صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الخامس عشر: عنوان (اوبرا القمامة)
صفرٌ بين قوسين
(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)
المسرحية الخامس عشر: عنوان (اوبرا القمامة)
(ما بعد عبثية موسيقية في خمسة مشاهد - ضمن
سلسلة «صفرٌ بين قوسين»)
بقلم الكاتب والناقد
عدنان مهدي الطائي
الشخصيات:
- المايسترو (م.) –
قائد الأوركسترا. يرتدي بدلة رسمية ممزقة، ويحمل عصا قيادة مصنوعة من أنبوب
بلاستيكي قديم. شغوف بتحويل النفايات إلى موسيقى، لكنه لا يعرف العزف.
- عازفة العلبة (ع.ع) –
امرأة في الأربعين، تعزف على علب الصفيح كالطبل. حركاتها دقيقة كراقصة باليه.
- عازف الزجاج (ع.ز) –
رجل يحمل زجاجات فارغة، ينفخ فيها كالناي. وجهه مغطى بالغبار، لكن عينيه براقتان.
- جامعة النفايات (ج.ن)
– شخصية تجمع النفايات من كل مكان، تحمل كيساً ضخماً لا ينتهي أبداً. تظهر وتختفي
بين المشاهد.
- المدير التنفيذي
(م.ت) – رجل يرتدي بدلة نظيفة، يحمل جهازاً لوحياً، يحاول "استثمار"
الأوبرا لأغراض تجارية.
- صوت النفايات (ص.ن) –
جوقة غنائية من المؤثرات الصوتية، تصدر أصواتاً كالزجاج المكسور، والعلب المفرغة،
والورق الممزق.
المشهد الأول: "البروفة الأولى - عزف على
العدم"
(المكان: مكب نفايات
ضخم، لكنه مرتب بشكل فني. علب صفيح معلقة كالنجوم، زجاجات مصفوفة كالأنابيب، أوراق
ممزقة تطفو في الهواء كالثلج. المايسترو يقف على منصة خشبية مهتزة، رافعاً عصا
القيادة البلاستيكية).
المايسترو: (يضرب عصاه على علبة فارغة، تصدر
صوتاً جوفاء)
السادة الموسيقيون...
لنبدأ البروفة الأولى لأوبرا القمامة. (يتوقف، ينظر حوله) الآلات جاهزة...
العازفون حاضرون... لكن النوتة الموسيقية لا تزال مكتوبة على مناديل ورقية.
عازفة العلبة: (تقرع
على علبتين بإيقاع سريع)
قرعتُ على هذه العلبة
ألف مرة... لكنها كل مرة تصدر صوتاً مختلفاً. (تتأمل العلبة) ربما لأنني أنسى
الإيقاع السابق.
عازف الزجاج: (ينفخ في زجاجة فارغة، يصدر
صوتاً كالنحيب)
هذه الزجاجة كانت تحمل ماءً منذ زمن... الآن
تحمل هواءً. والهواء يئن كالماء المفقود.
المايسترو: (يحرك عصاه في الهواء كمن يرسم
لحناً)
لا يهم ما تحمله
الآلات... المهم ما نحمله نحن حين نعزف. (يغمض عينيه) تخيلوا أن هذه النفايات ليست
بقايا... بل نوتات موسيقية ضاعت من الأوركسترا الكونية.
جامعة النفايات: (تظهر من خلف كومة من
البلاستيك، ترمي علبة جديدة على الأرض)
"المزيد... المزيد... الموسيقى تحتاج إلى
المزيد من الصمت المعلّب."
المايسترو: (يلتقط العلبة، ينظر إليها كأنها
تحفة)
هذه العلبة... كانت تحوي طعاماً. الآن ستحوي
نغمة. (يقرع عليها، تصدر صوتاً عالياً) رائع! صوت الجوع يتحول إلى صوت فرح.
صوت النفايات: (جوقة خافتة تهمهم)
"نحن القمامة... نغني من تحت الرماد...
نحن المنسيون... لكننا الآن نعود كأنغام."
(الضوء يتحول إلى
برتقالي خافت. العازفون يبدأون في عزف إيقاع عشوائي، لكنه جميل بشكل غريب).
المشهد الثاني: "المدير التنفيذي يزور
المكب"
(المكان: نفس المكب،
لكن الآن هناك طاولة اجتماعات وهمية مصنوعة من كرتون معاد تدويره. المدير التنفيذي
يجلس خلفها، ينظر إلى العازفين باستعلاء. المايسترو واقف أمامه كمن يقدم عرضاً).
المدير التنفيذي: (يمسح جهازه اللوحي بإصبعه،
يتحدث بسرعة)
هذا مشروع مذهل...
أوبرا القمامة! (يضحك) يمكننا تسويقها كـ "فن بيئي"... رعاة من شركات
النفط، تذاكر باهظة الثمن، براندينغ أخضر!
المايسترو: (يبتسم بتوتر)
لكن... هذه الأوبرا
ليست للتسويق. إنها للتأمل. العزف على النفايات هو طقس، ليس عرضاً.
المدير التنفيذي: (يتجاهله، يشير إلى عازفة
العلبة)
هذه المرأة... تحركها
جيداً. يمكننا وضعها في إعلانات. (يشير إلى عازف الزجاج) وهذا الرجل... مظهره
المتهالك يصلح لروايات الألم الإنساني.
عازفة العلبة: (تتوقف عن العزف، تنظر إليه
ببرود)
أنا لا أعزف للبيع.
أعزف لأن العلبة تصرخ حين أقرع عليها. وهذه الصرخة تحتاج إلى من يسمعها.
المدير التنفيذي: (يبتسم ابتسامة باردة)
الصراخ أيضاً يُباع...
إذا وضع عليه لافتة سعر مناسبة. (يكتب على جهازه) سأرسل فريقاً لتطوير الهوية
البصرية... سيكون لديكم شعار، ولوجو، وهاشتاغ.
جامعة النفايات: (تمر خلفه، تهمس)
"الهوية... قناع آخر... والنفايات تظل
نفايات... حتى لو ارتدت ثوباً أخضر."
المدير التنفيذي: (يلتفت بسرعة لكن لا يرى
أحداً)
من تكلم؟
المايسترو: (يضرب عصاه على الطاولة الكرتونية،
فتسقط)
لا أحد... مجرد صوت النفايات. إنها ترافقنا
دائماً.
المدير التنفيذي: (يقف فجأة، يلتقط حقيبته)
سأعود غداً... مع العقد. (يتوقف عند الباب)
أوصيكم: لا تغيروا شيئاً... إلا كل شيء.
(يغادر. العازفون
ينظرون إلى بعضهم في صمت. ثم يبدأون بالعزف مجدداً، لكن هذه المرة بإيقاع أبطأ
وكئيب).
المشهد الثالث: "البروفة الثانية -
المقاومة الصامتة"
(المكان: المكب تحول
إلى مسرح صغير. الكراسي مصنوعة من إطارات قديمة، والستارة من أكياس بلاستيكية
منسوجة معاً. العازفون يقرعون الآلات بصمت (لا صوت، فقط حركات)، وكأنهم يؤدون
أوبرا صامتة).
المايسترو: (يحرك عصاه دون أن تصدر صوتاً)
لنعزف اليوم بصمت... لنسمع النفايات تتحدث
بلغتها الأصلية.
عازف الزجاج: (ينفخ في الزجاجة دون صوت، تتحرك
شفتاه كأنه يغني)
الصمت... هو النوتة
الأجمل في أوبرا القمامة. لأن النفايات كانت صامتة قبل أن نعزف عليها.
عازفة العلبة: (تقرع على العلبة دون صوت، لكن
جسدها يهتز بالإيقاع)
أشعر بالنغمات تهتز في داخلي... حتى لو لم
تسمعها آذانكم.
جامعة النفايات: (تظهر وتبدأ بترتيب النفايات
في دوائر)
"النفايات تنظم
نفسها... حين لا أحد ينظر. الموسيقى الحقيقية هي النظام الذي يولد من
الفوضى."
المايسترو: (يتوقف، ينظر إلى العازفين)
نحن لا نعزف للجمهور...
نحن نعزف للنفايات نفسها. لنجعلها تشعر بأنها ليست مجرد بقايا، بل جزء من لحن
كوني.
صوت النفايات: (يخرج من كل الآلات في آن واحد،
لكنه همس خافت)
"نحن القمامة... نسمعكم... حتى حين لا
نسمع."
(الضوء يتحول إلى أزرق.
العازفون يواصلون العزف الصامت. المدير التنفيذي يدخل من الخلف، يحاول التصفيق لكن
يديه لا تصدر صوتاً)
المشهد الرابع: "العرض الأول - الكارثة
الجميلة"
(المكان: المكب تحول
إلى أوبرا متكاملة. إضاءة دراماتيكية، النفايات معلقة كالثريات، والجمهور
(كومبارس) يجلسون على كراسي معاد تدويرها. العازفون يعزفون بأقصى طاقتهم، والأصوات
تتعالى).
المايسترو: (يقف على منصته، يلوح بعصاه بحماس)
السيدات والسادة...
أوبرا القمامة! (يتوقف) ليس لدينا نوتة موسيقية، ليس لدينا برنامج، ليس لدينا حتى
نهاية. لكننا نعزف... لأن النفايات تستحق أن تغنى.
عازفة العلبة: (تعزف بإيقاع متسارع، العلبة
تصدر أصواتاً كالرعد)
هذه العلبة كانت تحوي طعاماً لأطفال جائعين...
الآن تحوي نغمة لأرواح متعبة.
عازف الزجاج: (ينفخ في الزجاجات بأحجام
مختلفة، يصدر أصواتاً كالأمواج)
هذه الزجاجات كانت تحوي ماءً ملوثاً... الآن
تحوي أنفاساً نقية.
صوت النفايات: (جوقة عالية، كل الآلات تعزف
معاً)
"نحن القمامة... لكننا نغني كالأبراج...
نطنّ كالأجراس... نئنّ كالرياح."
(المدير التنفيذي يقف
في الصف الأمامي، يحاول التصفيق بانتظام لكن يديه تهتزان دون إيقاع).
المدير التنفيذي: (يهمس لمرافقته)
هذا مربح جداً... (يبتسم) سأبيع حقوق الأوبرا
لسبع دول.
جامعة النفايات: (تمر خلفه بهدوء، تهمس)
"للنفايات حقوق أيضاً... حقوقها في أن
تبقى نفايات، لا أن تتحول إلى سلعة."
المدير التنفيذي: (يلتفت، لكنه لا يرى أحداً)
(يتمتم) هذه الأصوات... بدأت تزعجني.
(العزف يصل إلى ذروته.
فجأة، تسقط إحدى الثريات المصنوعة من العلب، لكن العازفين يواصلون العزف كأن شيئاً
لم يحدث).
المشهد الخامس (النهاية): "الاكتفاء بلا
تصفيق"
(المكان: المكب يعود
إلى هدوئه. العازفون جالسون على الأرض، يتنفسون بصعوبة بعد الأداء. الجمهور رحل.
المدير التنفيذي رحل. النفايات التي كانت معلقة سقطت على الأرض. المايسترو جالس
على كومة من البلاستيك، يحمل عصاه كالعصا البيضاء).
المايسترو: (ينظر إلى العصا، يبتسم)
لقد عزفنا... (يتوقف) لكن هل سمعنا أحد؟
عازفة العلبة: (تمد يدها لتلمس العلبة التي
عزفت عليها)
العلبة الآن ممزقة... لكنها أصدرت أجمل صوت في
حياتها.
عازف الزجاج: (ينظر إلى الزجاجات المكسورة
حوله)
الحزن جميل حين يُعزف... لكنه أثقل حين يُعاد
تدويره.
جامعة النفايات: (تظهر للمرة الأخيرة، تجلس
معهم كصديقة)
"النفايات لا تعيد
تدوير نفسها... نحن من نعيد تدويرها. والمعنى لا يعيد تدوير نفسه... نحن من نعيد
تدويره. (تتوقف) وهذه هي أوبرا القمامة الحقيقية... ليست العزف، بل الإصرار على
العزف."
المايسترو: (ينظر إليها بعينين دامعتين)
إذاً... ماذا بقي بعد العرض؟
جامعة النفايات: (تهمس كالأم)
"بقي الصمت... لكن الصمت أيضاً يمكن أن
يُعاد تدويره."
(تقف، تبدأ بجمع
النفايات من حولها برفق، وتضعها في كيسها الضخم. العازفون ينظرون إليها دون أن
يتحركوا).
عازفة العلبة: (تهمس)
هل سنعزف مجدداً؟
المايسترو: (يهز رأسه ببطء)
سنعزف... لكن ليس
اليوم. اليوم سنستمع... إلى صوت النفايات وهي تستريح.
(يغلقون أعينهم. يُسمع
صوت خافت من كل النفايات حولهم، كأنها تتنفس. ثم صوت هامس كالأغنية: "نحن
القمامة... لكننا نملك لحناً لا يموت... حتى حين يموت.")
(الضوء يخفت ببطء شديد.
يبقى العازفون جالسين في الظلام، وكأنهم جزء من النفايات التي أحبوها. لا ستارة
تسقط. يُسمع صوت تصفيق واحد، لكنه يأتي من العلبة الممزقة نفسها، كأنها تشكرهم).
النهاية
التحليل الفلسفي لما بعد العبثية في «أوبرا
القمامة»
المشهد الأول: عزف على
العدم إعادة تعريف الجمال: النفايات ليست مجرد بقايا، بل مادة خام لجمال جديد.
العبث الكلاسيكي كان يرى النفايات كرمز للانحطاط، أما ما بعد العبث فيرى فيها
إمكانية للخلق. العزف على علب الصفيح هو استعارة لفعل إنساني أساسي: تحويل البقايا
إلى طقوس.
المشهد الثاني: المدير
التنفيذي يزور المكب الاستهلاك مضاداً للفن: صراع بين روح الأوبرا كطقس وجودي،
وبين رأس المال الذي يريد تحويلها إلى سلعة. ما بعد العبث لا يهاجم الرأسمالية
مباشرة، بل يسخر من سرعتها في استيعاب حتى أكثر الأفعال تمرداً. المدير الذي يريد
"تطوير الهوية البصرية" هو كاريكاتور لالتهام المؤسسات للفن.
المشهد الثالث: المقاومة
الصامتة الصمت كأعلى درجات التعبير: العزف الصامت هو تجسيد لفكرة أن الموسيقى قد
تكون حضوراً لا صوتاً. ما بعد العبث يعرف أن أعلى أشكال الاحتجاج هي الانسحاب من
لغة السلطة. العازفون يعزفون لأنفسهم وللنفايات، لا للجمهور أو للمدير. وهذا
استعادة للفعل الفني لنقائه الأصلي.
المشهد الرابع: الكارثة
الجميلة الفوضى المنظمة: سقوط الثريا أثناء العزف هو تذكير بأن الجمال هش، لكنه
يستمر رغم الكوارث. ما بعد العبث لا يخاف من الفوضى، بل يجد فيها مصدراً للإبداع.
العازفون الذين يواصلون العزف رغم السقوط هم تجسيد للإصرار الإنساني على الخلق رغم
الانهيار.
المشهد الخامس: الاكتفاء
بلا تصفيق القبول الطقوسي: النهاية ليست خلاصاً ولا هزيمة، بل توقف مؤقت. العازفون
يستمعون إلى النفايات وهي تستريح، وهذا هو شكل ما بعد العبث من
"السعادة": الوعي بأن المعنى ليس في النتيجة، بل في الفعل نفسه. تصفيق
العلبة الممزقة هو إعلان أن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى اعتراف، بل يكتفي بوجوده.
لمساتي الإضافية (الصوتية والبصرية):
1. جوقة النفايات الصوتية – جعلت النفايات نفسها
كائناً صوتياً يتفاعل مع العازفين، مما يخلق حواراً بين الإنسان والجماد، وهذا
ينتمي إلى ما بعد العبث حيث تتساوى الأشياء في الوجود.
2. العزف الصامت – هو اكتشاف إخراجي محض: جعل
الجمهور يرى العازفين يعزفون دون سماع، مما يجبرهم على التركيز على حركاتهم
وتعبيراتهم، ويخلق نوعاً من التأمل البصري الخالص.
3. المايسترو ببدلته الممزقة – رمز للفنان الذي
يحافظ على شكله رغم انهيار محتواه، وهذه مفارقة ما بعد عبثية بامتياز.
4. النهاية التي لا تنتهي ترك العازفين في الظلام
مع النفايات كأنهم جزء منها، وهذا يذيب الحدود بين الفنان والمادة، ويدعو الجمهور
إلى التفكير في مكانتهم في هذه الدائرة.
تعليقات
إرسال تعليق