صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الثاني عشر: عنوان (مؤتمر اللاجئين (تحت الخيمة))

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية الثاني عشر: عنوان (مؤتمر اللاجئين (تحت الخيمة))

(كوميديا سوداء ما بعد عبثية في خمسة مشاهد

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

الشخصيات:

مدير المؤتمر (م.م): رجل يرتدي بدلة رسمية، يحمل مطرقة خشبية صغيرة، يقرع بها على الطاولة دون سبب. صوته رسمي لكنه يرتجف.

مندوب اللاجئين (م.ل): امرأة أو رجل يرتدي ملابس بسيطة، يحمل ملفاً ضخماً مليئاً بأوراق بيضاء، يتحدث بلهجة هادئة لكنها حادة.

مندوب الدولة الفلانية (م.د.ف): رجل يرتدي نظارات شمسية داخل القاعة، يتحدث بجمل مقطعة، يكرر كلمة "سيادة" كثيراً.

المترجم (ت.ر): يجلس خلف زجاج شفاف، يترجم الجمل إلى لغات لا يفهمها أحد، بما فيها هو نفسه.

الخيمة (خ): ليست جماداً، بل ممثل يرتدي قماشاً كبيراً، يتحرك ويتحدث بصوت هادئ كالجدار في مسرحياتنا السابقة.

طاهي الحساء (ط.ح): رجل يحمل قدراً كبيراً فارغاً، يوزع "الحساء الرمزي" على الحضور (أكواب فارغة).

برلمانيو الخيمة (ب.خ): مجموعة من اللاجئين (3-4 ممثلين) يجلسون في النهاية تحت الخيمة، يناقشون قوانين سخيفة.

المشهد الأول: "الجلسة الافتتاحية (رقم صفر)"

(المكان: قاعة مؤتمرات فخمة، لكنها مبنية من ورق مقوّى. طاولة طويلة، ميكروفونات لا تعمل، أعلام دول معلقة بشكل مقلوب. مدير المؤتمر يجلس في المنتصف، مندوب اللاجئين على اليمين، مندوب الدولة الفلانية على اليسار. خلفهم، المترجم خلف زجاج لا يرى من خلاله أحد).

مدير المؤتمر: (يقرع بالمطرقة الخشبية على الطاولة، لكن لا صوت يُسمع)

أعلن افتتاح المؤتمر السنوي للاجئين... (يتوقف، ينظر إلى أوراقه) عفواً، المؤتمر رقم 487 لمناقشة أوضاع الفئات غير المستقرة... (يتوقف مجدداً) أيها السادة... نحن هنا اليوم لنصنع مستقبلاً... (يقرع المطرقة مجدداً، تصدر صوتاً خفيفاً) مستقبلاً... بدون حواف حادة.

مندوب اللاجئين: (يرفع ملفه الضخم، يضعه على الطاولة فينبعث غبار من الورق)

سيدي الرئيس... لقد أحضرت 487 شكوى من 487 شخصاً. (يفتح الملف، يجد أوراقاً بيضاء) لكن الشكوى رقم 487... اختفت.

مدير المؤتمر: (ينظر إلى الملف، يبتسم رسمياً)

لا تقلق. سَنُعِدّ شكوى بديلة عن الشكوى المفقودة. (يكتب في مفكرته) شكوى رقم 487/ب: "عن اللاجئين الذين فقدوا شكاواهم".

مندوب الدولة الفلانية: (يخلع نظارته الشمسية للحظة، يعيدها)

سيادة الرئيس... بلدتي... السيادة... ترفض المشاركة في أيّ... سيادة... إجراءات غير مطابقة للبروتوكول سيادة... (يسكت فجأة، يعيد قراءة أوراقه)

المترجم: (خلف الزجاج، يترجم بصوت عالٍ)

"تؤكد الدولة الفلانية موقفها الثابت من الموقف المتغير تجاه القضية التي تهم الجميع... بخصوص بعض التفاصيل التي قد تؤثر على مجريات الحوار... وسيادة..."

مندوب اللاجئين: (ينظر إلى المترجم)

هل هذا ما قاله حقاً؟!

المترجم: (يهز كتفيه)

لا أعرف. أنا أترجم ما كتبته في الورقة... والورقة كتبتها بنفسي البارحة.

(يضحك الطاهي (ط.ح) من زاوية القاعة، وهو يحرق قدره الفارغ).

مدير المؤتمر: (يقرع المطرقة مجدداً)

النقطة الثانية: توزيع الحساء الرمزي على المشاركين كبادرة حسن نية!

طاهي الحساء: (يمشي بين الحضور، يوزع أكواباً فارغة)

تفضلوا... حساء اليوم هو "حساء الأمل"... لا يحتوي على أي سعرات حرارية، لكنه يملأ الروح... بالفراغ.

مندوب اللاجئين: (يأخذ الكوب الفارغ، ينظر إليه)

كم مرة سنشرب هذا الحساء الفارغ؟

طاهي الحساء: (يضحك)

حتى تمتلئ الأكواب... من تلقاء نفسها. (يمشي بعيداً)

(الخيمة تتحرك في الخلفية قليلاً، ثم تهمس بصوت خافت)

الخيمة: "الجدران... تتساقط... والكلمات... تتطاير..."

المشهد الثاني: "جلسة الصمت الفعال"

(المكان: نفس القاعة، لكن الآن الأوراق تتطاير على الأرض، والميكروفونات تسقط من على الطاولة. المدير يحاول جمع الأوراق، والمناديب جالسون يتظاهرون بالاستماع).

مدير المؤتمر: (يرفع صوته ليعلو على الفوضى)

النقطة الثالثة: مناقشة "الجدول الزمني للجدول الزمني". (ينظر إلى ساعته) لدينا 30 دقيقة لمناقشة الجدول الذي سنضعه غداً... لمناقشة ما سنفعله بعد غد.

مندوب الدولة الفلانية: (يرفع يده)

سيادة... لدي اعتراض على توقيت الجدول... لأن توقيت الجدول لا يتناسب مع توقيت أعيادنا الوطنية...

مندوب اللاجئين: (يقاطع، بصوت هادئ لكنه حاد)

لا أحد هنا يحتفل بأعياد وطنية. نحن نحتفل فقط بالبقاء على قيد الحياة. (يتوقف، ينظر إلى الملف الفارغ) لكن هذا ليس في جدول الأعمال.

المترجم: (خلف الزجاج، يترجم بصوت مذيع)

"السيد مندوب اللاجئين يعبّر عن تقديره للأعياد الوطنية، لكنه يقترح تأجيلها حتى استقرار الأوضاع..."

مندوب اللاجئين: (ينهض، غاضباً)

هذا ليس ما قلته!

المترجم: (يرفع يديه للاستسلام)

آسف... هذه هي الترجمة الرسمية الوحيدة المعتمدة.

مدير المؤتمر: (يقرع المطرقة بقوة، فتتكسر)

أعلن بدء جلسة "الصمت الفعال"! (الجميع يصمتون لمدة 10 ثوانٍ، ثم يبدأون بالكلام مجدداً وكأن شيئاً لم يحدث)

طاهي الحساء: (يعيد توزيع الأكواب الفارغة)

حساء آخر... هذا الأسبوع نقدم "حساء البروتوكول"... لا طعم له، لكنه يترك أثراً على المائدة.

الخيمة: (تهتز في الخلفية، صوتها الآن أكثر وضوحاً)

"الصمت... هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم..."

مندوب اللاجئين: (ينظر إلى الخيمة، ثم إلى الجميع)

ربما يجب أن ننقل المؤتمر إلى الخيمة. هناك... على الأقل... لن نسمع الترجمات الخاطئة.

مدير المؤتمر: (يضحك بتوتر)

هذه فكرة... غير مدرجة في جدول الأعمال. (يكتب في مفكرته) فكرة جديدة: نقل الاجتماعات إلى الخيمة... سَنُناقِشُها في الاجتماع القادم.

المشهد الثالث: "الانشقاق الأول"

(المكان: جزء من القاعة تحول إلى خيمة كبيرة (الممثل الخيمة يجلس في المنتصف). بعض المناديب يغادرون القاعة الرسمية ويجلسون تحت الخيمة. مندوب اللاجئين يقودهم).

مندوب اللاجئين: (واقفاً تحت الخيمة، يخاطب الحضور الجديد)

أيها السادة... لقد سئمنا من الكلام الذي لا يلامس الواقع. سئمنا من الحساء الفارغ، والترجمات المعكوسة، والجداول التي لا تؤدي إلى أي مكان.

برلماني الخيمة الأول: (يجلس على الأرض، يرفع يده)

ماذا نقترح بديلاً؟

مندوب اللاجئين: (ينظر إلى الخيمة، يبتسم)

نقترح أن نؤسس... برلماناً بديلاً. (يتوقف، يضحك من فكرة نفسه) برلماناً تحت الخيمة. لا قاعة، لا ميكروفونات، لا مترجمين. فقط... صوتنا.

برلماني الخيمة الثاني: (يقف، متحمساً)

أنا أوافق! لكن ما هي قوانين هذا البرلمان؟

مندوب اللاجئين: (يفكر للحظة)

القانون الأول: كل قانون يجب أن يُكتب على ورق ثم يُؤكل بعد التصويت. هكذا نضمن أن القوانين تدخل أجسادنا، لا فقط عقولنا.

(يضحك الحضور تحت الخيمة، يصفقون بحماس غير متزامن).

طاهي الحساء: (يقترب منهم بقدره الفارغ)

حساء خاص للبرلمان البديل... "حساء التأسيس"... ليس فارغاً هذه المرة! (يوزع أكواباً تحتوي على ماء عادي)

مدير المؤتمر: (يقترب من الخيمة، غاضباً)

هذا غير قانوني! أنتم تخالفون البروتوكول! (يتوقف، ينظر حوله) أين أوراق الاعتراض الرسمية؟!

مندوب الدولة الفلانية: (يقف خلف المدير، يخلع نظارته الشمسية)

سيادة... حتى أنا... سيادة... أعتقد أن الخيمة أكثر... سيادة... واقعية من القاعة. (يمشي ببطء تحت الخيمة، يجلس)

مدير المؤتمر: (يبقى واقفاً بمفرده، ينظر إلى القاعة الفارغة والخيمة الممتلئة)

لقد أصبحتُ... رئيساً بدون جمهور. (يجلس على الكرسي الرئاسي، يقرع المطرقة المكسورة بصوت خافت) أعلن... افتتاح جلسة جديدة... (لا أحد يستمع)

المشهد الرابع: "برلمان الخيمة يعقد أولى جلساته"

(المكان: الخيمة الآن مركز الحدث. المناديب الجدد (اللاجئون) يجلسون في دائرة. مندوب اللاجئين يقف في المنتصف كرئيس مؤقت. الخيمة نفسها تشارك في الحوار).

مندوب اللاجئين: (يلقي كلمته الأولى)

أيها البرلمانيون الجدد... نحن لا نعرف بعضنا البعض. لا نعرف أسماء بعضنا، ولا نعرف من أين أتينا. لكننا نعرف أننا هنا... تحت هذه الخيمة. وهذا يكفي لبدء العمل.

برلماني الخيمة الأول: (يقف)

أقترح أن يكون أول قانون هو: "لكل لاجئ الحق في تغيير اسمه ثلاث مرات في اليوم". لأن بعضنا لا يريد أن يُعرف باسمه القديم.

مندوب اللاجئين: (يبتسم)

القانون يُقر بالإجماع... (يتوقف) لكن من سيصوّت؟ كلنا هنا. (يرفع يده) أنا أوافق. (الجميع يرفع أيديهم)

برلماني الخيمة الثاني: (يقف، يحمل ورقة)

أقترح قانوناً ثانياً: "تُعقد الجلسات فقط عندما تمطر". لأن المطر يذكّرنا ببيوتنا القديمة.

مندوب اللاجئين: (ينظر إلى سماء الخيمة الوهمية)

لكن لا نملك سقفاً يمنع المطر. (يتأمل) أو ربما هذا هو الهدف: أن نتعلم كيف نعقد الجلسات ونحن مبللون.

الخيمة: (تتحرك، صوتها هادئ)

"المطر... هو أكبر ديمقراطي... لأنه يلمس الجميع دون استثناء."

برلماني الخيمة الثالث: (يقف، يقرأ من ورقة مكتوب عليها بقلم رصاص)

أقترح قانوناً ثالثاً وأخيراً: "أن تكون وجبة الحساء وجبة إلزامية في نهاية كل جلسة".

طاهي الحساء: (يفتح قدره الفارغ، يُخرج منه ملعقة كبيرة)

هذا أنا! الطباخ الرسمي للبرلمان! (يمشي بينهم، يوزع أكواباً من الماء مجدداً) هذه المرة، الحساء هو "حساء الوحدة"... طعمه كالمطر... لكنه يدفئ.

مندوب اللاجئين: (يرفع كوبه، كالتوست)

إلى برلماننا البديل! إلى الخيمة التي آوتنا! إلى القوانين التي سنأكلها بعد التصويت!

(الجميع يرفعون أكوابهم، يشربون الماء كأنه نبيذ فاخر. يُسمع صوت تصفيق من خارج الخيمة، من المدير الذي لا يزال واقفاً وحيداً في القاعة الفارغة).

مدير المؤتمر: (يصفق ببطء، وحيداً)

أحسنتم... أحسنتم... (يتوقف، ينظر إلى مطرقته المكسورة) ربما... أنا أيضاً سأنتقل إلى الخيمة.

(يمشي ببطء نحو الخيمة، لكنه يتوقف عند مدخلها، متردداً).

المشهد الخامس (النهاية): "الخيمة تتسع"

(المكان: الخيمة الآن ضخمة، تغطي نصف المسرح. القاعة الرسمية اختفت تماماً. البرلمانيون الجدد يجلسون في دائرة، المدير جالس على حافة الدائرة كزائر. الخيمة تنبض ككائن حي، أضواءها تتمايل).

مندوب اللاجئين: (يقف، يخاطب الجميع)

أيها الزملاء... لقد أنشأنا برلماناً بديلاً. (يتوقف، يضحك) لكن هل هو بديل حقاً؟ أم أنه مجرد نسخة أخرى من نفس النظام، لكن تحت خيمة؟

برلماني الخيمة الأول: (يفكر)

ربما كل الأنظمة متشابهة... لكن الفرق أننا هنا نعلم أنها متشابهة. وهذا العلم... هو ثورتنا الحقيقية.

برلماني الخيمة الثاني: (يقف، متحمساً)

إذاً... لا نبحث عن نظام مثالي. نبحث عن نظام نعرف عيوبه، ونضحك عليها معاً.

مدير المؤتمر: (يرفع يده بخجل)

أنا... لدي سؤال: هل يمكنني الانضمام... كعضو عادي؟

مندوب اللاجئين: (ينظر إليه طويلاً، ثم يبتسم)

بالطبع. لكن عليك أولاً أن تأكل ورقة القوانين القديمة. (يمد له قطعة من الورق) أكلها... لتتخلص من بيروقراطيتك.

مدير المؤتمر: (يأخذ الورقة، ينظر إليها، ثم يمزقها ويضعها في فمه، يمضغها بصعوبة)

طعمها... مرير.

مندوب اللاجئين: (يضحك)

المرارة... هي بداية النكهة الحقيقية.

طاهي الحساء: (يوزع أكواباً جديدة، هذه المرة الأكواب ليست فارغة، بل فيها ماء بلون أصفر فاتح)

حساء الختام... "حساء الدستور"... مصنوع من الشاي الذي نسيناه في القدر.

الخيمة: (تتحرك، صوتها هذه المرة واضحاً كالجرس)

"أيها البرلمانيون الجدد... الخيمة تتسع... كلما أضفتم قوانين جديدة... تتسع لتضم كل العابرين... وكل الضائعين..."

مندوب اللاجئين: (ينظر إلى الجميع، ثم إلى الجمهور مباشرة)

نحن هنا... تحت الخيمة. ليس لدينا أوراق رسمية، ولا مطرقة، ولا مترجمين. (يتوقف) لكن لدينا... بعضنا البعض. (يضحك) وهذا... ليس قانوناً رسمياً، لكنه يعمل.

(الجميع يبدأون بالضحك معاً. الضوء يتحول إلى ذهبي دافئ. الخيمة تبدأ بالرقص (الممثل يتحرك) كأنها تحتفل. المدير يخلع ربطة عنقه ويضعها على رأسه كتاج مقلوب. البرلمانيون يبدأون برسم قوانين جديدة على ورق، ثم يأكلونها بعد كتابتها).

برلماني الخيمة الأول: (يكتب بسرعة، ثم يأكل الورقة)

قانون جديد: "الحق في النوم في أي وقت".

برلماني الخيمة الثاني: (يكتب ويأكل)

قانون جديد: "الحق في تغيير وجهة نظرك ثلاث مرات في اليوم".

مندوب اللاجئين: (يكتب على ورقة كبيرة، يرفعها عالياً، لا يأكلها بل يعلقها على الخيمة)

وهذا هو الدستور: (يقرأ) "نحن، اللاجئون تحت الخيمة، نعلن أنفسنا برلماناً بديلاً. قوانيننا مؤقتة، مثلنا. واجتماعاتنا تمطر أحياناً. لكننا موجودون".

(الجميع يصفقون. الخيمة تهتز بقوة كأنها تضحك. المدير يبتسم وهو يرتدي ربطة عنقه على رأسه).

مدير المؤتمر: (يهمس للجمهور)

كنتُ أظن أن البروتوكول هو كل شيء... (ينظر حوله) الآن أكتشف أن البروتوكول كان مجرد ورق... والخيمة هي الحقيقة.

مندوب اللاجئين: (ينظر إلى السماء الوهمية فوق الخيمة)

غداً... سنُعقد جلسة جديدة. لكننا لا نعرف متى... ولا نعرف من سيحضر. (يضحك) هذا هو جمال البرلمان البديل... أنه لا يعرف شيئاً... سوى أنه موجود.

(الضيوف (الجمهور) يبدأون تدريجياً بالوقوف والمغادرة، لكن البرلمانيين يظلون جالسين تحت الخيمة، يكتبون ويأكلون القوانين، كأنهم في نزهة أبدية. الضوء يخفت ببطء، لكن الخيمة تظل مضاءة بوهج خافت، كنجمة وحيدة في ليلة صحراوية).

الخيمة: (في همس أخير)

"المؤتمر انتهى... لكن اللاجئين لا ينتهون... فهم مثل الخيمة... يظلون واقفين... حتى لو لم يكن هناك أحد بداخلهم."

(الضوء ينطفئ تماماً. يُسمع صوت مطر خفيف على القماش. ثم صمت. ثم صوت ضحكة واحدة من تحت الخيمة، لا تُعرف لمن هي).

النهاية.

التحليل

- المترجم الذي يترجم ما كتبه بنفسه     هذه ضربة عبثية خالصة: يترجم كلاماً لم يُقل، ويكون مصدر الترجمة هو المترجم نفسه. كأن النظام ينتج واقعه الخاص.

- الحساء الفارغ    رمز للإغاثة الوهمية، والوعود التي لا تشبع. أكواب فارغة تقدم كحل، وكأن العبث ذروته عندما تكون مساعدتنا فارغة لكننا نُصر على تقديمها.

- البرلمان البديل تحت الخيمة     هنا يبدأ ما بعد العبث: بدلاً من تحليل العبثية وما بعد العبثية في النص

 - اللغة الفارغة البيروقراطية تختزل إلى جمل فارغة: "الجدول الزمني للجدول الزمني"، "شكوى بديلة عن الشكوى المفقودة". اللغة هنا أداة لإخفاء الفراغ، وليس لكشفه.

- الصراخ على فساد النظام، يقرر اللاجئون تقليد النظام بشكل سخيف. فالقوانين التي تؤكل بعد التصويت، والجلسات التي تُعقد فقط عندما تمطر، هي محاكاة ساخرة للقوانين الواقعية، لكنها في سخافتها تكشف عن عبثية الأصل.

- النهاية المفتوحة لا نهاية، لا حل، لا انتصار. البرلمان البديل يستمر في كتابة قوانين يأكلها، والضحكة الأخيرة من تحت الخيمة تشي اللعبة مستمرة حتى بعد مغادرة الجمهور. بأن

لمسات ما بعد العبثية الإضافية:

- تحويل المدير من رمز للسلطة إلى عضو يضحك على نفسه، ويرتدي ربطة عنقه كتاج مقلوب. هذا تحول ما بعد عبثي: عدو الأمس أصبح جزءاً من اللعبة الساخرة.

- الخيمة ككائن حي يتكلم، وهذا يذيب الحدود بين المكان واللاعب، ويوحي أن النظام الجديد ليس من صنع البشر فقط، بل من صنع الفضاء نفسه.

- الأكل رمزاً للقوانين، يجعل الدستور مادة تستهلك وتهضم وتفنى، وهذا استهزاء بخلود القوانين الوضعية.

- استمرار الجلسات بعد خروج الجمهور يوحي بأن العبث لا يتوقف بانتهاء العرض، بل هو حالة دائمة، والمسرح ليس سوى نافذة عليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه