الإنسان بين الحقيقة والوهم دراسة فلسفية في أصل الوجود والوعي والسلوك العاطفي بين الصدفة والضرورة
الإنسان بين الحقيقة
والوهم
دراسة فلسفية في أصل
الوجود والوعي والسلوك العاطفي بين الصدفة والضرورة
بقلم الباحث والكاتب
والناقد عدنان مهدي الطائي
مقدمة: السؤال الذي لا
يستطيع الإنسان الهروب منه
منذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته، وهو يطرح السؤال
الأكثر إثارة للقلق والدهشة: من أنا؟
هل أنا كائن حقيقي قائم
في هذا الوجود، أم أن ما أسميه «أنا» ليس سوى وهم تولده بنية عصبية معقدة؟ وهل
الوعي الذي أشعر به حقيقة، أم مجرد خدعة بيولوجية تجعلني أتوهم أن لي ذاتاً
مستقلة؟ وهل الحب والكراهية والخوف والفرح والحزن حقائق إنسانية، أم أنها في
النهاية مجرد تفاعلات كيميائية وكهربائية داخل الدماغ؟ ثم يأتي السؤال الأكثر عمقاً: إذا كان الإنسان وهماً، فمن الذي يشعر بهذا الوهم، ومن الذي يكتشفه
ويسأل عنه؟
لقد تطور العلم الحديث إلى درجة أصبح معها
الإنسان قادراً على النظر إلى أعماق المادة نفسها. فاكتشف الذرة، ثم النواة، ثم
البروتونات والنيوترونات، ثم الكواركات والغلوونات، وبدأ يفهم شيئاً فشيئاً كيف
تنتظم هذه المكونات في مستويات متدرجة من التعقيد حتى تظهر المادة التي نعرفها،
ومنها الكائن الحي والدماغ الإنساني. وتخبرنا
الفيزياء الحديثة أن البروتونات والنيوترونات تتكون من كواركات مرتبطة بالغلوونات،
وأن الكواركات تُعد، وفق النموذج القياسي الحالي، من الجسيمات الأولية. كما تكشف
تجارب فيزياء الجسيمات أن الكواركات والغلوونات يمكن أن توجد في ظروف شديدة الطاقة
في حالة تسمى «بلازما الكوارك-غلوون»، ثم تعود عند التبريد إلى تكوين الهادرونات
التي تتكون منها المادة العادية. وهنا تبدأ
المفارقة الفلسفية:
إذا كانت مكونات الإنسان مادية، فهل يعني ذلك
أن الإنسان نفسه وهم؟ وإذا كان الوعي مرتبطاً بالدماغ، فهل يعني ذلك أن الوعي غير
حقيقي؟ وإذا كان الحب يرتبط بتفاعلات عصبية وهرمونية، فهل يصبح الحب وهماً؟ أم أن
العلم، بدلاً من أن ينفي حقيقة الإنسان، يكشف لنا أن الحقيقة أكثر تعقيداً مما كنا
نتصور؟
هذه المقالة لا تنطلق من رفض الرؤية المادية،
ولا من افتراض مسبق بأن الإنسان كيان مفارق للمادة، وإنما تضع الرأيين أمام السؤال
نفسه: هل الإنسان حقيقة وجودية ناشئة من بنية الكون والمادة، أم مجرد وهم
بيولوجي لا يمتلك وجوداً حقيقياً؟
أولاً: الموقف القائل
إن الإنسان وهم
هناك اتجاه فلسفي وعلمي اختزالي يرى أن
الإنسان، في نهاية التحليل، ليس أكثر من منظومة مادية شديدة التعقيد. فالدماغ مجموعة هائلة من الخلايا العصبية. والخلايا تتكون من جزيئات. والجزيئات
تتكون من ذرات. والذرات تتكون من نواة وإلكترونات. والبروتونات والنيوترونات تتكون من كواركات وغلوونات. ومن هنا يقول أصحاب الرؤية الاختزالية:
إذا استطعنا في النهاية تفسير كل ما يحدث
للإنسان من خلال قوانين الفيزياء والكيمياء وعلم الأعصاب، فما الحاجة إلى الحديث
عن «ذات» أو «وعي» أو «حب» أو «معنى»؟ فالإنسان، وفق هذا التصور، ليس جوهراً
مستقلاً، وإنما نتيجة مؤقتة لتنظيم مادي معقد.
وقد يذهب بعضهم أبعد من
ذلك فيقول:
إن «أنا» ليست إلا
اسماً نطلقه على مجموعة من العمليات العصبية.
والحب ليس إلا نشاطاً
عصبياً وهرمونياً.
والكراهية ليست إلا
استجابة عصبية مكتسبة.
والإرادة ليست إلا
نتيجة لسلسلة من العمليات الدماغية التي بدأت قبل أن يعي الإنسان قراره.
وبالتالي فإن الإنسان،
في هذا التصور، يشبه آلة بيولوجية متطورة توهم نفسها بأنها ذات واعية. وهنا ينبغي أن نأخذ هذا الموقف بجدية، لأنه ليس موقفاً ساذجاً، بل
يستند إلى نجاحات حقيقية للعلم الحديث. لكن السؤال
الذي يفرض نفسه هو: هل تفسير آلية الشيء يعني إلغاء وجوده؟
ثانياً: تفسير الشيء لا
يعني إلغاء حقيقته
هذه هي النقطة المركزية في هذه الدراسة. عندما نكتشف أن الصوت عبارة عن موجات، لا نقول إن الموسيقى وهم. وعندما نعرف أن اللون مرتبط بأطوال موجية وبكيفية استقبال الجهاز
العصبي للضوء، لا نقول إن جمال اللون وهم. وعندما نفسر
الذاكرة من خلال تغيرات عصبية، لا نقول إن ذكريات الإنسان لم توجد. وعندما نكتشف الأساس الكيميائي للحب، لا يصبح الحب غير موجود. إن معرفة كيف يحدث الشيء ليست بالضرورة معرفة كل ما يعنيه الشيء. فالإنسان يمكن أن يكون مكوناً من مادة، دون أن يكون وصفه الكامل هو
مجرد قائمة بالمكونات التي يتكون منها. وهنا يظهر
مفهوم مهم في فلسفة العلم: الانبثاق. فحين تنتظم
المكونات في بنية معينة، تظهر خصائص جديدة على مستوى أعلى من التنظيم. ولا يعني ظهور الخاصية الجديدة أنها جاءت من العدم، وإنما يعني أن
طريقة انتظام الأجزاء والعلاقات بينها أنتجت مستوى جديداً من الظاهرة. وهذا يقودنا إلى الإنسان.
ثالثاً: من الكوارك إلى
الإنسان
إذا أردنا أن نفهم
الإنسان من جذوره المادية، فعلينا أن نبدأ من الأسفل:
كواركات وغلوونات
↓
بروتونات ونيوترونات
↓
ذرات
↓
جزيئات
↓
خلايا
↓
أنسجة وأعضاء
↓
جهاز عصبي
↓
دماغ
↓
وعي وإدراك وذاكرة
↓
لغة وتجربة
↓
عاطفة وقرار
↓
معنى ووجود إنساني.
وهذه السلسلة لا تعني
أن كل مستوى يمكن اختزاله ببساطة إلى المستوى الذي تحته. فالذرة ليست مجرد
«قائمة» من الجسيمات التي تتكون منها، والجزيء ليس مجرد مجموع حسابي لذراته،
والكائن الحي ليس مجرد كومة من الجزيئات. إن التنظيم
والعلاقات والتفاعلات تخلق خصائص جديدة. وهنا يمكن أن
نطرح السؤال الفلسفي: هل عندما تصبح المادة إنساناً تصبح فجأة وهماً؟ إذا
كانت المادة حقيقية، وإذا كانت قوانينها وتفاعلاتها حقيقية، وإذا كان تنظيمها ينتج
أنظمة معقدة قابلة للرصد والقياس، فليس منطقياً أن ننتقل مباشرة من: «الإنسان مادي» إلى: «إذن الإنسان وهم». فالاستنتاج
الثاني لا يتبع بالضرورة من الأول.
رابعاً: الكواركات
وسؤال البقاء والتحول
لقد كانت فكرتنا الأولى تنطلق من أن الكواركات
لا تختفي بمعنى بسيط، وإنما تدخل في عمليات وتفاعلات تتغير فيها صور المادة. لكن الدقة العلمية تقتضي ألا نقول إن «الكوارك يبقى حياً» أو إن كل
كوارك يستمر إلى الأبد. فهذا ليس ما تثبته الفيزياء. وانما الأدق أن نقول إن عالم الجسيمات لا يقوم على فكرة الجمود، وإنما
على التحول والتفاعل وتغير الحالات. فالكواركات
لا تظهر منفردة في المادة العادية، بل تكون محصورة داخل الهادرونات بفعل القوة
الشديدة. وفي ظروف الطاقة والكثافة العالية يمكن أن تتكون حالة من المادة تسمى
بلازما الكوارك-غلوون، ثم مع التمدد والتبريد تعود الكواركات والغلوونات إلى تشكيل
الهادرونات. وهذه الحقيقة تمنحنا درساً فلسفياً مهماً: التحول لا يعني الوهم. فالشيء قد
يتغير في صورته دون أن يكون وجوده وهماً. والجسد
الإنساني نفسه مثال واضح. الخلايا تتغير. الجزيئات
تدخل وتخرج. الأنسجة تتجدد. الدماغ يعيد تنظيم اتصالاته. ومع ذلك يبقى الإنسان قادراً على القول: أنا هو أنا. إذن، ما الذي يبقى؟ ليس بالضرورة أن تبقى كل
مادة بعينها، وإنما يبقى نمط من التنظيم والاستمرارية والذاكرة والعلاقات والهوية
الشخصية. وهنا نصل إلى نقطة فلسفية بالغة الأهمية: الهوية لا تعني الجمود.
خامساً: هل الإنسان
نتيجة صدفة أم نتيجة بنية وقوانين؟
من أكثر القضايا إثارة للجدل سؤال أصل
الإنسان والكون. هل نحن نتيجة سلسلة من المصادفات؟ أم أن وجودنا
كان نتيجة قوانين وبنى وشروط جعلت ظهور الحياة والوعي ممكناً؟ تطرح الفيزياء قضية
«الضبط الدقيق» للثوابت الكونية، حيث تبدو بعض القيم الأساسية للكون ضمن نطاقات
تسمح بظهور البنية المعقدة والحياة. لكن ينبغي
هنا أن نكون دقيقين: الضبط الدقيق لا يثبت وحده وجود مصمم، كما أن
وجوده لا يثبت أن الكون نتاج مصادفة عمياء. هناك تفسيرات
فلسفية وعلمية متعددة لهذه المسألة، ولذلك لا يجوز تحويلها إلى برهان قاطع على
نتيجة ميتافيزيقية. لكن السؤال يبقى قائماً: إذا كانت الحياة تعتمد على شبكة هائلة من القوانين والعلاقات والشروط،
فهل يصح أن نصف وجود الإنسان كله بأنه «مجرد مصادفة» وكأن المصادفة وحدها تفسير
كامل؟ هنا ينبغي التمييز بين شيئين: القول إن
حدثاً يتضمن عناصر احتمالية، والقول إن كل النظام الذي جعل ذلك الحدث ممكناً بلا
تفسير آخر سوى المصادفة. وهذا الفرق مهم جداً. فالعلم يدرس الاحتمالات والعمليات الطبيعية، لكنه لا يمنحنا تلقائياً
جواباً نهائياً عن السؤال الفلسفي: لماذا يوجد
هذا النظام من القوانين أصلاً؟
سادساً: الإنسان ليس
صفحة بيضاء
عند ولادة الإنسان لا يكون الدماغ صفحة بيضاء
بالكامل. فالإنسان يأتي إلى العالم مزوداً ببنية عصبية ووراثية واستعدادات
بيولوجية، ثم تتفاعل هذه الاستعدادات مع البيئة والتجربة والتعلم. وهنا لا الجينات وحدها تصنع الإنسان، ولا البيئة وحدها. بل الإنسان نتيجة علاقة معقدة بين: الوراثة +
البيئة + التجربة + التعلم + الذاكرة + التفاعل الاجتماعي. والجينات لا تكتب شخصية الإنسان بصورة نهائية، وإنما توفر بنية
واستعدادات وإمكانات تتفاعل مع الظروف المختلفة. وبذلك يصبح
الإنسان مشروعاً مفتوحاً. إنه يولد بإمكانات، ثم تتحول الإمكانات إلى
شخصية من خلال الحياة.
سابعاً: الوعي —
الحقيقة التي لا تنتهي عند الدماغ
هنا نصل إلى أصعب نقطة. هل الوعي مجرد نشاط دماغي؟ إن العلم يستطيع أن يرصد الارتباطات العصبية
للوعي، وأن يدرس نشاط مناطق الدماغ، وأن يربط بعض حالات الوعي بأنماط محددة من
النشاط العصبي. لكن يبقى السؤال الفلسفي: هل وصف النشاط العصبي يساوي وصف التجربة الذاتية نفسها؟ إنني عندما
أشعر بالألم، هناك نشاط عصبي يمكن دراسته. لكن هناك
أيضاً تجربة ذاتية: أنا أتألم. وهذه الـ«أنا»
ليست جسماً إضافياً بالضرورة، لكنها تمثل مستوى من التجربة لا يمكن تجاهله لمجرد
أننا اكتشفنا أساسه العصبي. ولهذا فإن السؤال ليس: هل الوعي
مادي أم غير مادي؟ بل يمكن أن يكون السؤال الأكثر دقة: كيف تنشأ التجربة الواعية من نظام عصبي مادي، وما الذي يجعلها تجربة
يعيشها صاحبها من الداخل؟ وهذه من أعقد المسائل التي لا تزال مطروحة في فلسفة
العقل وعلوم الأعصاب.
ثامناً: الحب والكراهية — أوهام كيميائية أم حقائق إنسانية؟
إذا أحب إنسان إنساناً آخر، يحدث في دماغه
وجسده عدد هائل من التغيرات الكيميائية والعصبية. وهذا أمر
حقيقي. لكن هل يعني ذلك أن الحب نفسه وهم؟ لو قلنا ذلك،
فإننا نخلط بين آلية الظاهرة والظاهرة نفسها. فالحب له: بُعد بيولوجي هرمونات ونواقل عصبية وشبكات دماغية واستجابات جسدية.
كما له بُعد نفسي وتجريبي: ذكريات، طفولة، تجارب، فقدان، تعلق، أمان، خوف، ومواقف
شخصية.
وكذلك له بُعد وجودي: معنى يمنحه الإنسان للعلاقة، واستعداد للتضحية، وشعور
بالانتماء، وتغيير في صورة الذات والآخر. وهذه
المستويات لا تلغي بعضها. فالحب ليس أقل حقيقة لأن له كيمياء. بل إن الكيمياء هي إحدى الطرق التي يتحقق بها الحب في الكائن الحي. وكذلك الكراهية. يمكن أن يكون لها أساس عصبي وبيولوجي، لكنها
تتحول في حياة الإنسان إلى موقف وقرار وسلوك وعلاقة اجتماعية. ولهذا يمكن القول: الحب ليس
مجرد أوكسيتوسين، كما أن الموسيقى ليست مجرد موجات هوائية.
تاسعاً: هل يمكن للوهم
أن يعرف أنه وهم؟
هنا نصل إلى المفارقة الفلسفية الكبرى. إذا قال الإنسان: «أنا وهم.» فإننا لا
نستطيع أن ننهي النقاش بمجرد هذه الجملة. بل يجب أن
نسأل: من الذي قالها؟ ومن الذي أدرك معنى كلمة «وهم»؟ ومن
الذي قارن بين الوهم والحقيقة؟ ومن الذي مارس التفكير والاستدلال ثم توصل إلى
النتيجة؟ إن هذا لا يشكل وحده برهاناً على أن الإنسان كيان مستقل عن المادة، لكنه
يكشف مشكلة عميقة في القول بأن الإنسان ليس له أي حقيقة على الإطلاق. فالقول: «لا توجد ذات واعية» هو نفسه صادر
عن عملية تفكير واعية على الأقل في ظاهر التجربة. ومن هنا يمكن
إعادة صياغة مقولة ديكارت الشهيرة بصورة أكثر حذراً: أنا أفكر، إذن هناك على الأقل تجربة فكرية تحدث الآن. وهذا يكفي لرفض القول الساذج بأن كل ما نسميه إنساناً مجرد عدم مطلق.
قد يقول قائل: الإنسان
يموت، إذن وجوده مؤقت. لكن لماذا يكون المؤقت وهماً؟ الشجرة مؤقتة. الحيوان مؤقت. النجم مؤقت. الكوكب نفسه
ليس أبدياً. والحضارات مؤقتة. ومع ذلك لا نقول إنها لم تكن موجودة. إن الزوال
صفة من صفات الموجودات في عالم التغير. فالحقيقة لا
يشترط فيها أن تكون أبدية. ومن هنا: الموت لا
يثبت أن الحياة كانت وهماً. بل على العكس: إن كون
الحياة محدودة يجعل تجربتها أكثر كثافة وخصوصية.
الحادي عشر: من
«المادة» إلى «المعنى»
هنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز الفيزياء: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجوداً؟ يمكن للعلم أن يخبرنا كيف يعمل
القلب. وكيف تنتقل الإشارات العصبية. وكيف تتكون البروتينات. وكيف تتفاعل
الجينات. وكيف تعمل الخلايا. لكن عندما يسأل الإنسان: لماذا أحب؟ ولماذا
أحزن؟ ولماذا أضحي؟ ولماذا أرفض الظلم؟ وما معنى حياتي؟ فإننا ننتقل إلى مجال آخر
من الأسئلة. وهذا لا يعني أن العلم عاجز أو غير مهم. بل يعني أن للواقع مستويات متعددة من الوصف. فالفيزياء لا تصبح خاطئة لأنها لا تكتب قصيدة. والشعر لا يصبح وهماً لأن القصيدة تتكون في دماغ. والحب لا يصبح وهماً لأن له أساساً عصبياً.
الثاني عشر: أين تقع
الصدفة إذن؟
ربما تكون المشكلة في استعمال كلمة «الصدفة»
وكأنها تفسير نهائي. فالصدفة يمكن أن تصف وقوع نتيجة غير محددة
مسبقاً ضمن عملية احتمالية. لكنها لا تجيب بالضرورة عن السؤال الأعمق: لماذا توجد القوانين التي تسمح بالاحتمال أصلاً؟ ولا تجيب وحدها عن: لماذا يستطيع الكون أن ينتج بنى معقدة؟ ولا عن: كيف انتقلت المادة من مستويات بسيطة إلى أنظمة قادرة على الإدراك
والتفكير؟ ولا عن: كيف ظهر كائن يستطيع أن يسأل عن أصل الكون نفسه؟
لذلك ينبغي ألا نستبدل «الخلق المدروس» بـ«الصدفة» بوصفها حقيقة علمية محسومة. الأصح أن نقول: إن وجود الإنسان هو نتيجة تاريخ طويل من
القوانين والتفاعلات والعمليات الطبيعية، لكن تفسير هذا التاريخ لا يحسم وحده
السؤال الفلسفي حول ما إذا كان وراء انتظام الوجود قصد أو ضرورة أو تفسير أعمق. وهنا تبقى المسألة مفتوحة أمام الفلسفة.
الثالث عشر: الإنسان
حقيقة، ولكن ليست حقيقة بسيطة
ربما كان الخطأ في السؤال نفسه. فنحن نسأل: هل الإنسان مادة أم شيء آخر؟ بينما يمكن أن يكون
الإنسان: مادة منظمة، وحياة، ودماغاً، وذاكرة، ووعياً،
وتجربة، وعلاقة، ومعنى في الوقت نفسه. ولا يتعارض أحد هذه المستويات
مع الآخر. فالإنسان ليس أقل حقيقة لأنه يتكون من كواركات.
وليس أقل حقيقة لأن جسده تحكمه قوانين الكيمياء. وليس أقل
حقيقة لأن وعيه مرتبط بدماغه. وليس أقل
حقيقة لأن مشاعره لها أساس بيولوجي. بل ربما يكون
العكس هو الصحيح: إن عظمة الإنسان تكمن في أن هذا التعقيد الهائل
نشأ داخل نظام مادي قادر على التنظيم والتفاعل، وإنتاج الحياة، والوعي، والمعنى.
الرابع عشر: الرد على
دعوى «الإنسان وهم»
إذا أردنا الآن أن نضع الرد في صورة منطقية،
يمكن صياغته هكذا:
المقدمة الأولى: الإنسان يتكون من مادة
حقيقية وتفاعلات حقيقية.
المقدمة الثانية: هذه المادة لا تعمل
بوصفها أجزاء منفصلة، وإنما تنتظم في مستويات متدرجة من التعقيد.
المقدمة الثالثة: من هذا التنظيم تنشأ
وظائف وخصائص يمكن رصدها، مثل الحياة والإدراك، والذاكرة، واللغة، والسلوك.
المقدمة الرابعة: وجود أساس مادي لظاهرة
ما لا يعني أن الظاهرة نفسها وهم.
المقدمة الخامسة: المشاعر والوعي
والتجربة الإنسانية ظواهر يعيشها الإنسان وتؤثر في سلوكه وعلاقاته وقراراته.
النتيجة:
لا يلزم من كون الإنسان كياناً مادياً أن يكون
الإنسان وهماً. ولا يلزم من كون الوعي مرتبطاً بالدماغ أن يكون
الوعي وهماً. ولا يلزم من كون الحب له أساس كيميائي وعصبي أن
يكون الحب وهماً. ولا يلزم من كون الإنسان زائلاً أن يكون وجوده
غير حقيقي.
الخامس عشر: ما الذي
نستطيع إثباته، وما الذي لا نستطيع إثباته؟
وهنا يجب أن نكون أمناء مع أنفسنا. لا نستطيع أن نقول إن الفيزياء أثبتت أن الإنسان «مخطط له» بصورة قاطعة. ولا نستطيع أن نقول إن الضبط الدقيق أثبت وجود خالق. ولا نستطيع أن نقول إن الكواركات أثبتت خلود الإنسان. ولا نستطيع أن نقول إن علم الأعصاب أثبت أن الوعي مستقل عن الدماغ. لكننا نستطيع أن نقول شيئاً أكثر دقة وقوة: إن العلم لا يبرر الانتقال تلقائياً من «الإنسان كيان مادي» إلى
«الإنسان وهم». وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تتوقف عندها
الفلسفة.
الخلاصة: الإنسان الذي
يبحث عن نفسه
الإنسان ليس وهماً لمجرد أن وجوده مؤقت. وليس وهماً لأن جسده يتغير. وليس وهماً
لأن دماغه أساس وعيه. وليس وهماً لأن مشاعره ترتبط بالكيمياء العصبية. وليس وهماً لأن مكوناته تبدأ من مستويات شديدة الصغر من المادة. إن الكواركات لا تجعل الإنسان وهماً، كما أن الذرات لا تجعله وهماً،
وكما أن الخلايا لا تجعله وهماً. فالخطأ يبدأ
عندما نخلط بين المكوّن والكل، وبين التفسير والإلغاء. إن معرفة الكواركات لا تكفي لمعرفة الإنسان. ومعرفة الخلايا لا تكفي لمعرفة الحب. ومعرفة
الدماغ لا تكفي وحدها للإجابة عن معنى التجربة الإنسانية. إن الإنسان حقيقة متعددة المستويات؛ حقيقة مادية في أساسها، بيولوجية
في تكوينها، نفسية في تجربتها، واعية في حضورها، ووجودية في معناها. ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: هل الإنسان
مادة أم وهم؟ بل: هل يكفي تفسير الإنسان بمادته لكي نستنفد حقيقة
الإنسان؟ وهنا يبدو أن الجواب الأقرب إلى المنطق هو: لا. فالتفسير لا يلغي الحقيقة، والتحول لا يلغي
الوجود، والزوال لا يعني الوهم، والسبب المادي لا يلغي المعنى الذي ينشأ من تنظيم
المادة.
خاتمة مفتوحة: من أنا؟
ربما كان أعظم ما في الإنسان أنه الكائن الذي
لا يكتفي بأن يوجد، بل يسأل عن وجوده. الحجر موجود،
لكنه لا يسأل: ما معنى وجودي؟ والنجم موجود، لكنه لا يسأل: لماذا أنا هنا؟ أما
الإنسان فينظر إلى نفسه، ثم ينظر إلى الكون، ثم يعود ليسأل: من أنا؟ وحين يكتشف الكواركات، لا يتوقف. وحين يكتشف الجينات، لا يتوقف. وحين يفهم
الدماغ، لا يتوقف. بل يسأل السؤال الأبعد: من هو هذا الكائن الذي استطاع أن يفهم شيئاً من الكون الذي نشأ منه؟ قد
لا يكون هذا السؤال دليلاً علمياً على أن الإنسان كيان خالد أو مفارق للمادة. لكنه يكشف شيئاً لا يمكن تجاهله: أننا أمام
كائن حقيقي يعيش تجربة حقيقية، ويستطيع أن يحول وجوده المادي إلى معرفة، ومعرفته
إلى سؤال، وسؤاله إلى فلسفة، وفلسفته إلى معنى. ومن هنا يمكن
أن نختم:
«
ربما لا تكون المشكلة في أن الإنسان يملك وهماً عن وجوده، بل في أن علينا
أن نفسر كيف ظهر كائن قادر على أن يسأل أصلاً: هل وجودي وهم؟» فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون أزلياً لكي
يكون حقيقياً، ولا يحتاج إلى أن يكون منفصلاً عن المادة لكي يكون ذا معنى. يكفي أنه موجود، وأنه يشعر، وأنه يفكر، وأنه يحب، وأنه يكره، وأنه
يتذكر، وأنه يسأل. وفي السؤال ذاته تبدأ الحكاية:
أنا موجود... ولذلك أسأل من أنا.
خاتمة فلسفية: في الرد على العدمية
والاختزالية
"هذه المقالة هي محاولة لتقديم رد فلسفي
متماسك على تيارين فكريين يسيطران على المشهد الثقافي المعاصر:
- العدمية النيتشوية
التي ترى في الوجود عبثاً لا معنى له، وفي الإنسان كائناً تائهاً بلا غاية، بعد أن
أعلن نيتشه أن 'الإله مات' وأن القيم التقليدية فقدت قدرتها على منح الحياة
معناها.
- الاختزالية المادية
التي تختزل الإنسان إلى تفاعلات كيميائية وعصبية، وتنفي عنه صفة الإنسانية
الحقيقية، متجاهلة الأبعاد الوجودية والنفسية التي تشكل جوهر التجربة الإنسانية.
- وفي ظل الفلسفة
الوجودية التي يمثلها جان بول سارتر، والتي تؤكد أن 'الوجود يسبق الماهية'، وأن
الإنسان كائن يعيش تجربته الذاتية قبل أن يُعرّفها، ويصنع معنى وجوده عبر وعيه
واختياراته ومسؤولياته، نؤكد أن: "الإنسان ليس وهماً، لأنه يعيش وجوده قبل أن
يفكره. فهو ليس مجرد مادة تتفاعل، بل هو حضور يسأل، ووعي يختار، وحب يعطي، وكراهية
يرفض. وجوده حقيقي لأنه محسوس، ومعناه حقيقي لأنه مخلوق، ومشاعره حقيقية لأنها
تغيره وتغير العالم من حوله."
فالوجودية
السارترية لا تنفي الجذور المادية للإنسان، بل تتجاوزها إلى ما هو إنساني:
الإرادة، الحرية، المسؤولية، والمعنى. ومن هنا، فإن الإنسان ليس نتاج صدفة باردة،
ولا وهماً عابراً، بل هو حقيقة وجودية تتجلى في كل فعل واعٍ، وفي كل علاقة إنسانية
صادقة، وفي كل سؤال عن الذات والكون."
وأخيرا نصل إلى نقطة تتجاوز الفيزياء
والبيولوجيا: هذا النظام الدقيق، وهذا التماسك المذهل في بنية الكون، يقود العقل
البشري إلى التساؤل عن مصدره. ستيفن هوكنغ، وهو من أبرز علماء الفيزياء، اعترف بأن
الكون مبني بدقة متناهية، لكنه توقف عند السؤال: من خلق هذا النظام؟ وقال بكل
أمانة علمية: 'لا أعرف'. وهذا الاعتراف بالجهل هو بالذات ما يفتح باب الفلسفة
والتساؤل. فالإنسان حين يرى هذا النظام، لا يستطيع إلا أن يشير إلى حقيقة خارجة
عنه، حقيقة نظمت هذا الكون بهذه الدقة. لكنه حين يحاول تسميتها، يجد نفسه أمام
لغات متعددة: الله في العربية، God في الإنجليزية، براهمان في الهندية، Gott في الألمانية. كل هذه الأسماء
هي محاولات بشرية للإشارة إلى حقيقة واحدة، لكنها ليست الاسم الحقيقي للخالق.
فالاسم الحقيقي، إن وجد، ليس اسماً ابتكره البشر، بل هو الهوية المطلقة او الوجود
المطلق التي تتجاوز اللغة والحروف. وكل ما نطلقه من أسماء ليس إلا إشارات تقريبية
تعبر عن علاقتنا به، وليس عن ذاته. ولعل الحكمة الإلهية في إخفاء الاسم الحقيقي هي
أن يبقى القلب هو الأداة التي تعرف الخالق، لا اللسان وحده."
تعليقات
إرسال تعليق