القلب الذي لم يستسلم للموت من التجدد البيولوجي إلى فلسفة ما بعد العبث

 

القلب الذي لم يستسلم للموت

من التجدد البيولوجي إلى فلسفة ما بعد العبث

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

تمهيد: حين يكتشف القلب طريقًا آخر

  ظل الإنسان، منذ أن بدأ يتأمل وجوده، يعيش بين حقيقتين متناقضتين: أنه يولد لكي يعيش، وأنه يعيش وهو يعرف أنه سيموت. ومن هذه المفارقة نشأت أسئلة الفلسفة عن الموت، والمصير، والمعنى، والعبث. لكن العلم الحديث بدأ يضع أمامنا صورة أكثر تعقيدًا للوجود الإنساني. فالجسد الذي يبدو أحيانًا كأنه آلة تسير نحو التآكل والموت، ليس بالضرورة جسدًا ساكنًا ينتظر نهايته؛ إنه نظام حي يمتلك قدرات على الإصلاح والتكيف والتجدد. ومن هنا تأتي أهمية الاكتشافات الحديثة المتعلقة بخلايا عضلة القلب. فإذا كانت بعض خلايا القلب البالغة تستطيع، ولو بدرجة محدودة جدًا، أن تدخل في عملية الانقسام، فإن السؤال لا يعود طبيًا فقط: هل يستطيع القلب أن يجدد نفسه؟ بل يصبح السؤال الفلسفي: هل الحياة نفسها تحمل داخلها قدرةً على مقاومة الانهيار؟ وهنا تبدأ المسافة بين الطب والفلسفة.

أولًا: القلب بين الفناء والتجدد

  اعتدنا أن ننظر إلى القلب بوصفه عضوًا يؤدي وظيفة ميكانيكية واضحة: ينقبض، نبسط، يضخ الدم، ثم يتوقف. لكن القلب ليس مجرد مضخة. إنه نسيج حي يتفاعل مع الضرر، ويتكيف مع الظروف، ويحاول المحافظة على وظيفته حتى عندما يتعرض لمرض شديد. وقد كشفت الأبحاث الحديثة أن قدرة القلب البالغ على إنتاج خلايا عضلية جديدة ليست معدومة تمامًا، وإن كانت محدودة للغاية. وهذه الحقيقة الصغيرة في حجمها البيولوجي، كبيرة في دلالتها الفلسفية. فالخلية التي تدخل دورة الانقسام بعد أن كان يُعتقد أن قدرتها على التجدد محدودة، تقدم لنا صورة مصغرة عن الحياة وهي تقول: أنا لم أنتهِ بعد. إنها ليست إرادة بالمعنى النفسي، فالخلية لا تفكر ولا تختار، ولكنها آلية بيولوجية تكشف أن الحياة لا تتعامل مع الضرر دائمًا بوصفه نهاية، بل قد تتعامل معه بوصفه تحديًا يستدعي الاستجابة.

ثانيًا: من العبث إلى ما بعد العبث

   يقوم العبث، في أحد وجوهه الفلسفية، على إدراك التناقض بين توق الإنسان إلى المعنى وبين عالم لا يقدم له ضمانًا نهائيًا لهذا المعنى. فالإنسان يعرف أنه سيموت، ومع ذلك يبني ويحب ويكتب وينجب ويبحث. ومن هنا كان سؤال العبث: إذا كانت النهاية محتومة، فما معنى الاستمرار؟ لكن فلسفة ما بعد العبث لا تحتاج إلى إنكار الموت حتى تتجاوز العبث. إنها تبدأ من الاعتراف به.

الموت حقيقة.

الفناء حقيقة.

المرض حقيقة.

والخسارة حقيقة.

لكن وجود هذه الحقائق لا يعني أن الحياة تصبح بلا قيمة. بل ربما يكون المعنى الحقيقي للحياة هو قدرتها على إنتاج الاستمرار رغم معرفتها بالنهاية. وهنا يصبح القلب رمزًا بالغ القوة. فالقلب لا يحتاج إلى معرفة أنه سيأتي يوم ويتوقف فيه حتى يستمر في النبض. إنه يعمل الآن. والحياة لا تحتاج إلى ضمان الخلود لكي تكون حياة.

ثالثًا: القلب بوصفه استعارة لما بعد العبث

   يمكن النظر إلى القلب في هذه الرؤية بوصفه استعارة فلسفية. فالجلطة تمثل الصدمة. والضرر يمثل العبث الذي يصيب الإنسان. والاستمرار في النبض يمثل رفض الاستسلام. والتجدد الخلوي المحدود يمثل إمكانية إعادة بناء ما يمكن إعادة بنائه. أما الندبة، فهي ربما أجمل رمز في هذه الفلسفة. فالعضو لا يعود بالضرورة إلى حالته الأولى. إنه قد يشفى ويستمر، ولكن يحمل أثر الجرح. وهنا تختلف فلسفة ما بعد العبث عن فكرة "العودة إلى ما كان". فهي لا تقول: سوف نعود كما كنا. بل تقول: يمكن أن نستمر بما تبقى منا، وأن نبني من آثار الجرح شكلًا جديدًا للوجود. الندبة ليست انتصارًا كاملًا على الموت. لكنها أيضًا ليست استسلامًا له. إنها أثر النجاة.

رابعًا: الإنسان ليس كائنًا يتجنب الانهيار دائمًا

    ربما تكمن إحدى أهم أفكار ما بعد العبث في أن الحياة لا تنتصر لأنها تمنع كل انهيار، وإنما لأنها تستطيع أحيانًا أن تستمر بعد الانهيار. وهذه الفكرة تنطبق على الإنسان كما تنطبق على الكائن الحي. قد يفقد الإنسان شيئًا من قوته. قد يمرض. قد يخسر شخصًا يحبه. قد تتغير ذاكرته. قد تتغير علاقاته. وقد يكتشف أن السنوات أخذت منه أكثر مما أعطته. ومع ذلك يستطيع أن يعيد تنظيم وجوده حول ما تبقى. ليس المطلوب أن يمحو الإنسان آثار الألم، بل أن يمنع الألم من أن يكون الكلمة الأخيرة. وهذا هو الفارق بين فلسفة الاستسلام وفلسفة ما بعد العبث.

خامسًا: من إصلاح القلب إلى إصلاح المعنى

   هنا تنتقل الفكرة من البيولوجيا إلى الفلسفة. إذا كان الطب يبحث اليوم عن وسائل لتحفيز القلب على إنتاج خلايا جديدة، فإن السؤال الفلسفي المقابل يمكن أن يكون: هل يستطيع الإنسان أيضًا أن ينتج معنى جديدًا بعد أن يتعرض وجوده للتلف؟ قد يفقد الإنسان عمله، لكنه يستطيع أن يجد مشروعًا جديدًا. قد يفقد شبابه، لكنه يستطيع أن يكتشف معنى آخر للشيخوخة. قد يفقد بعض الذين أحبهم، لكنه يستطيع أن يحول الذكرى إلى كتابة. وقد يتعرض جسده للمرض، لكنه يستطيع أن يحول تجربته إلى معرفة. في هذه الحالة لا يعود التجدد مقصورًا على الخلية. هناك أيضًا: تجدد في الفكرة، وتجدد في الوعي، وتجدد في المعنى. وكأن الإنسان يحمل، إلى جانب قدرته البيولوجية على التكيف، قدرةً رمزية على إعادة بناء ذاته.

سادسًا: هل العلم يثبت فلسفة ما بعد العبث؟

  هنا يجب أن نكون حذرين. لا يجوز أن نقول إن اكتشاف قدرة محدودة لخلايا القلب على الانقسام يثبت فلسفة ما بعد العبث علميًا. العلم يدرس الخلايا والجينات، والبروتينات، والأنسجة، والوظائف. أما الفلسفة فتسأل عن معنى هذه الحقائق بالنسبة إلى الإنسان. لذلك فالعلاقة بينهما ليست علاقة إثبات، وإنما علاقة إلهام وتأمل. العلم يقول لنا: هناك قدرة بيولوجية محدودة على التجدد. والفلسفة تسأل: ماذا يعني أن تكون الحياة، حتى في أشد أشكالها هشاشة، قادرة على محاولة إصلاح نفسها؟ وبين الجملتين توجد مساحة واسعة للتفكير.

سابعًا: القلب الذي عاش ربع قرن بعد الجراحة

   هنا يصبح السؤال شخصيًا. لقد خضع قلبي لعملية تحويل مسار للشرايين التاجية عام 2001، ثم لتوسيع ووضع دعامة في مرحلة لاحقة. ومرت قرابة خمسة وعشرين سنة. واليوم، وأنا في الخامسة والثمانين، ما زال القلب ينبض. لا أستطيع أن أقول علميًا إن قلبي قد "تجدد"، لأن ذلك يحتاج إلى دليل طبي مباشر، ولا يمكن استنتاجه من مجرد استمرار القلب في العمل. لكنني أستطيع أن أطرح السؤال: هل اكتفى القلب بالنجاة، أم أنه قام، خلال كل هذه السنوات، بشيء من الإصلاح والتكيف والتجدد؟ قد لا نملك اليوم إجابة شخصية قاطعة عن هذا السؤال. لكن السؤال نفسه أصبح أكثر مشروعية بعد أن بدأت الأبحاث الحديثة تكشف أن القلب البشري ليس بالجمود الذي كنا نتصوره. وربما تكمن روعة العلم في أنه لا يقدم لنا دائمًا الإجابة النهائية، بل يفتح لنا أبوابًا جديدة للأسئلة.

ثامنًا: من "لماذا نموت؟" إلى "كيف نستمر؟"

   ربما كان السؤال الفلسفي القديم: لماذا نموت؟ لكن فلسفة ما بعد العبث تقترح سؤالًا آخر: كيف نستمر رغم أننا نموت؟ وهذا التحول في السؤال ليس بسيطًا. فالسؤال الأول يبحث عن تفسير للمصير. أما الثاني فيبحث عن معنى الاستمرار. وبين السؤالين ينتقل الإنسان من موقع المتلقي السلبي لحقيقة الموت إلى موقع الكائن الذي يصنع معنى لوجوده رغم هذه الحقيقة. القلب يقدم لنا صورة بديعة عن ذلك. فهو لا يهزم الموت إلى الأبد. لكنه لا يتوقف عن النبض بسبب معرفتنا بأن التوقف سيأتي يومًا. إنه يستمر. ثم يستمر. ثم يستمر. وكأن الحياة تقول للموت: أعرف أنك قادم، لكن ليس الآن.

تاسعًا: الندبة ليست فشلًا

   في فلسفة ما بعد العبث، لا ينبغي أن يكون الهدف هو العودة إلى الحالة الأصلية دائمًا. فالإنسان بعد الألم ليس بالضرورة الإنسان نفسه الذي كان قبله. والقلب بعد الضرر قد لا يعود إلى حالته الأولى. لكن هذا لا يعني أن كل تغيير هو خسارة. أحيانًا تكون الندبة دليلًا على أن الجسد وجد طريقة للاستمرار. وأحيانًا تكون التجربة المؤلمة هي التي تدفع الإنسان إلى الكتابة والتأمل وإعادة اكتشاف ذاته. لذلك يمكننا أن ننظر إلى الندبة بوصفها: ذاكرة الجسد عن معركة خاضها وانتصر فيها جزئيًا. والانتصار الجزئي هنا مهم جدًا. فما بعد العبث لا يبحث عن انتصار مطلق على الموت؛ فهذا غير ممكن. إنه يبحث عن انتصار الإنسان على الاستسلام للموت قبل أن يأتي الموت نفسه.

عاشرًا: فلسفة الحياة الممكنة

   ربما تكون فلسفة ما بعد العبث، في أحد تعريفاتها الممكنة، هي فلسفة الحياة الممكنة رغم استحالة الحياة الكاملة. لا أحد يحصل على حياة كاملة. لا جسد يبقى شابًا. لا قلب يبقى بلا مرض. لا علاقة تخلو من الفقد. ولا إنسان يستطيع أن ينتصر على الزمن. لكن وجود النقص لا يلغي إمكانية الحياة. بل ربما يكون هو الذي يمنحها معناها. فالزهرة لا تحتاج إلى الخلود حتى تكون جميلة. والقصيدة لا تحتاج إلى أن تبقى إلى الأبد حتى يكون لها معنى. والإنسان لا يحتاج إلى أن يعيش إلى الأبد حتى يكون وجوده ذا قيمة. وكذلك القلب: لا يحتاج إلى أن يتجدد بالكامل حتى يكون استمرار نبضه معجزة بيولوجية صغيرة.

 خاتمة: القلب الذي لم يستسلم

   ربما لا يكون أعظم ما تعلمناه من القلب أنه يستطيع أن يتجدد. فهذا التجدد، بحسب ما نعرفه اليوم، محدود للغاية، وما زال يحتاج إلى كثير من البحث. لكن أعظم ما يمكن أن نتعلمه هو أن الحياة ليست مجرد مقاومة للموت، بل قدرة مستمرة على إعادة تنظيم نفسها أمام الضرر. ومن هنا يصبح القلب أكثر من عضو. إنه استعارة للإنسان نفسه. نحن نتأذى، ولكننا نحاول أن نستمر. نفقد، ولكننا نعيد بناء المعنى. نكبر، ولكننا ستطيع أن ننتج أفكارًا جديدة. تنكسر بعض الأشياء في داخلنا، لكن ليس بالضرورة أن ينكسر كل شيء. وهكذا تنتقل فلسفة ما بعد العبث من سؤال: "ما جدوى الحياة إذا كان الموت ينتظرنا؟" إلى سؤال أكثر إنسانية: "ما الذي تستطيع الحياة أن تفعله قبل أن يصل الموت؟" وربما يكون الجواب: أن تحب. أن تفكر. أن تكتب. أن تترك أثرًا. أن تعيد بناء ما يمكن إعادة بنائه. وأن تواصل النبض. فالقلب لا يَعِدنا بالخلود؛ إنه يمنحنا شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر جمالًا: فرصة أخرى للنبض. وربما تكون فلسفة ما بعد العبث كلها كامنة في هذه الجملة: لسنا خالدين لأننا لا نموت، بل لأننا، ما دمنا أحياء، نستطيع دائمًا أن نبدأ من جديد.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه