المقالة (الرقم 12 بين الدين والتديّن)

 

أبحث عن الحقيقة لأفهمها، لا لأمتلكها؛
وأقرأ الإنسان لأفهم عالمه، لا لأفرض عليه عالمي.

 المقالة (الرقم 12 بين الدين والتديّن)

هل صنع الإنسان الرمز ثم قدّسه، أم أن الوحي استخدم رمزًا كان الإنسان يعرفه أصلًا؟

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

تمهيد: لماذا الرقم 12؟

   ثمة أرقام كثيرة عرفها الإنسان منذ أقدم العصور، لكن بعضها خرج من دائرة الحساب إلى دائرة الرمز، ثم من الرمز إلى المقدس. ومن أكثر هذه الأرقام إثارةً للتأمل الرقم 12. اثنا عشر سبطًا من بني إسرائيل، واثنا عشر رسولًا في المسيحية، واثنا عشر نقيبًا واثنا عشر سبطًا واثنا عشر شهرًا في القرآن، ثم اثنا عشر إمامًا في المذهب الشيعي الاثني عشري.

وهنا يبرز السؤال:

    هل الرقم 12 رمزٌ اختاره الله في وحيه، فتكرر في الرسالات؟ أم أن الإنسان عرف هذا الرقم قبل الأديان، واستخدمه لتنظيم الزمن والسماء والمجتمع، ثم دخل الرمز إلى المجال الديني، فأصبح جزءًا من التديّن والتفسير؟

والسؤال الأعمق:

   هل صنع الإنسان الرمز ثم قدّسه، أم أن الوحي استخدم رمزًا كان الإنسان يعرفه أصلًا؟ هذه ليست مسألة يمكن حسمها بمجرد التشابه. فوجود الرقم في حضارات قديمة لا يثبت أن الأديان اقتبسته منها، كما أن وجوده في نص ديني لا يثبت أن الرقم نفسه ذو أصل سماوي. ومن هنا ينبغي أن نفصل بين ثلاثة أمور: الرمز الحضاري، والنص الديني، والتفسير البشري للنص. وهذا هو المدخل الذي يقودنا إلى التمييز بين الدين والتديّن.

أولًا: الرقم 12 قبل الأديان الإبراهيمية

   إذا أردنا أن نبحث في أصل الرمز، فعلينا أن نعود إلى أقدم ما يمكن إثباته تاريخيًا.

بلاد الرافدين

   في بلاد بابل كان العام مؤلفًا من اثني عشر شهرًا قمريًا، مع الحاجة إلى إضافة شهر كبيس أحيانًا للتوفيق بين السنة القمرية والسنة الشمسية. كما تطورت في بلاد الرافدين منظومات فلكية جعلت للاثني عشر حضورًا مهمًا في تقسيم مسار الشمس والسماء. وتشير مصادر جامعة هامبورغ إلى أن النصوص البابلية في الألف الأول قبل الميلاد تقدم شاهدًا واضحًا على الأبراج الاثني عشر، وأن البابليين طوروا لاحقًا تقسيم دائرة البروج إلى اثني عشر قسمًا متساويًا.

وهنا نجد أمرًا مهمًا:

الرقم 12 كان موجودًا في تنظيم الزمن والسماء قبل ظهوره في صورته الدينية اللاحقة. لكن هذا لا يعني أن اليهود أو المسيحيين أو المسلمين «نسخوا» الرقم من بابل. فالتشابه وحده لا يثبت الاقتباس.

ثانيًا: مصر القديمة — 12 في قياس الليل

   في مصر القديمة نجد استعمالًا آخر للرقم. فاليوم قُسّم إلى اثنتي عشرة ساعة للنهار واثنتي عشرة ساعة لليل، وكانت مراقبة النجوم جزءًا من قياس ساعات الليل. وتظهر الأدلة على استخدام الساعات وأدوات قياس الزمن منذ الدولة الحديثة، كما تكشف الجداول الفلكية المصرية القديمة تنظيم ساعات الليل في اثنتي عشرة وحدة. إذن نحن أمام استعمال آخر للرقم نفسه، في حضارة أخرى.

وهنا تبرز فرضية مهمة:

   ربما لم يكن الإنسان يحتاج إلى أن «يستعير» الرقم من حضارة بعينها؛ فقد تقوده مراقبة الطبيعة نفسها إلى أنماط عددية متشابهة. فالسماء واحدة، والقمر واحد، ودورة الفصول واحدة، وحاجة الإنسان إلى تقسيم الزمن واحدة.

 ثالثًا: الهند والصين — هل نحن أمام رمز عالمي؟

    في التقاليد الفلكية الهندية القديمة نجد أيضًا تقسيم دائرة البروج إلى اثني عشر برجًا، إلى جانب منظومات أخرى أكثر تعقيدًا من النجوم والمنازل القمرية. وتظهر المصادر الخاصة بتاريخ علم الفلك الهندي معرفةً بالاثني عشر برجًا في تقاليد فلكية قديمة.

    أما في الصين، فلدينا شاهد مختلف تمامًا: الفروع الأرضية الاثنا عشر. وتظهر هذه الرموز في نقوش عظام الأوراكل من عهد شانغ، على الأقل منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وكانت في أصلها جزءًا من نظام عدّ الأيام، ثم امتد استخدامها لاحقًا إلى السنوات والأشهر والساعات والاتجاهات.

وهذا مهم جدًا.

فالرقم 12 لم يكن ظاهرة خاصة بشعوب الشرق الأدنى. بل ظهر في بيئات حضارية مختلفة جدًا. ومن هنا يصبح السؤال:

هل كان هناك رمز عالمي واحد انتقل من حضارة إلى أخرى؟ أم أن الإنسان، أينما عاش، اكتشف أن الرقم 12 مفيد في تنظيم الزمن والسماء؟

لا نستطيع أن نجيب إجابة مطلقة. لكن الأدلة تسمح لنا بالقول إن للرقم أسبابًا عملية وفلكية مستقلة عن الأديان الإبراهيمية.

رابعًا: لماذا 12 بالذات؟

  هناك عامل رياضي لا ينبغي تجاهله. فالعدد 12 قابل للقسمة على: 1، 2، 3، 4، 6، 12. وهذا يجعله رقمًا شديد العملية في تقسيم الأشياء إلى أجزاء متساوية. لكن الأهم هو علاقته بالزمن والفلك. فالسنة القمرية ترتبط تقريبًا بدورات القمر الاثنتي عشرة، وإن كان الحساب الدقيق يحتاج إلى معالجة الفرق بين السنة القمرية والسنة الشمسية؛ ولهذا نجد في التقويم البابلي الحاجة إلى إضافة شهر ثالث عشر في بعض السنوات. إذن يمكن تصور المسار التاريخي هكذا:

ملاحظة الطبيعة

↓

تقسيم الزمن

↓

تنظيم المجتمع

↓

ظهور الرمز

↓

اكتساب الرمز معنى ثقافيًا

↓

دخول الرمز إلى التقاليد الدينية

وهنا ينبغي ألا نخلط بين أصل الرقم وبين المعنى الذي أصبح يحمله داخل الدين.

خامسًا: هنا يبدأ السؤال الديني

   بعد أن وجدنا الرقم 12 في حضارات قديمة، لا يحق لنا أن نستنتج مباشرة: إذن الأديان أخذته من تلك الحضارات. هذه نتيجة أكبر من الدليل. وفي الوقت نفسه لا يحق لنا أن نقول: بما أن الرقم ظهر في الوحي، فهو بالضرورة رمز إلهي سابق على الحضارة. وهذه أيضًا نتيجة أكبر من الدليل. لذلك يجب أن نضع احتمالين أمامنا:

الاحتمال الأول

أن الإنسان اكتشف الرمز أولًا، ثم دخل الرمز في اللغة الدينية.

الاحتمال الثاني

أن الوحي استخدم رمزًا كان الإنسان يعرفه أصلًا، لكنه أعطاه وظيفة دينية جديدة.

وهناك احتمال ثالث:

الاحتمال الثالث

أن يكون الرقم قد ظهر لأسباب طبيعية وحضارية في أكثر من مكان، ثم وظفته الأديان المختلفة بصورة مستقلة أو متأثرة بعضها ببعض.

وهذا الاحتمال الثالث مهم لأنه يمنعنا من اختزال التاريخ في فكرة «السرقة» أو «الاقتباس».

سادسًا: الاثنا عشر سبطًا في اليهودية

   في التقليد الإسرائيلي أصبح الرقم 12 مرتبطًا بأبناء يعقوب وبالأسباط الاثني عشر. وهنا تحوّل الرقم من مجرد وحدة عددية إلى وحدة لتنظيم الجماعة. فالإثنا عشر يمثلون إسرائيل بوصفها جماعة متعددة الأسباط. لكن يجب أن نميز بين أمرين: العدد بوصفه وسيلة لتنظيم الجماعة، والعدد بوصفه مقدسًا في ذاته. ليس لدينا، بمجرد وجود الاثني عشر، ما يثبت أن الرقم نفسه مقدس. وهذه نقطة ستصبح شديدة الأهمية عندما نصل إلى المسيحية والإسلام والتشيع.

سابعًا: المسيح والاثنا عشر

   في المسيحية يظهر الرقم مرة أخرى في اختيار المسيح لاثني عشر رسولًا. والأكثر دلالة أن إنجيل متى يربط الاثني عشر مباشرة بالأسباط الاثني عشر، حين يتحدث عن جلوس التلاميذ الاثني عشر على عروش للحكم على أسباط إسرائيل الاثني عشر. وهذا يعطينا دليلًا نصيًا على الوظيفة الرمزية للرقم داخل المسيحية. فالاثنا عشر رسولًا ليسوا مجرد رقم عشوائي. إنهم مرتبطون في النص نفسه بالاثني عشر سبطًا. وبذلك يمكن القول، بحذر، إن المسيحية استثمرت رمزًا يهوديًا معروفًا وأعادت توظيفه في بناء الجماعة المسيحية. وباعتبار المسيحية تطورت في البيئة والديانة اليهودية. وهنا نرى بوضوح كيف يعمل التديّن: رمز سابق → إعادة تفسير → وظيفة دينية جديدة. ولا يعني هذا بالضرورة أن المسيحية «اخترعت» الرقم. ولا يعني أن الرقم «نزل من السماء» بوصفه رقمًا مقدسًا. بل يعني أن الرقم كان له تاريخ رمزي سابق ثم اكتسب داخل المسيحية معنى جديدًا.

ثامنًا: القرآن والرقم 12

  هنا نصل إلى نقطة دقيقة جدًا. القرآن يذكر الرقم 12 في أكثر من سياق. في سورة الأعراف: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ ثم في السياق نفسه: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. وفي سورة التوبة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. كما يذكر القرآن اثني عشر نقيبًا في سورة المائدة. لكن الملاحظة الأهم هي: القرآن يذكر الرقم 12، لكنه لا يجعل الرقم نفسه موضوعًا للعبادة أو القداسة.

ففي آية الشهور، الرقم يصف عدد الشهور.

وفي آية الأسباط، يصف عدد الجماعات.

وفي آية العيون، يصف عدد مصادر الماء.

وفي آية النقباء، يحدد عددًا من الأشخاص.

إذن علينا أن نفرق بين: الرقم داخل النص وقداسة الرقم خارج النص. فالقرآن لا يقول إن الرقم 12 مقدس بذاته.

تاسعًا: وماذا عن الأئمة الاثني عشر؟

   هنا يجب أن نكون أكثر دقة من أي وقت مضى. العقيدة الاثنا عشرية تقول بوجود اثني عشر إمامًا، لكن القرآن لا يذكر في نصه أسماء اثني عشر إمامًا بعد النبي محمد. وهذا لا يحسم، من الناحية الإيمانية، صحة العقيدة أو بطلانها؛ لأن المؤمن يمكن أن يستند إلى روايات خارج القرآن، يعني يعتمد على السير الدينية واراء رجال الفقه والتاريخ وهو يدخل ضمن مفهوم التدين. ولكن ولذلك من الناحية التاريخية النصية، علينا أن نميز بين القرآن أي الوحي وبين التطور التاريخي للروايات والعقائد. وعليه ان الدراسات الأكاديمية تشير إلى أن نظرية الإمامة الإمامية تطورت تدريجيًا خلال القرون الإسلامية الأولى، وأن تحديدها في صورة اثني عشر إمامًا مع عقيدة غيبة الإمام الأخير لم يصبح الشكل النهائي المميز للتشيع الاثني عشري إلا بعد مراحل من التطور. بل إن المصادر المبكرة التي درسها إيتان كولبرغ تكشف أن تحديد العدد النهائي للأئمة لم يكن محسومًا بصورة كاملة في المراحل الأولى، وأن العقيدة الاثني عشرية تبلورت تدريجيًا. وهنا تظهر قيمة التمييز بين الدين والتديّن. فوجود عقيدة في تاريخ جماعة دينية لا يساوي تلقائيًا إثبات أن الله نص عليها. إنما نحتاج إلى سؤال آخر: أين النص الإلهي الصريح؟

عاشرًا: هل يمكن أن يكون الوحي قد استخدم رمزًا بشريًا؟

   نعم، من حيث المبدأ لا يوجد تناقض منطقي في ذلك. فإذا كان الوحي يخاطب الإنسان، ويستخدم لغة الإنسان، ومفاهيمه، وألفاظه، وأمثاله. ولا يلزم من ذلك أن كل لفظ أو عدد أو صورة استخدمها الوحي كانت مجهولة قبل الوحي. وهنا نصل إلى النقطة التي أراها مركزية في بحثنا: أسبقية الرمز حضاريًا لا تنفي بالضرورة مصدر الوحي، كما أن وجود الرمز في الوحي لا يثبت أن الرمز نفسه نشأ في السماء. إنما السؤال هو: ماذا فعل الوحي بهذا الرمز؟ وهذا سؤال أكثر دقة من سؤال: من اخترع الرقم؟ فقد يأخذ النص الديني عنصرًا معروفًا في ثقافة الإنسان ويمنحه وظيفة أخلاقية أو روحية جديدة. وعندئذ يكون الجديد هو المعنى الرسالي، لا بالضرورة الرمز نفسه.

الحادي عشر: متى يصنع الإنسان المقدس؟

   هنا نصل إلى مفهومنا عن التديّن. قد يبدأ الأمر برمز بسيط. ثم تقول الجماعة: هذا الرقم يمثل جماعتنا. ثم يصبح: هذا الرقم يمثل اكتمال جماعتنا. ثم يصبح: هذا الرقم له معنى ديني. ثم قد يتطور الأمر إلى: هذا الرقم اختيار إلهي. ثم يصبح في مرحلة أخرى: من يشك في هذا الرقم يشك في الدين. وهنا يحدث التحول الخطير: الرمز → التأويل → العقيدة → السلطة. وهذا لا يعني أن كل عقيدة مرت بهذه المراحل بالطريقة نفسها. لكن التاريخ الديني يبين لنا أن الأفكار لا تظهر دائمًا في صورتها النهائية منذ اللحظة الأولى. والتاريخ الأكاديمي للتشيع الاثني عشري يقدم مثالًا واضحًا على أن العقيدة يمكن أن تمر بمراحل من التطور والتحديد قبل أن تستقر في صورتها المعروفة.

الثاني عشر: القراءة المادية الجدلية

   وهنا يمكن أن نستفيد من المنهج المادي الجدلي، لكن بشرط ألا نحوله هو الآخر إلى عقيدة مغلقة. نبدأ من الواقع: الإنسان يعيش في الطبيعة. يراقب الشمس والقمر. يحسب الفصول. ينظم الزراعة. يقيس الزمن. ينظم المجتمع. ثم يصنع الرموز التي تساعده على فهم العالم. وبعد ذلك تدخل هذه الرموز في الثقافة. ثم تتفاعل الثقافة مع الدين. ثم يعاد تفسير الرمز دينيًا. وهكذا يمكن أن نتصور الحركة:

الواقع المادي

↓

الملاحظة الإنسانية

↓

المفهوم

↓

الرمز

↓

التفسير الديني

↓

المؤسسة

↓

إعادة إنتاج الرمز في الوعي الجماعي، وهذا هو الجانب الديالكتيكي من المسألة. لكن يجب أن نضع حدًا معرفيًا واضحًا: التحليل المادي يستطيع دراسة الظروف التاريخية التي ظهر فيها الرمز وتطور فيها، لكنه لا يستطيع وحده إثبات أو نفي وجود الوحي. لأن سؤال الوحي في نهايته سؤال ميتافيزيقي(غيبي)، بينما التاريخ يبحث في الشواهد القابلة للفحص. وهذه نقطة تجعل بحثنا أكثر علميا، لا أقل.

الثالث عشر: هل الرقم 12 «مقدس»؟

  هنا أعود إلى الفكرة التي تمثل حجر الأساس في مشروعنا:

- هل الرقم ناتج من قدسية الذات الإلهية وحدها. أما الرقم، لا قداسة ذاتية له،

- وكذلك الرمز لا يصبح مقدسًا لمجرد أنه تكرر.

- والإنسان لا يصبح مقدسًا لمجرد أنه تحدث عن الله.

- والتفسير لا يتحول إلى وحي لمجرد أن قائله رجل دين.

- والتاريخ لا يتحول إلى نص إلهي لمجرد أن الجماعة آمنت به قرونًا.

ولهذا ينبغي أن نفرق بين: النص المقدس عند المؤمن، والتفسير البشري للنص، والتاريخ الذي تشكلت فيه العقيدة.

الرابع عشر: لا نستطيع أن نثبت أكثر مما تسمح به الأدلة

   إذا أثبتنا أن الرقم 12 موجود في حضارات قديمة، فهذا يثبت أسبقية استعماله الحضاري في بعض السياقات. ولا يثبت أن اليهودية أو المسيحية أو الإسلام اقتبسته مباشرة منها. وإذا أثبتنا أن المسيحية ربطت الاثني عشر بالأسباط الاثني عشر، فهذا يثبت صلة رمزية واضحة داخل النص المسيحي. وإذا أثبتنا أن القرآن ذكر الاثني عشر في الأسباط والعيون والشهور والنقباء، فهذا يثبت وجود الرقم في النص القرآني. وإذا أثبتنا أن عقيدة الاثني عشر إمامًا تبلورت تاريخيًا، فهذا يثبت تطورًا تاريخيًا للعقيدة، لا حكمًا نهائيًا على مصدرها الإلهي. وهذه الحدود بين الأدلة والاستنتاجات هي التي تحمي البحث من أن يتحول إلى تدين جديد باسم العلم.

الخاتمة: الرقم لا يتكلم... الإنسان هو الذي يتكلم باسمه

   ربما كان السؤال الأول: لماذا الرقم 12 في الأديان؟ لكن بعد هذا البحث يصبح السؤال أعمق: كيف انتقل الرقم 12 من الطبيعة والحساب والزمن إلى الرمز، ومن الرمز إلى الدين، ومن الدين إلى التديّن، ثم في بعض الحالات إلى العقيدة والسلطة؟ لا نستطيع أن نثبت أن الإنسان اخترع الرقم 12 ثم أدخله في الأديان. ولا نستطيع أن نثبت أن الله أنزل الرقم 12 بوصفه رمزًا مقدسًا ثم تناقلته الأديان. لكننا نستطيع أن نثبت شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر علمية: الرقم 12 كان معروفًا في حضارات قديمة قبل ظهور الإسلام، واستُخدم في تنظيم الزمن والسماء والمجتمع؛ ثم ظهر داخل التقاليد الدينية بوظائف مختلفة. وهذا يفتح أمامنا احتمالين لا يجوز إغلاقهما مسبقًا:

- إما أن الوحي استخدم رمزًا كان الإنسان يعرفه أصلًا،

- وإما أن البشر أدخلوا الرمز الحضاري في بناء تدينهم وتفسيراتهم.

وقد يكون التاريخ أكثر تعقيدًا من هذا التقابل، بحيث اجتمعت الخبرة الإنسانية والتقاليد الحضارية والتطور الديني في تشكيل المعنى الذي حمله الرقم. لكن هناك شيئًا واحدًا يجب ألا نسمح للإنسان أن يخلطه:

الرمز ليس الله.

والتفسير ليس الله.

والمؤسسة ليست الله.

ورجل الدين ليس الله.

والإمام ليس الله.

والحاخام ليس الله.

والكنيسة ليست الله.

وحتى حين يقول الإنسان: هذا هو مراد الله.  فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا هو: هل لدينا نص إلهي يقول ذلك، أم لدينا إنسان يفسر النص ويقول إن هذا هو مراد الله؟ وهنا نصل إلى جوهر الفكرة:

(القدسية للذات الإلهية وحدها، أما ما عداها غير مقدس ويخضع في مجال البحث، والفهم، والنقد، والتأويل. ولذلك فإن العبارة التي يمكن أن تختصر هذا البحث كله هي: الرقم 12 لا يتكلم؛ الإنسان هو الذي يتكلم باسمه. ومن هنا يصبح التفريق بين الدين والتديّن ليس مجرد تفريق لغوي، بل ضرورة معرفية وأخلاقية؛ لأن الدين، في مفهوم المؤمن، وحيٌ من الله، أما التديّن فهو الطريقة التي يفهم بها الإنسان ذلك الوحي، ويؤوله، وينقله، ويبني حوله مؤسساته ورموزه وسلطاته. ولهذا: (ليس من حق أحد أن يتحدث بلسان الله.))

راي الشخصي:

ربما لا تكمن المسألة في أن الرقم 12 مقدس، بل في أن الإنسان كائن يصنع المعنى (فلسفة البير كامو العبثية)؛ ثم يبدأ بصناعة الرمز، ثم يصنع حول الرمز قصة، ثم يمنح القصة قداسة، ثم يأتي يوم ينسى فيه أنه كان هو صانع المعنى (فلسفة ما بعد العبث). وعندها يصبح السؤال أكثر أهمية من الجواب: هل كان الله هو الذي تكلم، أم أن الإنسان هو الذي تكلم باسمه؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه