قصة قصيرة (الحب الذي نسي الشيخوخة)

 

قصة قصيرة (الحب الذي نسي الشيخوخة)

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

كانت يداها ترتجفان قليلاً وهي تمسك بإبريق الشاي، لكنها أصرت على تقديم الشاي بنفسها. ستون عاماً من الزواج لم تغير عادتها في أن تخدمه أولاً.

"هاك يا حبيبي، شاي بالنعناع كما تحب."

ابتسم سامي، وخطوط وجهه العميقة احتضنت الابتسامة وكأنها صنعت خصيصاً لها. نظر إليها من فوق نظارته الطبية، تلك النظارة التي كان يرتديها منذ عشرين عاماً، وقال بصوته الخفيض الذي لم يفقد دفئه رغم السنوات:

"أتعلمين يا ليلى؟ كلما أنظر إليك، أرى تلك الفتاة التي وقفت تحت شجرة التوت في قريتنا، تختبئ من المطر."

ضحكت ليلى، ولفت طرف شالها الصوفي حول كتفيها. كانت الذاكرة تهدهدها كطفلة. "وأنت أيها الشقي، كنت تقف تحت الشجرة نفسها بانتظار المطر حتى ينتهي، فقط لتمشي معي إلى البيت."

"وكنت أتمنى أن يطول المطر لأطول وقت ممكن."

وضعت كأسها على الطاولة الخشبية التي حملت فوقها ستة عقود من الأطباق والأكواب والزهور المجففة، ومدت يدها نحو يده. لامست أصابعها أصابعه، تلك التي كانت قوية عندما أمسك بها في ليلة زفافهما، تلك التي زرعت معه الحديقة، تلك التي حملت أطفالهما، تلك التي مسحت دموعها في ليلة وفاة أمها.

"أتذكر حين مرضتِ في السنة الثالثة من زواجنا؟" همست. "كيف جلستَ بجانب سريري طوال الليل، ولم تنم، رغم أنك كنت تعمل في الحقل من الفجر."

"كنتُ خائفاً يا حبيبتي. خائفاً من فقدانك. ومنذ تلك الليلة عاهدتُ نفسي ألا أدع يوماً يمر دون أن أقول لك إني أحبك."

سكتا قليلاً، وصوت المطر يطرق النافذة بهدوء. تعاقبت الفصول خارج بيتهما الصغير، لكن دفء الحب بداخلهما كان دائماً على حاله.

"هل تذكر حين كنا في الأربعين، ويدانا متشابكتان، وقررنا أن نتعلم الرقص في غرفة المعيشة؟ كدنا نكسر الطاولة!" ضحك سامي حتى احمرت وجنتاه.

"وأنتَ يا عزيزي، دعست قدمي خمس مرات، لكنني استمررت في الرقص معك لأن عينيك كانت تضحك."

نظرتْ إليه للحظات. شعره الأبيض الناعم كالقطن، وعيونه التي شهدت ولادة أبنائها الاربعة  وحروباً وسلاماً، وشتاءً وصيفاً. كل ذلك كان محفوراً في نظراته، لكن النظرة التي يخصها بها وحدها ظلت شابة كأول يوم.

أخرج من جيب سترته الصوفية شيئاً صغيراً، ووضعه في كفها المغضن لكنه الدافئ. كان خاتماً بسيطاً، عليه نقش صغير لشجرة توت.

"وجدته في السوق القديم، قبل شهر. تذكرتٍ يوم وقفتٍ تحت الشجرة، خائفاً من أن ترفضيني."

رفعت ليلى الخاتم إلى الضوء، ودمعت عيناها. وضعته في إصبعها الذي تزينه التجاعيد مثل خريطة حياة طويلة، بجانب خاتم الزواج البسيط الذي لم تخلعه منذ ستين عاماً.

"يا سامي، بعد كل هذه السنوات، مازلت تهتم بأن تفاجئني؟"

"كل يوم يا حبيبتي، كل يوم اكتشف فيك شيئاً جديداً. وكما ينمو التوت في كل موسم، حبي لك ينمو كل صباح عندما تفتحين عينيك."

أحنت رأسها على كتفه، واستنشقت رائحته التي عرفتها منذ كانت في الثامنة عشرة.  رائحة الصبر والحب والدفء.

قالت بصوت يكاد يختفي في خرير المطر:

"هل تعلم ما هو أجمل شيء في الثمانين؟"

"ماذا؟"

"أنني مازلت أنظر إليك وكأنك ذلك الفتى الوسيم الذي انتظر المطر من أجلي."

ضمها إليه، وشعر برجفة خفيفة في جسدهما معاً، ليس من البرد، بل من دفء ستين عاماً من الحب، وهو يعانق اليوم الثمانين، ويمتد كشجرة توت عريقة، تمتد جذورها في أعماق الأرض، وتظلل كل من يأتي تحت ظلها.

في صباح اليوم التالي، أيقظتهما أشعة الشمس الذهبية التي تسللت من نافذة غرفتهما، كأنها تهمس لهما بأن فصلاً جديداً بدأ. نهض سامي بهدوء، وفتح النافذة على مصراعيها، فاندفع نسيم الصباح العليل يحمل رائحة التراب الرطب والياسمين من حديقتهما الصغيرة. استيقظت ليلى على صوت زقزقة العصافير التي بنت عشها فوق شجرة التوت في الفناء، تلك الشجرة التي زرعاها معاً في السنة الخامسة من زواجهما، والتي صارت اليوم عجوزاً مثلهما، لكنها كل ربيع تورق وتزهر بعنفوان.

مدت يدها نحو الفراش الآخر، لتجد دفء سامي لا يزال باقياً على الملاءات. فتحت عينيها برفق، ورأت منظراً لم تتعب منه كل هذه السنين: زوجها واقفاً عند النافذة، شعره الأبيض يلمع تحت خيوط الشمس، وهو يبتسم للعصافير وكأنه يتحدث إليها.

"ماذا تقول لها يا عزيزي؟" سألتْ بصوت ناعم مازال يحتفظ بنضارة الصباح رغم السنوات.

التفت إليها سامي، وسقطت نظارته على طرف أنفه، فنظر إليها من فوقها بتلك النظرة التي لم تتغير منذ ستين عاماً، نظرة الفتى الذي يرى فتاته لأول مرة.

"أقول لها إن هذا الصباح أجمل من كل الصباحات لأنكِ فيه معي."

ضحكت ليلى من قلبها، ذلك الضحك الذي رافق حياتهما كالنغمة الموسيقية التي لا تمل. جلست على حافة السرير، ومدت يدها لتلمس يده الممدودة نحوها، فسحبها بلطف ووقفا معاً أمام النافذة، يتأملان الحديقة.

كانت الحديقة تعج بالحياة: الورود الحمراء تتمايل، النحل يطن بين الأزهار، والعصافير الصغيرة تقفز من غصن إلى غصن، وكأنها ترقص على أنغام صباحية لا يسمعها إلا هما. وضع سامي ذراعه حول كتف ليلى، وأحنت رأسها على صدره، يسمعان معاً نبضات قلوبهما التي رغم الثمانين عاماً، كانت لا تزال تتلاقى في إيقاع واحد.

"أتحبين أن نخرج إلى الحديقة؟" همس سامي.

"مثل كل صباح؟" ردت مبتسمة.

"مثل كل صباح، لكن اليوم بطعم جديد."

خرجوا ممسكين بأيديهما، وخطواتهما البطيئة الثابتة حفرت أثراً جديداً فوق أثر الأمس. جلسا على المقعد الخشبي تحت شجرة التوت، وهي تضع رأسها على كتفه، وهو يمرر أصابعه برفق خلال شعرها الأبيض الذي صار حريرياً كالقمر.

"أتعلم يا سامي؟" قالت بصوت هادئ كخرير الماء الجاري. "في كل صباح، أظن أنني عرفت كل أنواع السعادة، ثم يأتي صباح جديد يكشف لي أنني لم أعرف شيئاً."

ابتسم، وقبل جبينها برفق، وقال:

"هكذا هو الحب يا حبيبتي. هو أن تظن أنكٍ وصلتٍ إلى القمة، ثم تكتشف أن القمة ليست سوى بداية جبل آخر."

طارت عصفورة صغيرة وحطت على غصن قريب منهما، وأخذت تغرد وكأنها تقول لهما شيئاً لا يفهمه إلا العشاق.

مدت ليلى يدها نحو السماء الصافية، وكأنها تمسح الغيوم البيضاء الناعمة التي تشبه شعره، ثم قالت:

"ستون عاماً مضت كالحلم، وعشرون أخرى قادمة، وأنا أراهن أن الحلم لم يبدأ بعد."

وضع سامي يده على يديها، وشبك أصابعهما معاً، وجلسا هكذا، يسمعان همس الريح في أوراق التوت، ورنين ضحكاتهما القديمة التي لا تزال تتردد في جدران المنزل، وزقزقة العصافير التي تغني لهما لحن الصباح، وهما يعلمان أن أجمل ما في العمر ليس كم عشت، بل كم أحببت وهو يهمس لذاته.

ونظر سامي في عينيها، وقال بهدوء:

"أتعلمين يا ليلى؟ لقد عشت ثمانين عاماً على هذه الأرض، لكنني نسيت كل هذه السنوات عندما أنظر إليك. لأن الحب الذي يجمعنا... هو الحب الذي نسي الشيخوخة، وتذكر كيف يبدأ من جديد مع كل فجر."

فابتسمت ليلى، وهمست وكأنها تغني لعصفور صغير:

"إذن دعنا ننسى العمر معاً... ونعيش الفجر مراراً وتكراراً."

وهكذا بقيا، تحت شجرة التوت العتيقة، يغفو الحب في قلوبهما صحواً، ينسى أنه كبر، ويذكر أنه ولد للتو.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه