قصة من خيالي (حين يصبح البحر نافذة للروح)
قصة من خيالي (حين يصبح
البحر نافذة للروح)
بقلم الناقد عدنان مهدي
الطائي
جلست أمام البحر في آخر
النهار، لا تبحث عن شيء محدد، ولا تنتظر أحدًا. كانت تريد فقط أن تبتعد قليلًا عن
كل ما اعتادت أن تسمعه في داخلها. وضعت الكتاب أمامها، وأمسكت القلم، لكنها لم
تكتب. بقيت تنظر إلى الأفق وكأنها تحاول أن ترى ما وراءه. كانت الشمس
تنزل ببطء، وتترك خلفها طريقًا من الضوء فوق الماء. لم يكن المشهد يحتاج إلى
تفسير. أحيانًا تكون الأشياء أجمل عندما نتركها كما هي، من دون أن نحاول أن نعطيها
معنى جاهزًا. رفعت عينيها إلى الطيور التي تعبر السماء. فكرت
أن الطائر لا يسأل أين ينتهي البحر، ولا لماذا يطير، ولا ماذا سيحدث له عندما يصل
إلى المكان الذي يقصده. إنه يواصل طريقه لأن جناحيه يسمحان له بذلك. أما الإنسان،
فيحتاج دائمًا إلى سبب كي يتحرك، وإلى إجابة كي يطمئن. نظرت إلى الصفحة البيضاء أمامها. كانت هناك كلمات كتبتها في وقت سابق،
لكنها بدت الآن بعيدة عنها. اكتشفت أن الإنسان قد يكتب كثيرًا عن الحياة، ثم تأتي
لحظة واحدة يشعر فيها أن الحياة نفسها هي التي تكتب داخله. أمسكت فنجان القهوة وتركت دفئه يستقر في يديها. لم تكن القهوة هي التي
تحتاج إليها، بل تلك اللحظة الصغيرة التي تمنحها فرصة لأن تتوقف. فالإنسان لا يتعب
دائمًا من العمل، وإنما يتعب أحيانًا من الاستمرار في التفكير.
في الجهة الأخرى من الماء كانت المدينة تستعد
لدخول الليل. بدأت الأضواء تظهر شيئًا فشيئًا، وكأن النهار يسلّم المدينة إلى
الليل من دون مقاومة. تأملت المشهد طويلًا، وفهمت أن الأشياء لا تختفي عندما تغيب،
وإنما تتغير صورتها فقط. تذكرت أشخاصًا مروا في حياتها ثم ابتعدوا. بعضهم ترك أثرًا
جميلًا، وبعضهم ترك سؤالًا لم تجد له جوابًا. لكنها لم تعد تريد أن تستعيد أحدًا.
أدركت أن بعض العلاقات تنتهي ليس لأن الحب مات، بل لأن الطريق الذي جمع شخصين لم
يعد يؤدي إلى المكان نفسه. فتحت الكتاب مرة أخرى، وكتبت جملة واحدة: "ربما لا نحتاج إلى أن
نجد طريقًا جديدًا، بل نحتاج إلى أن نرى الطريق الذي نسير فيه بعيون مختلفة." توقفت قليلًا، ثم وضعت القلم جانبًا. لم تعد تشعر
بالحاجة إلى الكتابة. كان البحر أمامها أكثر قدرة على التعبير مما تستطيع الكلمات
أن تفعل. كان واسعًا، صامتًا، وممتدًا إلى مكان لا تستطيع العين الوصول إليه. ومع
ذلك لم تشعر أمامه بالضياع. شعرت بشيء يشبه الطمأنينة. عندما اختفت الشمس تمامًا، بقي أثرها في السماء. عندها فهمت أن الغياب
لا يعني دائمًا النهاية. هناك أشياء تغيب عن العين، لكنها تبقى في الذاكرة. وهناك
لحظات تنتهي، لكنها تترك في الإنسان شيئًا لا ينتهي. أغلقت الكتاب، وأطفأت المصباح الصغير إلى جواره، وبقيت تنظر إلى البحر. لم تكن تبحث عن إجابة. للمرة
الأولى، كانت راضية عن السؤال نفسه.
تعليقات
إرسال تعليق