قصة قصيرة (حين أحبَّ الثائر)

 

قصة قصيرة (حين أحبَّ الثائر)

بقلم الناقد عدنان مهدي الطائي

كان المساء يهبط ببطء، كأنه يخشى أن يوقظ المدينة من حلمها.

في الخارج كانت الثورة تضجّ بأصواتها؛ رجال يتحدثون عن الغد، خرائط تُفرد فوق الطاولات، بنادق تستريح إلى جوار أصحابها، وأحلام كبيرة تتسع أكثر من قدرة البشر على احتوائها.

أما هو، فكان يجلس بعيدًا عن كل ذلك.

لم يكن يفكر في المعركة القادمة، ولا في الطريق الذي ينتظره، ولا في المصير الذي قد يكون مختبئًا خلف الغابة أو الجبل أو الحدود.

كان ينظر إليها فقط.

جلست أمامه هادئة، كأنها جاءت من عالم لا يعرف الحرب.

رفعت عينيها إليه، وابتسمت.

توقف الزمن.

لم يعرف، في تلك اللحظة، أكان هو الذي نظر إليها أم أن قلبه هو الذي سبق عينيه.

قالت بصوت خافت:

لماذا تنظر إليّ هكذا؟

ابتسم ولم يجب.

كانت بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة، لأن الإجابة إذا خرجت من الفم فقدت شيئًا من جمالها.

اقترب منها قليلًا وقال:

أحاول أن أتذكر وجهك.

ضحكت.

ولماذا تريد أن تتذكره وأنا أمامك؟

نظر إليها طويلًا، ثم قال:

لأنني لا أعرف إن كنت سأراه غدًا.

اختفت الابتسامة لحظة، وحلّ مكانها صمت عميق.

لم تكن تخاف الموت بقدر ما كانت تخاف أن يأخذه الموت بعيدًا عنها.

قالت:

أنت دائمًا تتحدث عن المستقبل، عن الناس، عن الحرية... لماذا لا تتحدث عن نفسك؟

أطرق برأسه.

كان السؤال أصعب من كل الأسئلة التي واجهها في حياته.

ثم قال:

ربما لأنني لم أتعلم كيف أعيش لنفسي.

اقتربت منه أكثر.

ومن قال إن الحب يعني أن تعيش لنفسك؟

رفع عينيه إليها.

تابعت:

ربما الحب هو أن تجد شخصًا يجعل حياتك أوسع من نفسك.

ظل صامتًا.

للمرة الأولى، شعر أن الثورة التي يحملها في قلبه ليست أعظم من تلك اللحظة الصغيرة التي تجمعهما.

كان يظن أن تغيير العالم يبدأ من الشوارع والساحات والميادين.

أما الآن، فقد بدأ يشك في ذلك.

ربما يبدأ التغيير من قلب إنسان واحد.

من قدرته على أن يحب.

من قدرته على أن يرى في الآخر إنسانًا لا شعارًا، ووجهًا لا رقمًا، وحياة لا قضيةً مجردة.

قال لها:

أتعلمين ما أخشاه؟

ماذا؟

أن أصبح يومًا رجلًا يغيّر العالم، لكنه يفقد نفسه.

أمسكت يده.

إذن لا تسمح للعالم أن يأخذك مني.

نظر إلى أصابعها وهي تستقر فوق يده، وكأنها تمسك بما تبقى من إنسانيته.

قال:

وإذا لم أعد؟

ابتسمت، ولكن عينيها لم تبتسما هذه المرة.

ستعود.

وكيف تعرفين؟

لأنني سأنتظرك.

ابتسم.

الانتظار لا يعيد الموتى.

قالت بهدوء:

وأنا لا أنتظر الموتى.

ثم رفعت عينيها إليه وأضافت:

أنا أنتظر الرجل الذي أحب.

في تلك اللحظة، فهم شيئًا لم تعلمه إياه الكتب، ولم تستطع الثورة أن تقوله له.

أن الإنسان لا يعيش بالأفكار وحدها.

وأن أعظم القضايا يمكن أن تصبح باردة إذا فقدت وجه الإنسان.

وأن الحب ليس عدو الثورة كما يظن بعض الثوار؛ ربما كان الشيء الوحيد الذي يمنع الثورة من أن تتحول إلى حجر.

نظر إليها طويلًا.

كان في عينيها شيء يشبه الوطن.

وللمرة الأولى خطر له أن الوطن ربما لا يكون أرضًا نرسم حدودها على الخريطة، ولا رايةً نرفعها فوق بناية، ولا قضيةً نهتف باسمها في الساحات.

ربما يكون الوطن هو ذلك الإنسان الذي حين ننظر إليه نشعر أننا لسنا غرباء عن هذا العالم.

 

 

قال:

أنتِ تعرفين أنني قد أرحل بعيدًا.

قالت:

أعرف.

وقد تطول الغيبة.

أعرف.

وقد لا أعود.

صمتت.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

لكنك ستأخذ شيئًا مني معك.

سألها:

ماذا؟

وضعت يدها على صدره.

هذا.

لم يقل شيئًا.

كان قلبه يخفق تحت يدها كأنه يريد أن يقول بدلًا عنه كل ما عجز عن قوله.

في الخارج، ارتفعت أصوات الرجال.

حان وقت الرحيل.

نهض.

أخذ معطفه، ثم توقف عند الباب.

التفت إليها.

كانت لا تزال في مكانها، تنظر إليه كما لو أنها تريد أن تحفظ ملامحه قبل أن يغيب.

قال:

ماذا لو تغيّر كل شيء؟

أجابته:

سيتغير العالم.

ثم أضافت:

لكن لا تدع قلبك يتغير.

خرج.

بقيت وحدها.

لم تكن تعرف هل سيعود أم لا.

لكنه حين ابتعد خطوات قليلة، اكتشف أن الطريق الذي كان يظنه طويلًا لم يعد مخيفًا كما كان.

ففي مكان ما خلفه، كانت امرأة تحمل جزءًا من قلبه.

وفي مكان ما أمامه، كان عالم ينتظر أن يتغير.

وبين الاثنين، كان يسير إنسان.

لا ثائرًا فقط.

ولا عاشقًا فقط.

بل رجلًا اكتشف متأخرًا أن أصعب ثورة يمكن أن يخوضها الإنسان ليست الثورة على العالم...

بل الثورة التي يخوضها كي لا يفقد إنسانيته وهو يحاول تغييره.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يرى الحب شيئًا يقف على هامش الثورة.

لقد صار يعرف أن الحب ربما يكون الثورة الأولى.

فحين يحب الإنسان بصدق، يصبح الآخر أكثر من «آخر».

يصبح مرآته.

وذاكرته.

ووطنه الصغير.

والسبب الذي يجعله، رغم قسوة العالم، يؤمن بأن هذا العالم ما زال يستحق الحياة.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه