من يملك معنى العمل الإبداعي؟ المؤلف، أم النص، أم الناقد، أم المتلقي؟

 

من يملك معنى العمل الإبداعي؟

المؤلف، أم النص، أم الناقد، أم المتلقي؟

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

   كثيرًا ما يثور خلاف بين الكاتب أو الشاعر من جهة، والناقد أو القارئ من جهة أخرى، عندما يقدم أحدهم تفسيرًا لعمل أدبي أو فكري يختلف عن التفسير الذي قصده صاحبه.

يقول المؤلف: "هذا ليس ما قصدته."

ويقول الناقد: "لكن هذا ما يقوله النص."

أما القارئ فقد يقول: "أنا فهمت منه شيئًا آخر."

فمن منهم يملك الحقيقة؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا أمام واحدة من أهم قضايا الإبداع: هل يملك المؤلف معنى عمله بعد أن ينشره، أم أن العمل يصبح فضاءً مفتوحًا للتأويل؟

المؤلف يملك حق شرح قصده

   لا شك في أن للمؤلف الحق الكامل في أن يشرح عمله. فالشاعر يعرف الظروف التي ولدت فيها القصيدة، والروائي يعرف خلفية شخصياته، والمسرحي يعرف الدافع الذي جعله يكتب مشهدًا معينًا، والمفكر أو الفيلسوف يعرف المفهوم الذي أراد بناءه والحجة التي أراد الدفاع عنها. لذلك فإن شرح المؤلف لعمله ليس أمرًا زائدًا أو غير مشروع، بل قد يكون مهمًا جدًا لفهم النص. وقد يزيل هذا الشرح سوء فهم، أو يصحح معلومة، أو يوضح رمزًا، أو يكشف خلفية تاريخية أو شخصية لم تكن ظاهرة للقارئ. لكن هنا ينبغي أن ننتبه إلى مسألة أساسية: شرح المؤلف لقصده لا يعني أن قصده هو التفسير الوحيد الممكن للعمل. فالمؤلف يستطيع أن يقول: "هذا ما أردت قوله." لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يقول: "وهذا هو المعنى الوحيد الذي يسمح به النص." عندما تخرج القصيدة من يد شاعرها القصيدة تولد في ذهن الشاعر، ثم تتحول إلى كلمات، ثم تُنشر، وعند نشرها تبدأ مرحلة جديدة من حياتها. قد يكتب الشاعر قصيدة عن الفراق، فيقرأها شخص عاش تجربة الهجرة، فيجد فيها معنى الوطن. وقد يكتبها شاعر عن امرأة، فيقرأها آخر بوصفها رمزًا للحرية. وقد يقرأها ناقد فيجد فيها صراعًا بين الإنسان وذاكرته. أيّ هذه القراءات صحيح؟ قد تكون كلها صحيحة، إذا كان النص يسمح بها. وهنا نصل إلى قاعدة مهمة: النص الأدبي ليس ملكًا حصريًا لنية مؤلفه بعد نشره، وإن كان المؤلف يظل صاحب الحق في بيان نيته. فالقصيدة قد تقول أكثر مما أراد الشاعر أن يقول، والرواية قد تكشف من خلال شخصياتها وأحداثها ما لم يكن الكاتب واعيًا به بصورة كاملة. وهذا لا يعني أن المؤلف لا يفهم عمله، بل يعني أن العمل الإبداعي قد يكون أوسع من وعي صاحبه به.

الناقد ليس مالكًا للحقيقة

   وفي المقابل، لا ينبغي أن نمنح الناقد سلطة مطلقة. فالناقد لا يملك النص أكثر مما يملكه المؤلف، ولا يحق له أن يحول تأويله الشخصي إلى حقيقة نهائية. هناك فرق بين أن يقول الناقد: "أرى في هذا النص دلالة على..." وبين أن يقول: "هذا النص لا يعني إلا..." الأول قراءة نقدية قابلة للنقاش. أما الثاني فيحول النقد إلى سلطة تغلق أبواب التأويل. فالناقد الجيد لا يفرض المعنى على النص، وإنما يحاول اكتشاف الإمكانات التي يحتويها النص، مستندًا إلى اللغة والبناء، والصور، والشخصيات، والسياق. والمتلقي ليس مجرد مستهلك كذلك لا ينبغي النظر إلى القارئ باعتباره شخصًا يتلقى المعنى جاهزًا من المؤلف أو الناقد. القارئ يدخل إلى العمل محملًا بتجربته، وثقافته، وذاكرته، وأسئلته. ولهذا قد يقرأ شخصان الرواية نفسها ويخرجان منها بمعنيين مختلفين. ليس بالضرورة أن يكون أحدهما مخطئًا. فالعمل الإبداعي الناجح غالبًا لا يقدم نفسه بوصفه إجابة مغلقة، وإنما يفتح أمام القارئ أسئلة جديدة. وهنا يصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ له. لكن حرية القارئ لا تعني أن يستطيع أن ينسب إلى النص أي معنى يريده.

فالتأويل يحتاج إلى سند. لا يمكنني أن أقرأ قصيدة عن المطر وأقول إنها تتحدث عن الحرب، إلا إذا وجدت في النص أو في سياقه ما يسمح بهذا الانتقال. إذن: حرية التأويل لا تعني حرية اختراع النص.

وماذا عن القصة والرواية؟

   الأمر نفسه ينطبق على القصة والرواية. قد يكتب الروائي شخصية ويعتقد أنها تمثل الخير، بينما يكتشف القارئ أن تصرفاتها تجعلها أقرب إلى الأنانية. وقد يقصد الكاتب أن تكون النهاية متفائلة، بينما يقرأها القارئ باعتبارها مأساوية. هنا لا يكفي أن يقول المؤلف: "كنت أقصد كذا." فالنية مهمة، لكنها ليست وحدها التي تحدد القيمة الدلالية للعمل. لأن الأدب لا يعيش في نية الكاتب فقط، وإنما في العلاقة بين الكلمات، والشخصيات، والأحداث، والقارئ.

المسرح أكثر تعقيدًا

   في المسرح تتسع المسألة أكثر. هناك الكاتب، ثم المخرج، ثم الممثل، ثم الجمهور. قد يكتب المؤلف مشهدًا بطريقة معينة، لكن المخرج يقدمه برؤية مختلفة، ويؤديه الممثل بإحساس ثالث، ثم يتلقى الجمهور العمل بطريقة رابعة. وهكذا يصبح العمل المسرحي نتيجة تفاعل عدة مستويات من الإبداع. وهذا يؤكد أن العمل الفني لا يبقى دائمًا أسير اللحظة التي كتبه فيها مؤلفه.

وماذا عن الفلسفة؟

   هنا يجب أن نكون أكثر حذرًا. الفلسفة ليست كالشعر من حيث حرية التأويل. فإذا استخدم الفيلسوف مفهومًا محددًا وبنى عليه حجة منطقية، فلا يستطيع القارئ أن يغير معنى المفهوم كيفما شاء. في الفلسفة توجد مساحة للتأويل، لكن توجد أيضًا حدود يفرضها النص، والمنطق، والحجة، والمفاهيم. إذا قال فيلسوف مثلًا إنه لا يدافع عن فكرة معينة، فمن حقه أن يوضح موقفه، ومن الخطأ أن ننسب إليه عكس ما يقول بلا دليل.

لكن إذا رأى الناقد أن بعض مقدمات الفيلسوف تقوده، رغم نيته، إلى نتيجة أخرى، فمن حقه أن يناقشه ويبين ذلك. وهنا تظهر أهمية التمييز بين: ما أراده الفيلسوف، وما يقوله منطقه، وما يمكن أن تؤدي إليه أفكاره. وهذه نقطة بالغة الأهمية، خصوصًا في الأعمال الفكرية التي تحمل مشروعًا فلسفيًا واسعًا. ثلاثة مستويات للمعنى، يمكننا إذن أن نميز بينها:

أولًا: قصد المؤلف. وهو ما أراد الكاتب أو الشاعر أو المفكر قوله.

ثانيًا: دلالة النص. وهي المعاني التي يمكن استخلاصها من الكلمات والبناء والصور والحجج والعلاقات الداخلية للعمل.

ثالثًا: قراءة المتلقي. وهي المعاني التي تتولد أثناء مواجهة القارئ أو المشاهد للعمل. وقد تتطابق المستويات الثلاثة، وقد تختلف. ولا يعني اختلافها بالضرورة أن أحد الأطراف مخطئ.

متى يصبح التأويل غير مقبول؟

   هنا نحتاج إلى معيار بسيط لكنه مهم: كلما ابتعد التأويل عن النص، احتاج إلى دليل أقوى. إذا كان التأويل قائمًا على كلمات موجودة في النص، أو على رمز متكرر، أو على بناء واضح، أو على سياق تاريخي معروف، فإنه يصبح تأويلًا مشروعًا. أما إذا كان القارئ يأتي بمعنى لا علاقة له باللغة أو البناء أو السياق، ثم يفرضه على العمل، فهذه ليست قراءة نقدية بقدر ما هي إسقاط شخصي على النص. وبذلك يمكننا أن نقول: ليس كل ما نفهمه من النص موجودًا فيه بالضرورة، وليس كل ما هو موجود فيه نكون قد فهمناه.

من يملك المعنى إذن؟

   ربما لا تكون الإجابة الصحيحة هي اختيار طرف واحد. فالمؤلف يملك حق القصد. والنص يملك استقلاله الدلالي. والناقد يملك حق القراءة والتحليل. والمتلقي يملك حق الاستجابة والتأويل. لكن لكل واحد حدود. المؤلف لا يستطيع مصادرة كل قراءة. والناقد لا يستطيع احتكار الحقيقة. والمتلقي لا يستطيع اختراع نص غير موجود. والنص نفسه لا يمكن فصله تمامًا عن اللغة والثقافة والتاريخ الذي ولد فيه.

الخلاصة

   العمل الإبداعي يشبه نافذة يفتحها المؤلف على العالم. هو الذي صنع النافذة، واختار مكانها، وحدد شكلها، ويعرف لماذا فتحها. لكن ما يراه الآخرون من خلالها قد يختلف باختلاف مواقعهم وتجاربهم. وهذا الاختلاف ليس عيبًا في الأدب والفكر، بل أحد أسباب بقائهما. لذلك فإن العلاقة الصحيحة ليست صراعًا بين المؤلف والناقد والمتلقي، وإنما حوارًا بينهم. فالمؤلف يقول: "هذا ما قصدته." والناقد يقول: "وهذا ما يكشفه النص في رأيي." والمتلقي يقول: "وهذا ما وجدته أنا في النص." وإذا بقيت هذه الأصوات الثلاثة في حالة حوار، ظل العمل حيًا. أما عندما يريد أحدها إسكات الآخرين، فإننا لا نعود أمام قراءة، بل أمام احتكار للمعنى. وربما يمكن اختصار الفكرة كلها في أربع جمل: المؤلف يملك حق شرح عمله، ولا يملك احتكار تفسيره. الناقد يملك حق تأويله، ولا يملك مصادرة المؤلف والمتلقي. المتلقي يملك حق فهمه، ولا يملك اختراع ما ليس فيه. أما العمل العظيم، فيظل أكبر من أن يُغلق معناه في قراءة واحدة.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه