حين يصبح اللص محسناً قراءة فلسفية في انقلاب المعايير الأخلاقية — العراق نموذجًا حيًا

 

حين يصبح اللص محسناً 

قراءة فلسفية في انقلاب المعايير الأخلاقية — العراق نموذجًا حيًا 

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

مقدمة: اللص الذي نال الدعاء

    كان أحد الموظفين قد تسلم راتبه، ثم صعد إلى حافلة مزدحمة. في غمرة الازدحام، امتدت يد لص إلى جيبه وسرقت راتبه. وحين جاء المحصل ليقطع له التذكرة، اكتشف الموظف أن ماله اختفى. ارتبك، فظن المحصل أنه يتهرب من دفع الأجرة، وقال له: (هل يجوز يا أستاذ محترم أن تتهرب من دفع الأجرة؟) كان اللص يسمع الحوار. فأخرج ثمن التذكرة من المال الذي سرقه، وقال للمحصل: التذكرة على حسابي. فنظر إليه المحصل بإعجاب، وقال: اللهم كثر من أمثاله. صفق الركاب. وتعالت الدعوات. أما صاحب الراتب المسروق، فكان واقفًا بينهم عاجزًا عن تصديق المشهد. لقد حدث شيء يتجاوز سرقة المال. لقد أصبح اللص محسناً.. ويقال بعد هذا الدعاء كثر اللصوص. وهنا تبدأ الفلسفة.

1. متى يصبح السارق محسناً؟

  السارق، في المفهوم الأخلاقي البسيط، هو من يأخذ ما ليس له. لكن ماذا يحدث عندما يأخذ مالك، ثم يعيد إليك جزءًا صغيرًا منه؟ وماذا يحدث عندما يسرق مسؤول المال العام، ثم يوزع على الناس جزءًا مما سرقه؟ هنا يحدث أخطر انقلاب في المعايير الأخلاقية: لا يعود الإنسان يسأل: من أين جاء المال؟ بل يسأل: كم وصلني منه؟ وهذه اللحظة هي بداية انهيار الضمير العام.

 2. من سرقة الفرد إلى نظام اجتماعي

   في الحافلة كان هناك لص واحد. سرق راتب رجل واحد، ثم دفع من المال المسروق ثمن تذكرته. لكن المجتمع لم يرَ السرقة. رأى فعلًا صغيرًا من الكرم. وهذا هو جوهر المفارقة: الإنسان قد يغضب عندما يُسرق ماله مباشرة، لكنه قد يتسامح مع سرقة المال العام إذا حصل على منفعة شخصية من السارق. وهنا تنتقل السرقة من كونها جريمة فردية إلى نظام اجتماعي. اللص لا يعود يحتاج إلى الاختباء. يكفي أن يمنح بعض ما سرقه للآخرين. والآخرون، بدل أن يسألوه: لماذا سرقت؟ يسألونه: ماذا أعطيتنا؟

3. العراق: نموذج المفارقة المؤلم

   بعد عقود من الحروب والاستبداد والعقوبات، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة كان يفترض أن تقوم على بناء دولة المؤسسات والقانون. لكن المشكلة لم تكن في تغيير النظام السياسي وحده. فالدولة تحتاج إلى شيء أعمق من الانتخابات: تحتاج إلى ثقافة أخلاقية ترى المال العام مالًا للمجتمع، لا غنيمة لمن يصل إلى السلطة. عندما تنتشر المحاصصة والزبائنية، يتحول المنصب العام من مسؤولية إلى مصدر نفوذ، ومن النفوذ إلى موارد، ومن الموارد إلى شبكات منافع. وهنا تظهر المفارقة العراقية: قد يعرف المواطن أن السياسي متهم بالفساد، لكنه يظل مؤيدًا له إذا استطاع أن يوفر له منفعة مباشرة. وهكذا يصبح السؤال: "هل هو فاسد؟" أقل أهمية من السؤال: "ماذا فعل لي؟" وهذه ليست مشكلة سياسية فحسب. إنها مشكلة فلسفية وأخلاقية.

4. "عليّ معك".. الجملة التي تختصر المأساة

   في الحافلة قال اللص: التذكرة عليّ. فنال الدعاء والتصفيق. وفي الحياة السياسية تتكرر الصورة بصورة أكبر: أنا معك. سأقضي حاجتك. سأوفر لك وظيفة. سأعطيك مساعدة. لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب: من أين جاء المال؟ إذا كان من المال العام، فإن السياسي لا يدفع من جيبه. إنه يدفع من جيب المواطن نفسه. وهنا تصبح العملية أشبه بما حدث في الحافلة: السارق يأخذ راتبك، ثم يدفع عنك ثمن التذكرة، فتشكره لأنك لم تدفع التذكرة! لكن الحقيقة أنك دفعت ثمنها أصلًا. وربما دفعت معها ثمن تذكرة اللص أيضًا.

5. الفساد لا يعيش وحده.. والمواطن بين الضرورة والتواطؤ

   من السهل أن نضع اللوم كله على الفاسد. لكن الفساد الكبير لا يستطيع أن يعيش طويلًا من دون بيئة اجتماعية تسمح له بالبقاء. هناك ثلاث حلقات خطيرة: السارق المنفعة التصفيق. السارق ينهب. ثم يعيد جزءًا صغيرًا من المال إلى الناس في صورة منفعة. ثم يحصل على الولاء والتأييد. وبهذا تتحول المنفعة إلى غطاء أخلاقي للسرقة. كلما زادت قدرتك على توزيع جزء من المال المسروق، زادت قدرتك على شراء الصمت. وهنا سؤال حساس لكنه ضروري: لا يمكن مساواة المواطن الذي يعيش تحت الحاجة بمن يسرق الملايين. فالمسؤول يتحمل المسؤولية الأساسية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المواطن من ضحية إلى متقبل للفساد أو مدافع عنه لأنه استفاد منه. هنا يحدث التلوث الأخلاقي. "أنا أعرفه فاسدًا، لكنه أعطاني شيئًا" — هذه الجملة تخفي سؤالًا مخيفًا: هل أصبحنا نقبل أن تُسرق الدولة ما دام السارق يعيد إلينا جزءًا من المسروق؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإننا لم نعد نحارب الفساد. لقد أصبحنا نتفاوض معه.

6. الديمقراطية وحدها لا تكفي إذا تغيرت الأخلاق

   قد توجد الانتخابات، والأحزاب، والبرلمانات، وصناديق الاقتراع. لكن الديمقراطية لا تستطيع وحدها أن تمنع الفساد إذا أصبح الناخب نفسه مستعدًا لمكافأة الفاسد لأنه يحصل منه على منفعة. الانتخابات ليست مجرد عملية لاختيار الأشخاص. إنها أيضًا اختبار أخلاقي للمجتمع. عندما يختار المواطن شخصًا لأنه نزيه، فهو يقول: أريد دولة. أما عندما يختاره لأنه يمنحه منفعة شخصية من موارد الدولة، فهو يقول: أريد حصتي. والفرق بين الجملتين هو الفرق بين المواطنة والزبائنية.

 7. من دولة القانون إلى دولة "المعروف"

  في دولة القانون، المواطن يحصل على حقه لأنه حق. أما في دولة المحسوبية، يحصل عليه لأنه يعرف شخصًا. في الأولى: المؤسسة تخدم المواطن. وفي الثانية: الشخص يخدم المواطن مقابل الولاء. وهنا تتحول الحقوق إلى هدايا، والخدمات إلى مِنَن، والمال العام إلى وسيلة لبناء النفوذ. والمسؤول الذي يفترض أن يكون موظفًا لدى الشعب، يتحول في الوعي الشعبي إلى "محسن". وهذه أخطر لحظة. لأن المجتمع يبدأ بالنظر إلى المسؤول لا باعتباره مؤتمنًا على المال العام، وإنما باعتباره صاحب المال.

8. لماذا يصفق الناس للسارق؟

   لأن الإنسان قد يرى المنفعة القريبة ولا يرى الخسارة البعيدة. إذا أعطاه المسؤول مبلغًا صغيرًا اليوم، يفرح. لكنه قد لا يربط بين ذلك وبين مدرسة لم تُبنَ، أو مستشفى لم يُجهز، أو طريق لم يُصلح. إن المال العام المسروق لا يختفي. إنه يظهر في مكان آخر: في ضعف الخدمات، في البطالة، في الفقر، في تراجع التعليم، في تدهور الصحة، في هجرة الشباب. الفساد لا يسرق المال فقط. إنه يسرق المستقبل.

9. اللص الصغير واللص الكبير

  اللص في الحافلة سرق راتب رجل. أما لص المال العام، حين يفسد، فقد يسرق من آلاف أو ملايين الناس. لكن الفرق أن اللص الصغير يختبئ. أما اللص الكبير فيستطيع أن يظهر أمام الناس في المناسبات، ويتحدث عن الإصلاح، ويقدم المساعدات، ويظهر في صورة الرجل الكريم.  اللص الصغير يخاف من الشرطة. أما اللص الكبير فيخاف من فقدان الجمهور. ولهذا يشتري الجمهور بالمنفعة.

  10. أخطر ما في الفساد أن يصبح طبيعيًا

  الجريمة عندما تتكرر كثيرًا تفقد قدرتها على إثارة الصدمة. في البداية يقول الناس: هذا فساد. ثم يقولون: كلهم فاسدون. ثم يقولون: وماذا نفعل؟ ثم تأتي المرحلة الأخطر: "على الأقل هذا أعطانا شيئًا." هنا لم يعد الفساد مجرد ظاهرة سياسية. لقد أصبح ثقافة اجتماعية. وحين يصبح الفساد ثقافة، يصبح إصلاح القوانين وحده غير كافٍ. لأن المشكلة لم تعد في القانون فقط. بل في الإنسان الذي فقد حساسية الضمير تجاه انتهاك القانون.

11. فلسفة ما بعد العبث: عندما تنقلب القيم

  في فلسفة العبث، يواجه الإنسان عالمًا يبدو بلا معنى. لكن المفارقة هنا أكثر قسوة: العالم لم يفقد المعنى فقط، بل فقدت القيم معانيها. فاللص يصبح محسنًا. والفاسد يصبح خادمًا. والسرقة تصبح شطارة. والنزاهة تصبح سذاجة. والمال العام يصبح غنيمة. إنها ليست مجرد حالة عبثية. إنها مرحلة ما بعد العبث الأخلاقي: حين لا ينهار النظام القيمي تمامًا، بل ينقلب. فتبقى الكلمات موجودة: الشرف. الأمانة. الوطنية. النزاهة. لكن معانيها تتغير.

12. الاستجابة للدعاء

   "اللهم كثر من أمثاله." كان ذلك الدعاء في الحافلة يبدو بريئًا. لكن المجتمع استجاب له بطريقة مأساوية. لقد كثروا. كثر الذين يعرفون كيف يأخذون من المال العام ويعيدون جزءًا منه إلى الناس. كثر الذين أدركوا أن الطريق إلى قلوب الناس ليس دائمًا عبر النزاهة، وإنما عبر المنفعة. لكن المشكلة ليست في أن اللصوص كثروا. المشكلة أن التصفيق لهم كثر أيضًا.

13. متى ينتهي هذا المشهد؟

  ينتهي عندما يتغير السؤال.

- بدل: ماذا أعطاني؟ نسأل: من أين جاء المال؟

- وبدل: هل ساعدني؟ نسأل: هل أدى واجبه؟

- وبدل: الله يكثر من أمثاله. نقول: الله يكثر من الأمناء.

فالدولة لا تحتاج إلى لص كريم. ولا تحتاج إلى فاسد يوزع جزءًا من المال المسروق. إنها تحتاج إلى مسؤول لا يسرق أصلًا.

الخاتمة: عندما يصبح اللص محسنًا

   كانت الحافلة مزدحمة. كان الموظف يحمل راتبه. وكان اللص يحمل يده الخفيفة. ثم سرق الراتب. وحين عجز الموظف عن دفع التذكرة، دفع اللص عنه. فصفق الناس. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الحكاية أكبر من حافلة. لقد أصبحت مرآة لمجتمع يمكن أن يرى يد اللص وهي تأخذ، لكنه لا يرى اليد نفسها وهي تعطي جزءًا مما أخذ. حين يصبح اللص محسنًا، لا يكون اللص وحده قد تغير. بل يكون المجتمع قد تغير أيضًا. وحين يسرق المسؤول المال العام ثم يعيد إلى الناس جزءًا منه، لا ينبغي أن نسأله: كم أعطيتنا؟ بل ينبغي أن نسأله: كم أخذت منا؟ فربما كان أكثر الناس سخاءً في توزيع المال، هو أكثرهم حاجة إلى أن نسأله: من أين جاء هذا المال؟

    إن العراق لا يحتاج إلى لص كريم. ولا إلى فاسد محسن. ولا إلى مسؤول يشتري رضا الناس من خزينة الدولة.  إنه يحتاج إلى دولة يكون فيها المال العام أمانة لا غنيمة، والمواطن صاحب حق لا متسولًا على أبواب السلطة، والمسؤول خادمًا للقانون لا مالكًا للمال العام. وعندها فقط... لن نحتاج إلى أن ندعو: اللهم كثر من أمثاله. بل سنقول: اللهم كثر الأمناء، حتى لا يجد اللص مكانًا يصفق له.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه