هكذا قرأوا كافكا: الإنسان في متاهة العبث والاغتراب

 

هكذا قرأوا كافكا: الإنسان في متاهة العبث والاغتراب

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

    يمكن القول إن حضور فرانز كافكا في الأدب العالمي لم يعد مجرد حضور كاتب ترك وراءه روايات وقصصًا ويوميات، وإنما أصبح ظاهرة أدبية وفكرية تستدعي التأمل والتأويل. فهذا الكاتب الذي لم يحظ في حياته بالشهرة التي نالها بعد وفاته، والذي لم تُنشر أهم أعماله إلا بعد رحيله، تحول مع مرور الزمن إلى أحد أكثر الأصوات الأدبية تعبيرًا عن قلق الإنسان الحديث، حتى غدا اسمه نفسه مصطلحًا أدبيًا وفلسفيًا: الكافكائي.

    ولعل فرادة كافكا لا تكمن في غرابة عالمه السردي وحدها، وإنما في ذلك التقاطع العميق بين الكتابة والتجربة المعاشة؛ فهو لم يكن يكتب عن عذاب خارجي منفصل عن ذاته، بل كان يحول تجربته الداخلية إلى مادة أدبية، ويجعل من الكتابة وسيلة لمواجهة القلق والاغتراب والخوف. ولهذا بدت الكتابة بالنسبة إليه أشبه بمحاولة للعثور على الذات وسط عالم فقد الكثير من يقينه. ومن هنا جاءت أهمية كافكا في الأدب الحديث؛ إذ لم يعد مجرد روائي يروي أحداثًا غريبة، بل أصبح كاتبًا يكشف البنية الخفية للعالم الذي يعيش فيه الإنسان الحديث: عالم السلطة الغامضة، والمؤسسة البيروقراطية، والخوف، والعجز، والذنب، والانتظار، والبحث عن معنى يتعذر الوصول إليه.

كافكا بين الهويات المتصارعة

   ولعل أكثر القضايا إثارة للجدل في قراءة كافكا هي مسألة هويته. فقد كان كافكا يهوديًا، وكتب بالألمانية، وعاش في براغ، المدينة التي كانت في زمنه جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم أصبحت عاصمة تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الأولى. وتشير الدراسات إلى أن عالمه تشكل داخل بيئة متعددة اللغات والثقافات، وأن علاقته باليهودية والألمانية والتشيكية كانت معقدة وليست قابلة للاختزال في هوية واحدة. وهنا ينبغي التمييز بين كون الإنسان يهوديًا من حيث الدين أو الأصل الثقافي، وبين أن يكون إسرائيليًا من حيث الانتماء إلى دولة حديثة. إن إسقاط الهوية السياسية الإسرائيلية على كافكا بأثر رجعي يمثل خلطًا بين زمنين تاريخيين مختلفين. فقد توفي كافكا في 3 يونيو/حزيران 1924 في مصحّ قرب فيينا، ودُفن في المقبرة اليهودية الجديدة في براغ. أي أنه رحل قبل قيام دولة إسرائيل سنة 1948 بأربعة وعشرين عامًا. ومن ثم فإن وصفه بأنه «أديب إسرائيلي» بالمعنى القومي والسياسي الحديث يحتاج إلى مراجعة تاريخية دقيقة؛ فالدولة الإسرائيلية لم تكن موجودة في حياته أصلًا. أما القول إن يهوديته تجعل منه إسرائيليًا، فهو خلط بين الانتماء الديني أو الإثني وبين الجنسية والانتماء السياسي. ولا يعني هذا إنكار وجود علاقة بين كافكا واليهودية أو بينه وبين الحركة الصهيونية أو فلسطين. فالمصادر تشير إلى أنه تعلم العبرية، كما تكشف بعض يومياته ومرحلة حياته الأخيرة عن اهتمام بفكرة العيش في فلسطين، بل ارتبط في سنواته الأخيرة بدورا ديامانت، وهي من عائلة يهودية أرثوذكسية، وظهرت لديه فكرة الاستقرار في فلسطين، وإن كانت ظروفه الصحية حالت دون تحقيقها. لكن وجود هذا الاهتمام لا يحوّل كافكا إلى مواطن إسرائيلي بأثر رجعي، كما أن يهوديته لا تلغي انتماءه التاريخي والثقافي إلى براغ ووسط أوروبا.

    والقراءة المادية للتاريخ تقتضي ألا نفصل الإنسان عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجته. فالأفكار والهويات لا تولد خارج الزمن، ولا يجوز أن نعيد تركيب شخصية تاريخية وفق خرائط سياسية ظهرت بعد وفاتها. إن كافكا ابن براغ وأوروبا الوسطى في مطلع القرن العشرين، وهو كاتب ألماني اللغة من أصول يهودية، وهذه العناصر المتشابكة هي التي صنعت أزمته الداخلية وأغنت تجربته الأدبية. لذلك فإن محاولة امتلاكه قوميًّا من أي جهة لا تخدم كافكا، وإنما تختزله. فكافكا، في النهاية، أكبر من أن يكون ملكًا لقومية واحدة.

الكتابة بوصفها خلاصًا

كانت الكتابة بالنسبة إلى كافكا أكثر من ممارسة أدبية؛ كانت محاولة للوجود. فعندما كان يكتب، لم يكن يهرب من عذاباته فحسب، بل كان يحاول أن يمنحها شكلًا يمكن احتماله. ومن هنا جاءت يومياته ورسائله ونصوصه السردية باعتبارها امتدادًا لحياة داخلية شديدة القلق. وقد أصبحت يومياته مصدرًا مهمًا لفهم عالمه، لأنها تكشف ذلك الصراع المتواصل بين الإنسان وذاته، وبين الرغبة في الانتماء والرغبة في العزلة، وبين البحث عن المعنى والإحساس باستحالة الوصول إليه. وهنا تظهر إحدى السمات المهمة في كتابة كافكا: التكرار. فهو يعود إلى التجربة نفسها، ثم يعيد النظر فيها من زاوية أخرى، وكأنه يدور حول جرح لا يستطيع النفاذ إلى مركزه. وهذا ما التقطه جبرا إبراهيم جبرا في قراءته لكافكا، حين رأى أن الكاتب يعيد وصف التجربة أكثر من مرة، لا لأنه عاجز عن التعبير عنها، وإنما لأنه يحاول في كل مرة الاقتراب أكثر من حقيقتها. إن التكرار عند كافكا ليس تكرارًا ساكنًا؛ إنه حركة دائرية تنتج اختلافًا. فكل عودة إلى التجربة تكشف طبقة جديدة منها. ولهذا يمكن القول إن دائرة كافكا ليست دائرة مغلقة تمامًا، بل حلزون نفسي يصعد وينزل حول مركز واحد: الإنسان الباحث عن ذاته.

الأب... السلطة الأولى

   إذا كان عالم كافكا الأدبي يعج بالسلطات الغامضة، فإن السلطة الأولى التي واجهها كانت سلطة الأب. لقد تركت علاقته بوالده أثرًا عميقًا في تكوينه النفسي والأدبي، وظهرت هذه العلاقة بصورة خاصة في «رسالة إلى الوالد» وفي قصة «الحكم». لم يكن الأب بالنسبة إلى كافكا مجرد شخصية عائلية؛ لقد تحول في وعيه إلى صورة للسلطة التي لا يستطيع الابن تفسير أحكامها أو الإفلات منها. وهنا يمكن أن نفهم شيئًا جوهريًا في عالم كافكا: السلطة لا تحتاج دائمًا إلى أن تشرح نفسها. إنها تفرض وجودها، ثم تجعل الإنسان يبحث عن سبب خضوعه لها. وهذه الفكرة ستتضخم لاحقًا في «المحاكمة» و«القلعة»، حيث يجد الإنسان نفسه أمام نظام لا يستطيع فهمه، وقانون لا يعرف مصدره، وسلطة لا يستطيع الوصول إليها. ومن هنا فإن العلاقة بين الأب و«المحاكمة» ليست مجرد تشابه عابر، بل يمكن قراءتها باعتبارها انتقالًا من السلطة العائلية إلى السلطة الاجتماعية والمؤسسية.

 المحاكمة... الإنسان أمام سلطة بلا وجه

  تُعد «المحاكمة» واحدة من أكثر أعمال كافكا قدرة على اختزال مأزق الإنسان الحديث. يجد جوزيف ك. نفسه متهمًا دون أن يعرف طبيعة التهمة، ويدخل في شبكة من الإجراءات والمؤسسات دون أن يصل إلى حقيقة القضية. وهنا لا تكمن المأساة في وجود محكمة فحسب، بل في أن الإنسان لا يستطيع حتى معرفة القاعدة التي يحاكم بموجبها. إنها سلطة بلا وجه. وكلما حاول الإنسان الاقتراب من الحقيقة، وجد نفسه داخل متاهة جديدة. وهذا هو جوهر الكافكائي: أن يتحول النظام الذي يفترض أن يحمي الإنسان إلى متاهة تبتلعه، وأن تصبح الإجراءات أهم من الإنسان، وأن يتحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى قوة غامضة يصعب الوصول إلى مركزها.

المسخ... حين يفقد الإنسان صورته

    وفي «المسخ» يبلغ اغتراب الإنسان ذروة رمزية شديدة القوة. يستيقظ غريغور سامسا ذات صباح ليجد نفسه قد تحول إلى مخلوق حشري ضخم. لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تحول إلى حشرة؟ بل: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد وظيفته الاجتماعية؟ قبل التحول كان غريغور ابنًا نافعًا، يعمل ويعيل أسرته. وبعد التحول يصبح عبئًا. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: لم تتغير قيمته الإنسانية في جوهره، لكن نظرة الآخرين إليه تغيرت. فالمجتمع لا يرى الإنسان دائمًا باعتباره إنسانًا، وإنما قد يراه من خلال قدرته على الإنتاج والمنفعة. ومن هذه الزاوية تصبح «المسخ» ليست قصة عن حشرة، وإنما عن إنسان جرى تجريده من إنسانيته عندما فقد وظيفته الاجتماعية.

كافكا والاغتراب

   لم يكن اغتراب كافكا نابعًا من عامل واحد. كان هناك اغتراب عن الأب، واغتراب عن الأسرة، واغتراب عن المجتمع، واغتراب عن الهويات المتصارعة من حوله، ثم اغتراب أعمق عن الذات نفسها. كان يعيش في براغ، ويكتب بالألمانية، وينتمي إلى الأقلية اليهودية، ويعيش في فضاء ثقافي تتقاطع فيه المصالح القومية، واللغوية، والدينية، والاجتماعية. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة في يومياته عن صعوبة العثور حتى على القواسم المشتركة بينه وبين ذاته. لقد أصبح الإنسان عند كافكا غريبًا ليس فقط عن العالم، بل عن نفسه أيضًا. وهذا هو المستوى الذي يجعل تجربته تتجاوز زمنه.

لماذا ما زال كافكا حيًا؟

   لقد أصبح كافكا بعد موته أكثر حضورًا مما كان في حياته. وقد لعب صديقه ماكس برود دورًا حاسمًا في ذلك، إذ رفض تنفيذ وصية كافكا التي طلب فيها إحراق مخطوطاته، ونشر بعد وفاته أعمالًا أساسية مثل «المحاكمة» و«القلعة» و«أمريكا». ومن المفارقات الكبرى أن الكاتب الذي لم يكن يريد أن تتحول كتاباته غير المنشورة إلى إرث عام، أصبح واحدًا من أكثر الأدباء تأثيرًا في القرن العشرين. لكن بقاء كافكا لا يعود إلى مخالفة برود لوصيته وحدها. إنما يعود إلى أن كافكا استطاع أن يلتقط شيئًا دائمًا في الإنسان. فالإنسان الذي يبحث عن باب ولا يجده، والذي يقف أمام مؤسسة لا يفهم لغتها، والذي يشعر بأن هناك حكمًا صدر بحقه دون أن يعرف التهمة، والذي يتحول في نظر الآخرين إلى مجرد وظيفة أو رقم أو ملف؛ هذا الإنسان لم يعد شخصية في رواية كافكا وحدها. إنه إنسان العصر الحديث. ولهذا لم تعد «المحاكمة» مجرد رواية عن جوزيف ك.، ولم تعد «القلعة» مجرد حكاية عن موظف يحاول الوصول إلى سلطة غامضة، ولم تعد «المسخ» مجرد قصة عن رجل تحول إلى حشرة. لقد أصبحت هذه الأعمال مرايا. وكل عصر يرى نفسه فيها.

كافكا... من العبث إلى سؤال الإنسان

   ربما كان الخطأ الأكبر في قراءة كافكا هو اختزاله في التشاؤم والعبث والسوداوية. صحيح أن عالمه قاتم، وأن شخصياته تواجه قوى مجهولة، وأن الموت والمرض والعزلة والذنب حاضرة بقوة في كتاباته، لكن كافكا لم يكن يصف العبث لمجرد الاحتفاء بالعبث. كان يبحث، من خلاله، عن الإنسان. وهنا تكمن عظمته. لقد وضع الإنسان في مواجهة عالم لا يمنحه إجابات جاهزة، وأجبره على أن يسأل: من أنا؟ لماذا أخضع؟ من يصنع القانون؟ أين تكمن حريتي؟ وهل يمكن للإنسان أن يجد معنى في عالم لا يقدم له المعنى بسهولة؟ ومن هذه الزاوية يصبح كافكا واحدًا من كبار ممهدّي الطريق أمام الأدب الوجودي، حتى لو لم يكن من الدقة اختزاله في مدرسة فلسفية واحدة. لقد كان يكتب عن الإنسان وهو يحاول تفادي حياة أشد قسوة من الموت، ثم يكتشف أن الموت نفسه جزء من هذه المتاهة. ولذلك ظل كافكا حيًا. ليس لأنه كان كاتبًا غريبًا، بل لأنه استطاع أن يجعل غرابة الإنسان عن نفسه موضوعًا للأدب. وربما لهذا السبب تحديدًا لا ينبغي أن نبحث عن كافكا في هوية قومية ضيقة، ولا أن نحوله إلى ملكية ثقافية لدولة ظهرت بعد موته، بل أن نعيده إلى المكان الذي ينتمي إليه حقًا: إلى الأدب العالمي، وإلى الإنسان. فكافكا لم يكن إسرائيليًا بالمعنى السياسي الحديث، ولم يكن ألمانيًا بالمعنى القومي البسيط، ولم يكن تشيكيًا بالمعنى القومي الذي نستخدمه اليوم. كان ابن زمن مضطرب، وكاتبًا ألماني اللغة، ويهوديًا من براغ، وإنسانًا حمل داخله صراع أوروبا الوسطى كلها. ولهذا بقي أكبر من حدود الهوية. إن كافكا لم يكتب عن وطن بعينه بقدر ما كتب عن الإنسان حين يجد نفسه غريبًا في وطنه، وغريبًا في مجتمعه، وغريبًا حتى عن ذاته.

وهنا تكمن عبقريته.

  فإذا كان «الكافكائي» قد أصبح وصفًا لعالم تتحول فيه المؤسسات إلى متاهات، والسلطة إلى لغز، والإنسان إلى ملف، فإن كافكا نفسه تحول إلى ما هو أبعد من كاتب: ستحول إلى مرآة يرى الإنسان الحديث فيها خوفه، واغترابه، وعجزه، ومحاولته المستمرة للعثور على معنى.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه