صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الخامسة: عنوان (مكياج الحرب)
صفرٌ بين قوسين
(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)
المسرحية الخامسة: عنوان (مكياج الحرب)
بقلم الكاتب والناقد
عدنان مهدي الطائي
الفصل
الأول: مرآة تتثاءب
تجيء إسرائيل إلى المرآة
تسألها:
هل ترين الدم على كتفي؟
ترد المرآة
بصوت مذيعٍ تقاعد مبكراً:
"الدم... لونٌ موسمي هذا العام.
يُباع في علبٍ صغيرة
باسم 'أحمر الشفاه الثوري'."
يمسح المزيّن وجهها
بإسفنجةٍ من ضباب
ويقول:
"الديمقراطية تحت العينين..
والهايتك على الخدّين.
أما الجروح
فهي مجرد خطوط تجميل
تزيد الوجه نبلاً."
لكن المرآة تتثاءب
فتتشقّق صورتها
وتسقط منها
دميةٌ صغيرة
تصرخ:
"أنا لست ظلّاً...
أنا ظلّ الظلّ".
الفصل الثاني: مسرح من ورق
على خشبة الأمم المتحدة
تُعلّق الدمى بخيوطٍ مرئية.
سفير إسرائيل يرقص
ويصرخ:
"انظروا! أنا أتحرّك وحدي!"
لكن الجميع يرون الخيوط
ويصفّقون للخيوط.
سفير فلسطين
مقطوع الخيوط
يسقط على وجهه
لكنه يهمس من تحت الخشبة:
"لم أمت بعد...
أنا فقط أُعيد تشغيل نفسي
كلما انتهى العرض."
المخرج
(وهو جهاز تسجيل قديم)
يشغّل موسيقى صاخبة
ويأمر:
"ارقصوا! الديمقراطية تحتاج إلى
إيقاع!"
ترقص الدمى
لكنها لا تتحرك
والجمهور
(وهو كراسٍ فارغة)
يصفّق بذراعين لا تُرى.
الفصل
الثالث: جدارٌ ينزف حبراً
الجدار ليس جداراً..
إنه ورقة بيضاء
تمدّدت حتى ملّت.
فنانٌ شاب
يرسم فوقها عيناً تبكي
لكن دموعها
تسيل إلى الأسفل
فتصبح
نهراً من أسماء.
سائحة أوروبية
تلتقط صورة
وتقول:
"يا له من فنّ تجريدي!"
المرشد يبتسم
ويقرأ من كتيّبه:
"الجدار يحمي الحلم..
والحلم يحمي الجدار."
خلف الورقة
صوت طفلةٍ مسجّل
يعيد نفسه
كإعلانٍ عن عصير:
"هل يسمعني أحد؟
هل يسمعني أحد؟
أنا طفلةٌ تبحثُ عن دفء...
لكنني صرتُ مؤثّراً صوتياً."
ينهار الجدار
لكنه لا يسقط
بل يتحوّل إلى
آلاف الطائرات الورقية
تحمل على أجنحتها
كلمة واحدة:
"غداً"
لكن الريح
لا تهبّ اليوم.
خاتمة
المرآة (أو الصفر بين القوسين)
نظرت إسرائيل إلى المرآة للمرة الأخيرة.
المرآة كانت قد نامت.
فكتبت على وجهها
بأحمر الشفاه الثوري:
"صفرٌ بين قوسين".
ثم محته.
ثم كتبته مجدداً.
ثم أدركت
أن الكتابة والمحو
هما اللعبة الوحيدة
التي لا تنتهي.
(تُسمع ضحكة مسجلة من خلف الستارة.
ثم تتوقف فجأة.
ثم تعود.
ثم تتوقف.
ثم... لا شيء.)
تحليل العبثية في القصيدة (لماذا تنتمي إلى
«صفرٌ بين قوسين»):
إسرائيل كدولة تحولت
إلى "وجه" يسأل المرآة عن دمه، وكأنها شخصية وجودية تائهة، لا دولة
فاعلة. الدم كجريمة حرب: تحول إلى "لون موسمي" و"أحمر شفاه
ثوري"، أي تفريغ للفاجعة في سلة الاستهلاك الجمالي. والمرآة كضمير تحولت إلى
مذيع متقاعد يتثاءب، ثم إلى كائن ينام، أي أن الضمير نفسه أصبح متعباً وغير موثوق.
وسفير فلسطين تحول إلى دمية تعرف أنها دمية، وتُعاد تشغيلها آلياً، مما يسخر من
فكرة "المقاومة البطولية" ويقدمها كحلقة مفرغة. والجدار الفاصل تحول إلى
ورقة بيضاء، ثم إلى طائرات ورقية، ثم إلى إعلان تجاري. الجدار فقد صلابته وأصبح
مادة سردية مرنة، تُطوى وتُفتح. وصوت الطفلة تحول من صرخة إنسانية إلى "مؤثر
صوتي" و"إعلان عصير"، وهو أقسى تفكيك للتراجيديا، حيث تصبح
المعاناة مادة استهلاكية في نظام بث متكرر. وبالتالي النهاية لم تعد صرخة أمل أو
يأس، بل أصبحت "لعبة الكتابة والمحو" الأبدية، وهي جوهر ما بعد العبث:
لا خلاص، لكن هناك لعب مستمر.
تعليقات
إرسال تعليق