قصة البيت الذي بقي

 

قصة البيت الذي بقي

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

لم تكن مريم تعرف متى بدأ البيت يتسع.

كانت تتذكر أنه كان صغيرًا حين دخلته عروسًا، وأنها يومها لم ترَ فيه شيئًا ينقصه. غرفة لها ولزوجها يوسف، مطبخ ضيق، نافذة تطل على الشارع، وساحة صغيرة لا تتسع إلا لشجرة وحيدة وبعض أصص الزهور. كان ذلك كافيًا.

ففي ذلك العمر لم يكن البيت يحتاج إلى أكثر من قلبين يتعلمان كيف يعيشان معًا.

كان يوسف قد عاد لتوه من الجامعة، وكانت مريم قد أنهت دراستها أيضًا. لم يكونا يملكان كثيرًا، لكنهما كانا يملكان شيئًا بدا لهما يومها أهم من المال كله: اعتقادًا بسيطًا بأن الحياة المقبلة ستكون أوسع من حياتهما الماضية.

ثم جاء الطفل الأول.

وفجأة أصبح للبيت صوت جديد.

ثم جاء الثاني، فصار للصوت صدى.

ثم الثالث، فصار الصباح يبدأ قبل أن تفتح الشمس عينيها.

ثم الرابع، فلم تعد مريم تعرف أين ينتهي صوت طفل ويبدأ صوت آخر.

كان البيت الذي بدا صغيرًا في البداية قد امتلأ بالحياة.

ولم تعد مريم تسمع الصمت.

كان يوسف يعود من عمله متعبًا، فيفتح الباب بحذر، كأنه لا يريد أن يوقظ أحدًا، لكنه سرعان ما يسمع صراخًا يأتي من إحدى الغرف، وضحكة من الغرفة الأخرى، وخطوات صغيرة تركض في الممر. فتظهر مريم من المطبخ، وقد علقت على كتفها منشفة، وعلى وجهها آثار يوم طويل.

يسألها:

هل أكل الأولاد؟

فتجيبه:

أكلوا.

ودروسهم؟

انتهوا منها.

ينظر إليها قليلًا.

وأنتِ؟

تبتسم.

أنا أيضًا أكلت.

وكان يعرف أنها تكذب.

لم تكن مريم تعرف كيف تجلس إلى مائدة الطعام قبل أن تطمئن إلى أن الجميع قد أكل. كانت الأمومة عندها شيئًا لا يُفعل، بل شيئًا يُعاش.

كبر الأولاد.

كبر البيت معهم.

صار لكل واحد منهم سريره، وكتبه، وملابسه، وأحلامه الصغيرة.

وكانت مريم تعرف أحلامهم أكثر مما يعرفونها هم.

كانت تريد أن تراهم في أعلى المراتب.

لا من أجل الناس، ولا من أجل أن تتباهى بهم أمام الآخرين، وإنما لأنها كانت ترى نجاحهم تعويضًا عن كل تعب مرّ بها.

كانت تسهر إلى جانبهم في أيام الامتحانات.

تستيقظ قبلهم.

تراجع معهم.

تغضب حين يهمل أحدهم دروسه، ثم تبكي وحدها إذا رأت التعب في عينيه.

وكان يوسف يقول لها:

اتركي لهم شيئًا من حياتهم.

فتجيبه:

حياتي هي حياتهم.

كان يسكت.

لم يكن يعرف أن الجملة سترافقها حتى آخر الطريق.

مرت السنوات.

تخرج الأول.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

ثم الرابع.

اثنان أصبحا طبيبين، والثالث اختار الجامعة والتدريس، أما الرابع فصار مهندسًا.

في اليوم الذي علقت فيه الشهادة الرابعة على جدار البيت، وقفت مريم أمامها طويلًا.

وضعت يدها على صدرها.

ثم ابتسمت.

قال يوسف:

الآن انتهى التعب.

التفتت إليه.

انتهى؟

ضحك:

ماذا بقي؟

قالت:

بقي أن أراهم سعداء.

لم يجادلها.

لكنه أدرك يومها أن الأم التي قضت عمرها وهي تفتح لأبنائها الأبواب، بدأت دون أن تشعر تخشى اليوم الذي سيغلقون فيه أبوابهم خلفهم.

ثم جاء السفر.

في البداية لم يكن السفر مخيفًا.

قال الابن الأول:

سأذهب فترة قصيرة.

قال الثاني:

سأعمل وأعود.

قال الثالث:

الجامعة هناك أفضل.

وقال الرابع:

لن أبقى طويلًا.

كانت مريم تسمع الجملة الأخيرة من كل واحد منهم:

سأعود.

كانت تلك الكلمة تكفيها.

لم تكن تعرف أن الإنسان حين يغادر بيته للمرة الأولى، لا يحمل حقيبته وحدها؛ يحمل معها جزءًا من البيت، ويترك خلفه جزءًا لا يعرف كيف يسترده.

في صباح سفر الابن الأول، وقفت مريم عند الباب.

كان يحمل حقيبته.

أوصته كثيرًا.

ثم أعادت الوصايا نفسها.

ثم قالت:

انتبه إلى نفسك.

ضحك:

أمي، سأكون بخير.

ثم قبّل رأسها.

غادر.

بقيت واقفة.

اختفى من نهاية الشارع.

لم تتحرك.

جاء يوسف من خلفها.

مريم.

لم تجبه.

سيعود.

قالت وهي تنظر إلى الطريق:

أعرف.

ثم أغلقت الباب.

في اليوم التالي فتحت غرفة ابنها.

كان السرير مرتبًا.

كتبه في مكانها.

قميصه معلّقًا خلف الباب.

اقتربت منه، ولمسته.

دخل يوسف.

قال:

اتركي الغرفة.

نظرت إليه.

لماذا؟

كي نستفيد منها.

حدقت فيه طويلًا.

نستفيد منها؟

ثم أغلقت الباب.

لم يفهم يوسف يومها أن الغرفة لم تعد غرفة.

لقد أصبحت مكانًا للانتظار.

بعد أشهر سافر الثاني.

ثم الثالث.

ثم الرابع.

وفي كل مرة كان المشهد يتكرر:

حقيبة.

وصايا.

دموع تحاول مريم أن تخفيها.

دعاء عند الباب.

ثم طريق طويل يبتلع واحدًا من أبنائها.

وبعد السفر الرابع، لم يعد البيت كما كان.

كانت الغرف الأربع موجودة.

لكن أصحابها لم يعودوا.

وصار الصمت، الذي كانت مريم قد نسيته لسنوات، يدخل البيت من كل جهة.

في الحديقة كانت هناك شجرة زرعتها مريم يوم ولد ابنها الأول.

كبرت الشجرة مع الأولاد.

وحين أصبحوا أربعة، وضعت حولها أربع حجارة صغيرة، وكتبت على كل حجر حرفًا من اسم أحدهم.

كانت تسقيها كل صباح.

قال يوسف ذات يوم:

إنها كبيرة الآن، لا تحتاج إلى كل هذا الماء.

قالت:

أعرف.

جذورها عميقة.

أعرف.

فلماذا تسقينها بهذه الكثرة؟

نظرت إليه.

وقالت:

أنا التي أحتاج.

فهم يوسف.

ومنذ ذلك اليوم لم يعد يسألها عن الشجرة.

بدأت مريم تسافر إليهم.

كانت تقول:

الأولاد بعيدون.

وكأن البعد مرض يحتاج إلى دواء.

ذهبت إلى الأول.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

ثم الرابع.

كانت تدخل بيوتهم الجديدة وهي سعيدة.

ترى أحفادها.

تلتقط الصور.

تضحك.

تطبخ لهم بعض ما كانوا يحبونه في بيتها.

لكنها كانت تلاحظ شيئًا لا تريد الاعتراف به.

أبناؤها لم يعودوا أولئك الأطفال الذين كانوا يركضون في الممر.

صار لكل واحد منهم عالمه.

عمله.

زوجته.

أطفاله.

أصدقاءه.

ومواعيده.

وحياة كاملة لا تدور حول الأم.

لم تكن تلك خيانة.

كانت الحياة.

لكن قلب الأم لا يفهم دائمًا ما يفهمه العقل.

عادت مريم من إحدى سفراتها وجلست قرب النافذة.

قال يوسف:

كيف كانوا؟

ابتسمت.

بخير.

وأنت؟

سكتت.

ثم قالت:

بخير.

كان يوسف يعرف أنها لم تكن كذلك.

قال:

علينا أن نتعلم أن نعيش لأنفسنا.

التفتت إليه.

وهل نسيت لماذا عشنا كل تلك السنوات؟

لم أنسَ.

إذن لماذا تريد مني أن أتوقف؟

قال:

لا أريدك أن تتوقفي عن حبهم.

ثم اقترب منها.

أريدك فقط ألا تجعلي انتظارهم يلتهم ما بقي من حياتك.

غضبت.

أنت لا تفهم.

قال بهدوء:

ربما.

ثم أضاف:

لكنني أخاف عليك.

مع مرور الوقت، صار الهاتف أهم قطعة أثاث في البيت.

كانت مريم تضعه إلى جانبها.

إذا رنّ، ارتجف قلبها.

وإذا لم يرن، كانت تنظر إليه كأنها تنتظر منه تفسيرًا.

كانت أحيانًا تستيقظ في منتصف الليل.

تذهب إلى الصالة.

تتأكد من وجود الهاتف.

ثم تعود إلى سريرها.

وفي صباح أحد الأيام قالت ليوسف:

أظن أن الهاتف لا يعمل.

ضحك.

يعمل.

إذن لماذا لا يرن؟

لم يجد جوابًا.

بدأ النسيان يأتي ببطء.

في البداية كان شيئًا صغيرًا.

تنسى أين وضعت المفاتيح.

تبحث عن نظارتها وهي ترتديها.

تضع السكر في الشاي مرتين.

ثم تنسى أنها وضعته.

كان يوسف يحاول أن يجعل الأمر مادة للضحك.

قال لها:

يبدو أن ذاكرتك بدأت تأخذ إجازة.

فضحكت.

لكن الضحك لم يكن يخفي خوفه.

ثم أصبح النسيان أكثر جرأة.

بدأت مريم تنسى أسماء الأشياء.

ثم أسماء الأماكن.

ثم بعض الوجوه.

وأحيانًا كانت تنظر إلى يوسف طويلًا قبل أن تسأله:

هل أعرفك؟

كان السؤال يمر في قلبه مثل سكين بطيئة.

لكنه كان يبتسم.

ربما.

فتضحك.

كانت هناك أيام تصبح فيها مريم حزينة بلا سبب.

وأيام أخرى تستيقظ فيها مفعمة بالحياة، تتحدث بسرعة، وتخطط للسفر، وتقول إنها ستجمع أبناءها الأربعة في البيت.

كانت تفتح الخزائن.

تخرج الأطباق.

تعد الغرف.

وتقول:

سيأتون جميعًا هذه المرة.

كان يوسف يراقبها.

لم يكن يعرف أيهما أصعب:

أن يراها حزينة لأنها فقدت ما تريد،

أم أن يراها سعيدة لأنها لم تعد تعرف أن ما تريد لم يعد ممكنًا.

وفي أحد الأيام قالت له:

أريد أن أذهب إلى البيت.

قال:

نحن في البيت.

نظرت حولها.

كان الأثاث أمامها.

الصور على الجدران.

المكتبة.

الطاولة.

النافذة.

كل شيء في مكانه.

لكنها لم تعرفه.

هزت رأسها.

لا.

ماذا تقصدين؟

قالت:

بيتنا الحقيقي.

سألها:

وأين هو؟

أشارت إلى النافذة.

هناك.

نظر يوسف.

لم يرَ شيئًا.

أما هي، فرأت.

رأت بيتًا قديمًا.

رأت أربعة أطفال.

رأت شجرة.

رأت نفسها شابة.

ورأت رجلًا يقف عند الباب.

كان يوسف.

لكن يوسف الذي رأته لم يكن الرجل الجالس أمامها الآن.

كان الشاب الذي أحبته ذات يوم.

بعد ذلك بدأت النوافذ الأربع تظهر في حياتها.

كانت تقف أمامها كل صباح.

تفتح الأولى.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

ثم الرابعة.

وكان يوسف يسأل:

ماذا تفعلين؟

فتقول:

أفتح لهم الطريق.

لمن؟

تنظر إليه باستغراب.

للأولاد.

لم يكن يصحح لها.

ترك النوافذ تتحدث نيابة عنها.

وفي يوم ممطر، جلست مريم قرب النافذة.

جلس يوسف إلى جوارها.

أمسك يدها.

قالت:

يوسف؟

رفع رأسه بسرعة.

كان اسمُه قد أصبح نادرًا في ذاكرتها.

نعم؟

قالت:

هل كنت أحبك؟

تألم.

لكنه ابتسم.

نعم.

كثيرًا؟

قال:

بما يكفي.

بما يكفي ماذا؟

نظر إلى يديهما.

بما يكفي لأن تبقي معي كل هذه السنوات.

سكتت.

ثم قالت:

وأنا؟ هل أحببتك؟

قال:

أكثر مما تستطيع ذاكرتك الآن أن تتذكر.

ابتسمت.

وضغطت على يده.

في تلك الليلة أخرج يوسف من خزانة قديمة صورة زفافهما.

كانا شابين.

وجهها لم يكن يحمل كل تلك السنوات.

ووجهه لم يكن يعرف بعد معنى أن يشيب الإنسان إلى جوار امرأة أحبها.

وضع الصورة أمامه.

ثم أخرج صور الأبناء الأربعة.

رتبها واحدة إلى جانب الأخرى.

ظل ينظر إليها.

وفكر:

لقد أعطتها الحياة أربعة أبناء كي تحبهم.

ثم أعطتها أربعة أبناء كي تتعلم كيف تتركهم يرحلون.

ثم أخذ منها الذاكرة، كأن الحياة أرادت أن تخفف عنها وطأة الفقد.

أما هو، فقد أبقت له الذاكرة.

ليتذكر عنها.

في الصباح كانت مريم مستيقظة.

قالت:

يوسف.

نعم؟

أين البيت؟

هذه المرة لم يستطع أن يجيب بسرعة.

كان يستطيع أن يقول اسم الشارع.

أن يصف لها الغرف.

أن يشير إلى الباب.

لكنه أدرك أن كل تلك الإجابات لا تعني شيئًا.

اقترب منها.

أمسك يدها.

وقال:

هنا.

نظرت إلى يده.

ثم إلى وجهه.

هنا أين؟

قال:

حيث أنا.

ظلّت تنظر إليه.

ثم ابتسمت.

بعد أيام جاء الأبناء الأربعة.

دخلوا البيت واحدًا بعد الآخر.

كانوا رجالًا الآن.

اثنان منهم طبيبان.

والثالث أستاذ جامعي.

والرابع مهندس.

وقفوا أمام أمهم.

كانت تنظر إليهم كما ينظر الإنسان إلى صورة يحاول أن يتذكر أين رآها.

اقترب الأول.

أمي.

لم تعرفه.

اقترب الثاني.

ثم الثالث.

ثم الرابع.

كانت عيناها تتحرك بين وجوههم.

ثم رفعت يديها.

ضمّتهم.

لم تقل أسماءهم.

لم تتذكر شهاداتهم.

لم تتذكر طفولتهم.

لكن الدموع نزلت من عينيها.

قال أحدهم:

أمي...

وضعت يدها على وجهه.

ثم قالت:

لا أعرفك.

ساد الصمت.

ثم أضافت:

لكنني أشعر أنني أحبك.

لم يستطع أحد أن يتكلم.

بعد أن غادر الأبناء، بقي يوسف ومريم وحدهما.

نظر يوسف إلى النوافذ الأربع.

ثم قال:

عادوا.

سألته:

من؟

أبناؤك.

فكرت قليلًا.

ثم قالت:

وهل كانوا سعداء؟

نعم.

ابتسمت.

وقالت:

إذن دعهم يذهبون.

نظر إليها.

كانت الجملة غريبة على امرأة أمضت نصف عمرها تنتظر عودتهم.

ثم أضافت:

لا أريدهم أن يخافوا من الرحيل.

سكت يوسف طويلًا.

شعر أن المرأة التي عاش معها العمر كله قد عادت للحظة واحدة.

لكنها لم تعد بذاكرتها.

عادت بحكمتها.

في تلك الليلة فتح يوسف النافذة.

دخل الهواء.

تحرك الستار.

قالت مريم:

لماذا فتحتها؟

قال:

كي يدخل شيء من الخارج.

ابتسمت.

وهل هذا بيتنا؟

نظر إليها.

ثم قال:

الآن فقط.

في صباح اليوم التالي خرج يوسف إلى الحديقة.

وقف أمام الشجرة القديمة.

كانت قد كبرت كثيرًا.

اقترب من الحجارة الأربع.

مرر أصابعه عليها.

لم تعد الحروف واضحة.

مسح عنها التراب.

ثم سقى الشجرة.

وقف طويلًا.

لم يكن يسقيها لأن الشجرة تحتاج الماء.

كان يفعل ما كانت مريم تفعله.

ربما لأنها كانت قد تركت شيئًا منها هناك.

عاد إلى البيت.

وجد مريم جالسة قرب النافذة.

كان أمامها ألبوم الصور.

قال:

ماذا تفعلين؟

قالت:

أبحث عن شيء.

جلس إلى جوارها.

ماذا تبحثين؟

أشارت إلى الصور.

هؤلاء.

سألها:

من هم؟

قالت:

لا أعرف.

ثم وضعت يدها على قلبها.

لكنهم كانوا هنا.

لم يسألها أين.

كان يعرف.

مر وقت طويل دون كلام.

ثم قالت:

يوسف.

نعم؟

هل كنت سعيدة؟

فكر قليلًا.

ثم قال:

كنتِ مشغولة بالسعادة، فلم يكن لديك وقت لتعرفي أنك سعيدة.

ضحكت.

ضحكة صغيرة.

ثم أغمضت عينيها.

في تلك اللحظة فهم يوسف شيئًا ظل بعيدًا عنه سنوات طويلة.

كان يظن أن البيت هو المكان الذي يجتمع فيه الجميع.

ثم ظن أن البيت هو المكان الذي يعود إليه الأبناء.

ثم ظن أن البيت هو المكان الذي تحفظ فيه الصور والشهادات والذكريات.

لكنه أدرك الآن أن البيت أعمق من ذلك كله.

البيت هو الإنسان الذي تستطيع أن تنسى العالم كله وأنت إلى جواره، ولا تخاف.

كان المساء ينزل ببطء.

أربع نوافذ في البيت.

أربع غرف لم يعد أصحابها يسكنونها.

أربع صور لأبناء أصبح لكل واحد منهم وطن آخر.

وشجرة تحمل أربعة أسماء بدأت الحروف فيها تمحوها السنون.

ومع ذلك لم يشعر يوسف أن البيت فارغ.

كانت مريم إلى جواره.

وقد فقدت كثيرًا من الأشياء.

فقدت أسماء.

ووجوهًا.

وتفاصيل.

وسنوات كاملة.

لكنها لم تفقد إحساسها بيده.

في صباح اليوم التالي، كانت مريم تنظر إلى الصور الأربع.

سألها يوسف:

هل تعرفينهم؟

هزت رأسها.

لا.

هل تحبينهم؟

وضعت يدها على قلبها.

لا أعرف.

ثم التفتت إليه.

وأمسكت يده.

وقالت:

لكنني أعرف هذا.

نظر يوسف إلى يدها فوق يده.

ولم يسألها ماذا تعرف.

كان يعرف.

بعد قليل أغلقت مريم عينيها.

بقي يوسف إلى جانبها.

لم يعد ينتظر مكالمة.

لم يعد ينتظر عودة الأبناء.

لم يعد ينتظر أن تستعيد ذاكرتها.

لقد فهم أخيرًا أن الانتظار نفسه يمكن أن يصبح سجنًا، وأن الحب حين يتحول إلى انتظار دائم قد يؤذي من نحبه ومن نحب أنفسنا.

أما أبناؤه، فلم يكونوا قد سرقوا منهم الحياة.

لقد عاشوا كما أرادت لهم أمهم أن يعيشوا.

نجحوا.

كبروا.

غادروا.

وبنوا بيوتهم.

وكان عليهم الآن أن يتركوا لهم حق الرحيل.

رفع يوسف عينيه نحو النوافذ الأربع.

كانت مضاءة بضوء المساء.

فكر في مريم.

في الفتاة التي دخلت هذا البيت قبل عشرات السنين.

في الأم التي ملأت غرفه بالأطفال.

في المرأة التي علقت شهاداتهم على الجدران.

في الزوجة التي انتظرت أبناءها حتى صار الانتظار وطنًا.

وفي المرأة التي أخذ منها النسيان أسماءهم، لكنه لم يستطع أن يأخذ الحب الذي زرعته فيهم.

ثم قال بصوت خافت:

ربما أخطأنا حين ظننا أن علينا أن نحتفظ بمن نحب.

توقف.

ربما يكفي أن نترك لهم منّا شيئًا جميلًا، ونتركهم يذهبون.

نظر إلى مريم.

كانت ساكنة.

فأضاف:

لا أريد أن أخلّد نفسي في أحد.

ثم ابتسم.

يكفيني أن أكون قد مررت في حياتك، وبقيتِ أنتِ في حياتي.

هبّت الريح.

تحركت ستارة النافذة.

ومن الحديقة جاءت رائحة الشجرة.

فتح يوسف الباب.

لم ينتظر أحدًا.

تركه مفتوحًا.

ليس لأن أحدًا كان عائدًا.

بل لأن الأبواب، مثل القلوب، لا ينبغي أن تبقى مغلقة بسبب من رحل.

جلس إلى جانب مريم.

أمسك يدها.

وبقي هناك.

وفي آخر الليل، كان البيت صامتًا.

لكن صمته لم يكن صمت البيت القديم.

كان صمتًا يشبه السلام.

غرف الأبناء الأربع كانت فارغة.

لكنها لم تكن مهجورة.

كانت تسكنها أصوات بعيدة لا يسمعها أحد سواهما.

ضحكة طفل.

صوت كتاب يُفتح.

خطوات صغيرة في الممر.

باب يُغلق.

وحقيبة تُحمل.

ثم صوت مريم وهي تقول:

انتبه إلى نفسك.

نامت مريم.

وبقي يوسف مستيقظًا.

ظل ممسكًا بيدها.

كان يعرف أنها قد لا تعرف غدًا من هو.

وقد لا تعرف بعد غدٍ أين هي.

وقد يأتي يوم لا تتذكر فيه شيئًا من البيت.

لكنه لم يعد يخاف.

فقد أدرك أن الإنسان لا يختفي حين تنساه الذاكرة.

وأن الحب لا يحتاج دائمًا إلى اسم.

وأن بعض الذكريات لا تحفظها الرؤوس، بل تحفظها القلوب.

كان البيت لا يزال هناك.

الشجرة لا تزال هناك.

النوافذ الأربع لا تزال هناك.

والباب بقي مفتوحًا.

أما الأبناء، فقد حمل كل واحد منهم شيئًا من ذلك البيت إلى مكان بعيد.

ولم تكن مريم تعرف أين ذهبوا.

لكنها، في مكان عميق لا يصل إليه النسيان، كانت تعرف أنهم بخير.

وربما كان ذلك كل ما كانت تحتاج إليه.

وهكذا، حين بدأ البيت يفقد أصواته، لم يصبح فارغًا.

وحين بدأت مريم تفقد ذاكرتها، لم تصبح خالية.

وحين ابتعد الأبناء، لم ينتهِ الحب.

فبعض البيوت لا تسكنها الجدران.

وبعض الذاكرة لا تسكن الرأس.

وبعض الذين نحبهم لا يحتاجون إلى أن يعودوا كي يبقوا.

يكفي أنهم أخذوا شيئًا منا معهم.

ويبقى شيء آخر...

شيء لا يهاجر.

لا يمرض.

لا ينسى.

ولا يموت.

الحب.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه