فالإنكار يمكن مناقشته. أما احتكار الحقيقة باسم الله فيغلق باب الحوار. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا بعد قراءة حامد عبد
الصمد، وبعد دراسة الحاكمية وولاية الفقيه، ليس فقط: هل توجد عناصر فاشية في بعض أشكال الإسلام السياسي؟ بل: كيف يتحول الاجتهاد البشري إلى حقيقة مقدسة؟ في التجربة السنية يمكن
دراسة ذلك من خلال بعض صيغ الحاكمية. وفي التجربة
الشيعية يمكن دراسته من خلال المسار التاريخي الذي انتقل من الإمامة والغيبة
والنيابة إلى ولاية الفقيه. لكننا لا نقول إن التجربتين متطابقتان. بل نقول إنهما تسمحان لنا برؤية سؤال واحد: كيف تتحول قراءة الإنسان للنص إلى سلطة على الإنسان؟ وهنا تتشكل
السلسلة: الوحي → النص → التأويل → الاجتهاد → المؤسسة → السلطة. والمشكلة ليست في وجود هذه الحلقات؛ فهي ضرورية لفهم الدين وتطبيقه. المشكلة تبدأ عندما تختفي الحلقة البشرية من الوعي، فيقال: هذا حكم الله، بينما يكون الموجود أمامنا في الحقيقة: هذا فهم إنسان لحكم الله.
وهنا ينبغي أن نستعيد الحدود التي يجب ألا تختفي: الله ليس
الإنسان. الوحي ليس الفقه. النص ليس التأويل. الدين ليس
التدين. والاجتهاد ليس وحيًا. فإذا بقيت هذه الحدود، يستطيع الإنسان أن يؤمن دون أن يلغي الآخر، وأن
يجتهد دون أن يدعي العصمة، وأن يختلف دون أن يكفّر، وأن يمارس السياسة دون أن يمنح
سلطته قداسة لا يملكها. أما عندما تختفي هذه الحدود، فإن الإنسان لا
يعود مجرد قارئ للنص. بل يصبح مالكًا للحقيقة باسم النص. وعندها لا تعود القضية مجرد اختلاف في التأويل. بل تبدأ فاشية التأويل. فالإنسان
يستطيع أن يقرأ كلام الله. ويستطيع أن يفسره. ويستطيع أن يجتهد فيه. ويستطيع أن
يختلف مع غيره حوله. لكنه لا يستطيع أن يمنح نفسه سلطة الله. فالإنسان يستطيع أن يتكلم عن الله، لكنه لا يستطيع أن يتكلم بلسان الله.
تعليقات
إرسال تعليق