من الصوت إلى اللغة الإنسان الذي لم ينتظر معنى الحياة، بل بدأ بصناعته
من الصوت إلى اللغة
الإنسان الذي لم ينتظر
معنى الحياة، بل بدأ بصناعته
قراءة أنثروبولوجية في
فلسفة ما بعد العبث
بقلم الباحث عدنان مهدي
الطائي
تمهيد: سؤال اللغة الذي
يقود إلى سؤال الوجود
حين نسأل: كيف بدأت اللغة؟ يبدو
السؤال في ظاهره سؤالًا لسانيًا أو أنثروبولوجيًا عن أصل الكلمات والأصوات. لكن السؤال، إذا تعمقنا فيه، يقودنا إلى سؤال أكبر: كيف بدأ الإنسان يمنح العالم معنى؟ فالإنسان لم يولد وهو يحمل قاموسًا
في ذاكرته، ولم يجد أمامه لغة مكتملة تخبره باسم الأشياء ومعانيها. لقد ظهر في
عالم سابق عليه، عالم مليء بالأصوات والحركة والخطر والموت والحب والجوع والدهشة،
وكان يمتلك جسدًا قادرًا على إصدار الصوت، ودماغًا قادرًا على التعلم والتذكر
والربط، وحاجة متزايدة إلى التواصل مع الآخرين. ومن هنا تبدأ
رحلتنا. ليس من الكلمة، وإنما من الصوت. وليس من المعنى الجاهز، وإنما من محاولة صناعة المعنى. وهنا تحديدًا تلتقي نشأة اللغة مع فلسفة «ما بعد العبث». فإذا كان ألبير كامو قد وضع الإنسان أمام عالم لا يقدم له جوابًا
جاهزًا عن معنى وجوده، فإن «ما بعد العبث» لا تنكر هذا الصمت، لكنها تطرح سؤالًا
مختلفًا: إذا لم يكن المعنى جاهزًا، فهل يستطيع الإنسان
أن يصنعه؟ وتاريخ اللغة يقدم لنا أحد أقدم الأمثلة على ذلك.
أولًا: الإنسان لم يولد
متكلمًا، بل قادرًا على إصدار الصوت
من الخطأ أن نتخيل الإنسان الأول كما لو أنه
استيقظ ذات صباح وبدأ يتحدث بلغة كاملة. ولا نملك
دليلًا علميًا يسمح لنا بتحديد «أول كلمة» أو «أول لغة» نطق بها الإنسان. فاللغة المنطوقة لا تترك أحافير يمكننا قراءتها، ولهذا فإن أصل اللغة
لا يزال من أعقد الأسئلة في العلوم الإنسانية. لكن يمكننا
أن نميز بين أمرين: القدرة على إصدار الصوت والقدرة على جعل الصوت
علامة ذات معنى. الصوت موجود في الطبيعة. والحيوانات تصدر أصواتًا للتنبيه، أو الاستدعاء، أو الدفاع، أو التعبير
عن حالات مختلفة. لكن اللغة البشرية لم تكن مجرد تراكم للأصوات. إنها نشأت عندما أصبحت الأصوات جزءًا من نظام رمزي واجتماعي يسمح
للإنسان بأن يشير إلى شيء يتجاوز الصوت نفسه. وهنا تبدأ
القفزة الكبرى: الصوت لم يعد مجرد صوت؛ أصبح علامة.
ثانيًا: من الحاجة إلى
الانفعال
ربما كان التواصل العملي أحد العوامل التي
دفعت الإنسان إلى تطوير قدراته التواصلية. الخطر يحتاج
إلى تحذير.
والجوع يحتاج إلى طلب.
والطفل يحتاج إلى أمه.
والجماعة تحتاج إلى
التنسيق.
لكن من الخطأ اختزال
أصل اللغة في الحاجة العملية وحدها. فالإنسان ليس كائنًا نفعيًا فقط. إنه يضحك. ويحزن. ويصرخ. ويغني. ويرقص. ويحزن على
الميت. ويحتفل بولادة طفل. ويصدر أصواتًا جماعية في الطقوس والاحتفالات. ولهذا يمكن أن تكون الانفعالات والإيقاع والتقليد واللعب والتفاعل
الجماعي قد شاركت، إلى جانب الحاجة العملية، في تشكيل الطريق الذي أدى إلى اللغة. وربما لم تكن أول بذرة للغة: «احذر، هناك خطر». وربما كانت: صرخة، أو نداء، أو نغمة، أو إيقاعًا جماعيًا، أو
تعبيرًا عن فرح أو ألم أو حزن. لا نستطيع أن
نعرف ذلك يقينًا. لكننا نستطيع أن نقول شيئًا أكثر تواضعًا: اللغة الإنسانية ربما ولدت من تفاعل الحاجة والانفعال والبيئة والجماعة
والقدرة العصبية، لا من سبب واحد منفرد.
وهذه نقطة جوهرية. لا ينبغي أن
نتخيل «مخترع اللغة». فاللغة ليست اختراع فرد واحد. إنها ظاهرة اجتماعية تراكمية. فرد يصدر
صوتًا. فرد آخر يستجيب. يتكرر الموقف. يصبح الصوت مألوفًا. يبدأ الآخرون
باستخدامه. يتغير الصوت. يتغير معناه. يدخل في تركيب جديد. ثم ينتقل إلى
الأطفال. وبمرور أجيال طويلة يصبح جزءًا من النظام اللغوي. وهكذا: لم يصنع الإنسان اللغة بقرار واعٍ، وإنما شارك
في صنعها عبر وجوده الاجتماعي، ثم أصبح قادرًا بعد ذلك على تطويرها بوعي. وهذه نقطة مهمة جدًا في فلسفة «ما بعد العبث». فالإنسان ليس صانعًا مطلقًا للمعنى، لكنه ليس متلقيًا سلبيًا له أيضًا. إنه شريك في عملية صناعة المعنى.
رابعًا: الدماغ الذي
أصبح قادرًا على الرمز
لا يمكن فهم نشأة اللغة من دون الإنسان
البيولوجي. فاللغة تحتاج إلى جهاز عصبي بالغ التعقيد يسمح بالإدراك والذاكرة
والتعلم والتخطيط والتقليد والتحكم في النطق وفهم الإشارات. لكن لا ينبغي اختزال اللغة في منطقة واحدة من الدماغ. فالمناطق التي نربطها تقليديًا باللغة، مثل منطقتي بروكا وفيرنيكه، جزء
من شبكة أوسع بكثير من العمليات العصبية. ولهذا فإن
الأفضل أن نقول: إن اللغة ارتبطت بتطور تدريجي لشبكات عصبية
وقدرات معرفية واجتماعية جعلت الإنسان أكثر قدرة على التمثيل الرمزي والتعلم
والتواصل. وهنا يظهر الإنسان بوصفه نتيجة جدلية بين: البيولوجيا والمجتمع. فالدماغ أعطى
الإنسان الإمكان. والمجتمع أعطاه البيئة. والتفاعل أعطى الإمكان اتجاهه. والتراكم
أعطاه اللغة.
خامسًا: من الصوت إلى
الرمز
هذه هي اللحظة الأكثر أهمية فلسفيًا. الصوت في ذاته لا يكفي. لكي يصبح
الصوت رمزًا، يجب أن يستطيع الإنسان ربطه بشيء أو حالة أو مفهوم. وعندما يصبح الصوت قادرًا على استحضار شيء غائب، تحدث قفزة هائلة. فبدل أن يكون الشيء موجودًا أمامي فقط، أصبح بإمكاني أن أستحضره في
ذهني عندما أسمع علامته. وهنا يستطيع الإنسان أن يتحدث عن: الماضي. وأن يتخيل: المستقبل. وأن يتصور: ما ليس موجودًا. ومن هنا يبدأ
العالم الرمزي. فالإنسان لم يعد يعيش في العالم الطبيعي وحده،
بل أصبح يعيش أيضًا في عالم من المعاني التي صنعها العقل والجماعة.
سادسًا: من الرمز إلى
اللغة
يمكن أن نتخيل المسار الطويل على النحو الآتي: الصوت → الإشارة → العلامة → الرمز → الكلمة → الجملة → اللغة. لكن هذه ليست مراحل منفصلة بحدود واضحة، وإنما صورة تقريبية لمسار طويل
ومعقد. والأهم أن الإنسان لم ينتقل فقط من صوت إلى صوت. لقد انتقل من: التعبير عن الحالة إلى: تمثيل العالم. وهذه نقلة هائلة. فالحيوان يستطيع التعبير عن الخوف. لكن الإنسان
يستطيع أن يقول: «كنت خائفًا أمس». ويستطيع أن
يقول: «غدًا قد يحدث الخطر». ويستطيع أن
يقول: «لو حدث كذا لفعلنا كذا». هنا تصبح اللغة أداة للتذكر، والتخطيط، والخيال، والافتراض. أي أنها لا تنقل الواقع فقط. إنها تساعد
الإنسان على بناء واقع ذهني.
سابعًا: جدلية الدال
والمدلول
وهنا نعود إلى الإشكال الفلسفي القديم: ما العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ هل هي علاقة طبيعية ضرورية؟ أم علاقة
اصطلاحية اعتباطية؟ هناك كلمات يبدو فيها أثر الطبيعة واضحًا، خصوصًا في بعض
المحاكاة الصوتية. لكن معظم الكلمات لا تحمل علاقة طبيعية ضرورية
بالمعنى الذي تدل عليه. فالشيء نفسه يمكن أن يحمل أسماء مختلفة في لغات
مختلفة. وهذا يدل على أن اللغة ليست نسخة صوتية عن
العالم، بل نظام رمزي اجتماعي. ومن هنا تصبح
رؤية سوسير للاعتباطية اللغوية مهمة. لكنها لا
تلغي تمامًا البعد الطبيعي. فبعض الألفاظ يمكن أن تكون لها جذور محاكاتية أو
صوتية، بينما تتولى الجماعة عبر التاريخ تشكيل بقية النظام. ولهذا يمكن القول: نشأة اللغة تجمع بين أثر
الطبيعة وحرية الاصطلاح وتراكم الجماعة. وهذا أكثر
واقعية من اختزال اللغة في أحد الطرفين.
ثامنًا: «وعلّم آدم
الأسماء كلها» — قراءة فلسفية
قال تعالى: ﴿وعلَّم آدم
الأسماء كلها﴾. لا يمكن تحويل هذه الآية إلى دليل تاريخي يحدد
أول لغة بشرية أو يثبت اسم اللغة الأولى إثباتًا علميًا. لكنها تقدم، من الناحية الفلسفية، تصورًا بالغ العمق عن العلاقة بين
الإنسان والعالم. فالاسم ليس الشيء نفسه. إنه علامة تشير إليه. وعندما يستطيع الإنسان تسمية
الأشياء، يصبح قادرًا على: تمييزها، وتصنيفها، وتذكرها، واستحضارها،
والتحدث عنها. وهكذا ينتقل من مجرد العيش داخل العالم إلى بناء
تمثيل ذهني للعالم. ومن هنا يمكن أن تكون «الأسماء» رمزًا فلسفيًا
لظهور الإنسان بوصفه كائنًا قادرًا على تحويل التجربة إلى معرفة.
تاسعًا: من اللغة إلى
الفكر
هل الفكر أوسع من اللغة؟ أم أن الفكر لا يوجد
إلا داخل اللغة؟ ربما يكون كلا الموقفين، إذا أُخذ بصورة مطلقة، غير كافٍ. فالإنسان يستطيع أن يفكر بصورة بصرية وحركية وموسيقية وعاطفية، ولا
تتحول كل هذه الخبرات فورًا إلى كلمات. والطفل
يستطيع أن يفهم بعض العلاقات قبل امتلاكه القدرة اللغوية الكاملة. والفنان قد يرى صورة قبل أن يستطيع وصفها. والموسيقي قد يشعر بإيقاع لا يحتاج إلى جملة كي يوجد. إذن: الفكر ليس اللغة وحدها. لكن اللغة تمنح الفكر قدرة استثنائية على التنظيم، والتذكر، والمشاركة،
والتراكم. ولهذا فالعلاقة الأدق هي علاقة جدلية: الفكر يوسع اللغة، واللغة تعيد تشكيل الفكر.
عاشرًا: الرسم
والموسيقى والجسد — حدود اللغة
لو كانت اللغة قادرة على احتواء كل الفكر، لما
احتاج الإنسان إلى الرسم والموسيقى، والمسرح، والنحت، والإيماء. لكن الإنسان لجأ إليها جميعًا. وهذا يعني أن
الإنسان أكبر من اللغة التي يتحدث بها. قد تعجز
الكلمة عن التعبير عن نظرة. وقد تعجز الجملة عن نقل إحساس موسيقي. وقد تعجز اللغة عن إعادة تركيب حلم. ولهذا فإن
الإنسان لا يصنع المعنى بالكلمة وحدها. إنه يصنعه
أيضًا: بالصورة، والصوت، والحركة، والموسيقى، والجسد،
والصمت. وهذا مهم جدًا لفلسفة ما بعد العبث: المعنى الإنساني أوسع من اللغة، لكن اللغة إحدى أعظم أدوات الإنسان في
تنظيمه ونقله وتراكمه.
الحادي عشر: إفريقيا
وذاكرة الصوت
تحتل إفريقيا موقعًا أساسيًا في قصة التطور
البشري، وتقدم لغاتها المعاصرة تنوعًا صوتيًا هائلًا. ومن الظواهر
اللافتة وجود الأصوات النقرية في بعض اللغات الإفريقية، وهي أصوات تدخل في النظام
الصوتي للغة وليست مجرد أصوات عابرة. ولا يعني ذلك
أنها «أصوات الإنسان الأول» بقيت كما هي حتى يومنا هذا. لا يوجد دليل يسمح بهذا الاستنتاج. لكنها تذكرنا
بأن الجهاز الصوتي للإنسان أكثر تنوعًا مما توحي به اللغات التي اعتدناها. وتكشف لنا أن الانتقال من: الصوت
الطبيعي إلى: الصوت اللغوي كان عملية إبداعية طويلة. فالإنسان يستطيع أن يأخذ من إمكانات صوته وجسده والبيئة المحيطة به، ثم
يدخلها في نظام رمزي اجتماعي. وهنا تصبح
إفريقيا نافذة مهمة لفهم تنوع المسارات التي يمكن أن تتخذها اللغة البشرية.
الثاني عشر: اللغة تصنع
الذاكرة
حين يصبح الصوت كلمة، تصبح الكلمة قابلة للحفظ. وحين تصبح الكلمات قصة، تصبح القصة قابلة للتوارث. وهكذا تنشأ الذاكرة الجماعية. الأم تعلم
طفلها. والشيخ يعلم الشاب. والشاعر يحفظ تاريخ الجماعة. والراوي ينقل
الأسطورة. والحكيم ينقل المثل. واللغة هنا لم تعد وسيلة اتصال فحسب. أصبحت: مستودعًا للذاكرة. ومن هنا يظهر
الإنسان التاريخي. الحيوان يعيش في الحاضر. أما الإنسان فيستطيع أن يعيش في: ماضٍ يتذكره،
وحاضر يعيه، ومستقبل يتخيله.
الثالث عشر: من اللغة
إلى الهوية
مع مرور الزمن تحمل اللغة تاريخ الجماعة. الأسماء تصبح ذاكرة. الأمثال تصبح
خبرة. الشعر يصبح وجدانًا. والحكايات تصبح تراثًا. ومن هنا تصبح
اللغة أحد أهم عناصر الهوية الثقافية. لكن يجب أن
ننتبه: اللغة لا تساوي العرق. واللغة لا تثبت وحدها الأصل البيولوجي للجماعة. فالتاريخ مليء بالشعوب التي غيرت لغاتها، والجماعات التي تبنت لغات
شعوب أخرى، واللغات التي انتقلت عبر الهجرة، والغزو، والتجارة، والتعليم. لذلك فاللغة هوية ثقافية وتاريخية قوية، لكنها ليست جينًا عرقيًا.
الرابع عشر: الوجه
الآخر للغة — السلطة
لكن هنا تظهر مشكلة لم تكن موجودة في الصورة
الأولى. فاللغة ليست دائمًا أداة للتواصل والبناء. إنها يمكن أن تصبح أيضًا أداة للسيطرة. من يملك
القدرة على تسمية الأشياء يستطيع أحيانًا أن يحدد كيفية رؤيتها. ومن يسيطر على التعليم يستطيع أن يحدد ما يتعلمه الجيل. ومن يسيطر على الخطاب يستطيع أن يؤثر في الذاكرة. ومن يفرض لغته على شعب آخر قد يساهم في إضعاف لغته الأصلية. ولهذا فإن انقراض اللغة ليس مجرد اختفاء مجموعة من الكلمات. إنه قد يعني فقدان جزء من: الذاكرة
والهوية والتاريخ والرؤية إلى العالم. لكن علينا أيضًا أن
نتجنب المبالغة: انقراض اللغة لا يعني بالضرورة انقراض الأمة
بيولوجيًا. فالجماعة يمكن أن تفقد لغتها وتحتفظ بأشكال أخرى
من هويتها. ومع ذلك يبقى فقدان اللغة خسارة ثقافية عميقة.
الخامس عشر: صناعة
المعنى ليست دائمًا بريئة
وهنا نصل إلى إحدى أهم إضافات هذا الفصل. إذا كان الإنسان يصنع المعنى، فإن السؤال الأخلاقي يصبح: أي معنى يصنع؟ يمكن للإنسان أن يصنع لغة للحب. ويمكنه أن يصنع لغة للكراهية. أن يصنع
خطابًا للحرية. أو خطابًا للاستعباد. أن يكتب التاريخ لتكريم الضحية. أو لتبرير
الجلاد. لذلك لا يكفي أن نقول: الإنسان صانع المعنى. بل يجب أن
نقول: الإنسان مسؤول أخلاقيًا عن المعنى الذي يصنعه
ويورثه للآخرين. وهذه النقلة مهمة جدًا في فلسفة ما بعد العبث.
السادس عشر: من الذاكرة إلى الكتابة
عندما ظهرت الكتابة، تغير تاريخ الإنسان. لم تعد الذاكرة محصورة في الإنسان. أصبح
بالإمكان وضع المعنى خارج الدماغ: على الحجر. وعلى الطين. وعلى الرق. وعلى الورق. ثم في الكتب. ثم في الوسائط الرقمية. وهكذا أصبح الإنسان قادرًا على مخاطبة أشخاص لم يولدوا بعد. وهنا تظهر علاقة اللغة بالموت. فالإنسان
يموت. لكن الكلمة قد تبقى.
السابع عشر: ولكن هل
تبقى فعلًا؟
هنا يجب ألا نبالغ. لا. معظم الكلمات لم تبق. معظم اللغات
القديمة اندثرت. معظم القصص لم تصل إلينا. ومعظم أسماء البشر الذين عاشوا على الأرض لا نعرفها. وحتى الحضارات العظيمة لم تحتفظ بكل ما صنعته. إذن لا يمكن أن تكون فلسفة ما بعد العبث قائمة على وعد: «اصنع معنى وسوف تخلد». ذلك وعد لا يستطيع التاريخ ضمانه. بل إن
الإنسان قد يعمل ويحب ويكتب ويبدع، ثم يختفي أثره بالكامل. وهنا يظهر السؤال الأصعب: إذا كان كل
شيء معرضًا للنسيان، فهل يبقى لصناعة المعنى قيمة؟
الثامن عشر: هنا تتجاوز
«ما بعد العبث» فكرة الخلود
في رأيي، الجواب هو: نعم. لكن ليس لأن المعنى سيبقى إلى الأبد. بل لأن قيمة
الفعل لا تتوقف على خلوده. الأم التي تحتضن طفلها لا تحتاج إلى أن يسجل
التاريخ اسمها. والإنسان الذي ينقذ حياة إنسان آخر لا يحتاج إلى
تمثال. والشاعر قد يكتب قصيدة لا يقرأها أحد بعد موته. لكن ذلك لا يجعل فعله بلا معنى. إذن: قيمة المعنى ليست في ضمان بقائه، وإنما في صدق صناعته وأثره أثناء
وجوده. وهذه ربما تكون إحدى أكثر النقاط تميزًا في
فلسفة ما بعد العبث.
التاسع عشر: من كامو إلى ما بعد العبث
كامو وضع الإنسان أمام مفارقة عميقة: الإنسان يريد المعنى، والعالم لا يقدم له جوابًا نهائيًا. ومن هنا يظهر العبث. لكن «ما بعد
العبث» لا تقول إن كامو أخطأ في اكتشاف المشكلة. بل تقول: لقد وصف نقطة المواجهة، ونحن نريد أن نبحث فيما بعدها. ماذا يفعل الإنسان بعدما يدرك أن العالم لا يقدم له ضمانًا نهائيًا؟ هل
يستسلم؟ هل ينتحر؟ هل يخترع يقينًا زائفًا؟ أم يستطيع أن يقول: سأعيش رغم غياب الضمان. سأصنع رغم
احتمال الفناء. سأحب رغم احتمال الفقد. سأكتب رغم احتمال النسيان. هنا تبدأ «ما
بعد العبث».
العشرون: اللغة أول
دليل على صناعة الإنسان للمعنى
وهنا تعود بنا الرحلة إلى بدايتها. الإنسان الأول لم يكن يعرف أن صوته سيؤدي بعد آلاف السنين إلى اللغات، والشعر،
والفلسفة، والعلوم. لم يكن يعرف أنه يضع لبنة في بناء الحضارة. لقد بدأ ببساطة: صوت. ثم جاء: المعنى. ثم: الرمز. ثم: اللغة. ثم: الفكر. ثم: الذاكرة. ثم: الثقافة. ثم: الحضارة. وبهذا يصبح تاريخ اللغة نموذجًا مصغرًا لتاريخ
الإنسان نفسه.
الحادي والعشرون:
الإنسان لا يجد المعنى، بل يدخل في عملية صناعته
لكن علينا أن نكون دقيقين. لا يعني هذا أن الإنسان يستطيع أن يصنع أي معنى يشاء، أو أن كل معنى
صحيح لمجرد أنه صنعه. فالإنسان مقيد بجسده. وبالعالم. وبالمجتمع. وبالتاريخ. وبالآخرين. وبالموت. وبحدود
المعرفة. إذن صناعة المعنى ليست حرية مطلقة. إنها حرية داخل شروط الوجود. وهذا يجعلها
أكثر واقعية. فالإنسان لا يختار العالم الذي ولد فيه، لكنه
يستطيع أن يختار جزئيًا ماذا يفعل بما ورثه. ولا يختار
موته، لكنه يستطيع أن يختار كيف يعيش ما قبل الموت. ولا يضمن خلود أثره، لكنه يستطيع أن يقرر أي أثر يحاول أن يتركه.
إذا كان الإنسان هو الكائن الذي جعل للصوت
معنى، فإن أعظم مسؤولياته ليست أن يتكلم فقط، بل أن ينتبه إلى ما يقوله. لأن الكلمات يمكن أن تبني. ويمكن أن
تهدم. يمكن أن تصالح. ويمكن أن
تحرض. يمكن أن تحفظ الذاكرة. ويمكن أن تزيفها يمكن أن تمنح الإنسان كرامته. ويمكن أن تسلبه إنسانيته. ولهذا فإن فلسفة ما بعد العبث ليست فلسفة: «اصنع أي معنى تريده». بل: «اصنع المعنى الذي تستطيع أن تتحمل مسؤوليته
أمام الإنسان.»
الخاتمة
الإنسان مسؤول عن المعنى الذي يضعه في العالم..
الإنسان لم يأتِ إلى العالم متكلمًا. جاء إلى
العالم قادرًا على إصدار الصوت. ثم دخل، عبر
تاريخ طويل لا نعرف تفاصيله كلها، في علاقة مع البيئة والجماعة والدماغ، والانفعال،
والحاجة، والرمز. فأصبح الصوت علامة. وأصبحت العلامة معنى. وأصبح المعنى
لغة. وأصبحت اللغة ذاكرة. وأصبحت الذاكرة تاريخًا. وأصبح
التاريخ ثقافة. وأصبحت الثقافة حضارة. لكن الحضارة نفسها ظلت مهددة بالموت والنسيان. فاللغة قد تموت. والحضارة قد تنهار. والكتاب قد يضيع. والاسم قد يُنسى. ومع ذلك لا يتوقف الإنسان عن صناعة المعنى. وهنا، في رأي، تكمن روح «ما بعد العبث». فلسفة ما بعد
العبث لا تعد الإنسان بالخلود. ولا تدعي
أنها وجدت المعنى النهائي للكون. ولا تنكر
الموت أو الفناء أو النسيان. إنها تقول شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر إنسانية: قد لا نملك معنىً جاهزًا للحياة، وقد لا نستطيع أن نضمن بقاء ما نصنعه،
لكننا نستطيع أن نجعل من وجودنا فعلًا واعيًا في صناعة المعنى. فالإنسان الذي يعرف أنه سيموت، لكنه يزرع شجرة، لا يكون قد انتصر على
الموت. لكنه رفض أن يجعل الموت سببًا لعدم الزراعة. والذي يعرف أن قصيدته قد تُنسى، لكنه يكتبها، لا يكون قد ضمن الخلود. لكنه اختار أن يجعل لحظته أكثر إنسانية. والذي يعرف أن الحضارات تفنى، لكنه يبني، لا يكون قد ألغى الفناء. لكنه أضاف إلى العالم شيئًا لم يكن موجودًا قبله. وهكذا: ليس انتصار الإنسان أن يضمن بقاء أثره إلى الأبد. انتصاره أن يرفض أن يكون وجوده بلا أثر وهو قادر على الفعل. ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة المسيرة الإنسانية كلها
ونقول:
- بدأ الإنسان صوتًا، ثم جعل
للصوت معنى؛ وصار المعنى لغة؛ وصارت اللغة ذاكرة؛ وصارت الذاكرة تاريخًا؛ وصار
التاريخ حضارة؛ وصارت الحضارة محاولة الإنسان أن يمنح وجوده قيمة تتجاوز لحظته. لكن الرحلة لا تنتهي عند الحضارة. إنها تصل إلى
السؤال الأخلاقي الأكبر: إذا كنت قادرًا على صناعة المعنى، فما المعنى
الذي ستضعه في العالم؟ وهنا تبلغ «ما بعد العبث» جوهرها: الإنسان لا يملك أن يختار العالم الذي وُلد فيه، لكنه يملك، في حدود
وجوده، أن يختار ماذا يضيف إليه. ولهذا فإن القضية ليست: هل ستخلد؟ بل: ماذا ستفعل قبل أن ترحل؟ وليست: هل أعطتك الحياة معنى؟ بل: ماذا أعطيت
أنت للحياة من معنى؟ وليست: هل سينجو أثرك من النسيان؟ بل: هل كان الأثر الذي صنعته جديرًا بأن يوجد؟ وهنا، في النهاية، تتحول
فلسفة ما بعد العبث من بحث عن معنى مفقود إلى مسؤولية عن معنى مصنوع. فالإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن معنى الحياة؛ إنه الكائن الذي يستطيع
أن يضع معنى في الحياة. وهذه، في تقديري، هي الرحلة التي بدأت منذ الصوت
الأول، وما زالت مستمرة حتى اليوم. ((من الصوت
إلى اللغة. ومن اللغة إلى الفكر. ومن الفكر إلى المعنى. ومن المعنى
إلى الفعل. ومن الفعل إلى الحضارة. ومن الحضارة إلى الإنسان.)) ثم يعود السؤال مرة أخرى،
أبسط وأعمق: ماذا سنترك بعد أن نصمت؟ وهنا تبدأ مسؤولية
الإنسان.
تعليقات
إرسال تعليق