صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الثالثة: العنوان (السلم والجدار

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

  المسرحية الثالثة: العنوان (السلم والجدار

مسرحية ما بعد العبثية

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

الشخصيات:

- أ: رجل أربعيني، يرتدي معطفاً ثقيلاً، حركاته متوترة وكأنه ينتظر صفارة إنذار.

- ب: امرأة في الثلاثين، ترتدي فستاناً بسيطاً، تتصرف ببرود وسخرية خفيفة.

- ج: شخصية غامضة، ترتدي بذلة رسمية سوداء، تحمل علبة ألوان مائية. لا يبدو عليه الاندهاش أبداً.

المشهد الأول: "أداة بلا هدف"

(غرفة رمادية بالكامل. لا نوافذ. باب واحد في مؤخرة المسرح، موصَد بإحكام. في المنتصف، سلم خشبي طويل مكسور من الدرجة الثالثة، لكنه لا يزال قائماً، يرتكز على الجدار الأيمن. "أ" و"ب" يجلسان على كرسيين مهترئين، ينظران إلى السلم وكأنه تمثال).

أ: (ينظر إلى معصمه، حيث ساعة يد لا تعمل) 

هل تعتقد أنه سيأتي اليوم؟

ب: (تقلب صفحات كتاب سميك، لكن صفحاته كلها بيضاء خالية من الحروف) 

من "هو"؟ السلم؟ الجدار؟ أم الشخص الذي سيصلح السلم؟

أ: (يقف، يقترب من السلم، يلمسه بحذر) 

لا أعرف. لكن هناك من أخبرنا أن هذا السلم هو الطريق الوحيد للخروج. انظر إلى درجته المكسورة.. ربما هو يحذرنا من الصعود.

ب: (تغلق الكتاب، تضعه تحت قدمها كمسند) 

أو ربما الدرجة المكسورة هي التي تجعله سُلَّماً حقيقياً. السلم المستقيم تماماً هو مجرد عمود، وليس وسيلة للصعود.

(صوت قطرات ماء تتساقط من السقف. "أ" يمد كفه ليجمعها، لكن الماء يتسرب بين أصابعه ولا يبقى فيها شيء).

ب: (تضحك فجأة ضحكة جافة) 

انظر إلى يدك. تحاول جمع السائل بالثقوب.

أ: (يغضب، يهز يده) 

لماذا تضحكين دائماً؟!

ب: (تبرد فجأة) 

لأنني تذكرت أننا ننتظر شيئاً لم نتفق على ماهيته. نحن ننتظر "الوصول"، لكننا لا نعرف إلى أين. ربما الجدار هو الوجهة، والسلم هو مجرد وهم الحركة.

(يظهر فجأة ظلٌ على الجدار خلفهما، يشبه شبح إنسان. "أ" يلتفت بسرعة، يحاول لمس الظل، لكنه يختفي فوراً. السقف يبدأ بالتساقط ببطء، كجزيئات جبس بيضاء).

أ: (يهمس) 

الغرفة تتفتت.

ب: (تمد يدها، تلتقط بعض الجبس، تنفخه في الهواء) 

لعلها تتفتت لأنها شعرت بالملل من شكلنا ونحن ننتظر.

(الضوء يخفت ببطء، ويسقط على السلم وحده، فيبدو أطول مما كان عليه).

المشهد الثاني: "محاولة الصعود"

(الضوء يعود. الجدار الذي كان السلم يرتكز عليه أصبح به شقوق عميقة. "أ" يقرر فجأة أن يصعد السلم. يضع قدمه على الدرجة الأولى، ثم الثانية. الدرجة الثالثة (المكسورة) تنكسر تحت قدمه بالكامل، فيسقط على الأرض بقوة).

ب: (تقف، تنظر إليه من علُ، دون أن تمد يدها لمساعدته) 

هذا متوقع. السلم المكسور لا يدعم الوزن.

أ: (يصرخ من الألم، لكنه ينهض ويمسح تراب بدلته) 

إذاً لماذا لا نصلحه؟! لدينا خشب، لدينا مسامير... لدينا أيدٍ!

ب: (تشير إلى زاوية الغرفة حيث توجد كومة من الخشب المتعفن والمسامير الصدئة) 

حاولتُ ذلك الأسبوع الماضي. كلما أصلحتُ درجة، تنكسر درجتان أخريان. السلم ليس مكسوراً فقط... هو يرفض أن يكون صحيحاً.

أ: (يقترب من الجدار، يقرع عليه بقبضته) 

إذن لماذا لا نكسر الجدار بدلاً من إصلاح السلم؟!

ب: (ترفع حاجبها بسخرية) 

وكيف سنكسر الجدار؟ بالسلم الذي لا يصلح؟ أم بالكتاب الفارغ؟

(يصمتان. فجأة، يسمعان صوتاً من تحت الأرض. صوت خافت كأن أحداً يحفر. ينظران إلى بعضهما، ثم إلى الأرضية التي تبدأ بالاهتزاز. في منتصف الغرفة، تحديداً حيث كان السلم يرتكز، تبدأ الأرضية بالانهيار مكونة حفرة مظلمة. السلم يهوي داخل الحفرة ويختفي تماماً).

أ: (يتراجع إلى الخلف، مرتعباً) 

اختفى... السلم كله اختفى!

ب: (تقترب من حافة الحفرة، تنظر إلى الأسفل بفضول بارد) 

لا، لم يختفِ. لقد تحول إلى سؤال. السؤال الآن هو: هل نقفز في الحفرة، أم نبقى هنا مع الجدار؟

(ينظران إلى الحفرة. لا قاع لها مرئي. يسود صمت طويل. المشهد يتجمد).

المشهد الثالث: "صوت القاع"

(نفس الغرفة، لكن الحفرة أصبحت أكبر. الجدران بدأت تتشقق أكثر. "أ" و"ب" لا يزالان ينظران إلى الحفرة. فجأة، يسمعان صوتاً يرتفع من الأعماق. ثم يظهر "ج" من الحفرة، يتسلق بخفة كأنه يخرج من بركة سباحة، يرتدي بذلة سوداء بالكامل، ويحمل علبة ألوان كبيرة. الباب المغلق في الخلف ما زال موصَداً).

أ: (مذهولاً) 

من أنت؟! كيف خرجت من هناك؟!

ج: (ينفض الغبار عن كتفه، يبتسم بهدوء شديد) 

أنا "ج". وكل ما تحتاجون معرفته عني هو أنني كنت أنتظر في قاع الحفرة حتى تسقطوا أنتم.

ب: (تحتضن الكتاب الفارغ، كأنه درع) 

كيف عرفت أننا سنسقط؟

ج: (يضع علبة الألوان على الأرض، يفتحها ببطء) 

لأن كل من يحاول إصلاح سلم مكسور ينتهي به المطاف إلى الحفرة. هذه هي القاعدة الثالثة في دليل "كيف لا تصل إلى أي مكان".

أ: (يشير إلى علبة الألوان) 

ما هذه؟ هل ستصلح السلم بالألوان؟!

ج: (يأخذ فرشاة، يغمسها في لون أزرق، ويرسم خطاً طويلاً على الجدار المتشقق) 

السلم لم يكن حقيقياً يوماً. كان مجرد "فكرة" عن الصعود. لكن الجدار... الجدار حقيقي. انظروا.

(يرسم "ج" باباً على الجدار. باب بسيط، بقبضة صفراء، على الجدار الرمادي. يرسمه بدقة متناهية).

ب: (تلمس الباب المرسوم، تندهش لأن أصابعها تشعر بخشونة الطلاء فقط) 

إنه مجرد رسم... لا يمكن فتحه.

ج: (يضع الفرشاة جانباً، يبتسم ابتسامة أوسع) 

بالطبع لا يمكن فتحه. لكن السؤال ليس "كيف نفتحه؟". السؤال هو: "ما الذي سنفعله به بعد أن نرسمه؟".

(يسكت الجميع. ينظرون إلى الباب المرسوم على الجدار. المشهد يخفت تدريجياً).

المشهد الرابع: "الجدار الجديد"

(الغرفة الآن أشبه بمرسم فوضوي. الجدار الذي كان رمادياً أصبح مغطى برسوم متناقضة: شمس برتقالية، قارب أحمر في بحر أسود، عيون كثيرة بلا وجوه. "أ" و"ب" و"ج" يقفون أمام الباب المرسوم).

أ: (يأخذ فرشاة حمراء من العلبة، يرسم سلماً جديداً على الجدار، لكن السلم المرسوم ينزل من الباب إلى الأرض، كأنه درج) 

هذا سخيف. أرسم سلماً لأصل إلى باب مرسوم!

ج: (يقف خلفه، يهمس في أذنه) 

أليس هذا ما كنت تفعله طوال حياتك؟ ترسم أهدافاً في خيالك، ثم تبني سلالم وهمية للوصول إليها؟

ب: (تأخذ فجأة فرشاة سوداء، ترسم فوق الباب المرسوم دائرة ضخمة، تحوله إلى ثقب أسود على الجدار) 

إذا كان الباب وهمياً، دعنا نجعله وهمياً بشكل صريح. لنرسم ثقباً أسود. على الأقل، الثقب الأسود صادق في ابتلاعه لكل شيء.

أ: (يصرخ) 

توقفوا! أنتم تدمرون الجدار!

ج: (يرسم بسرعة برتقالية على الحافة العليا للجدار، كأنه يرسم فجراً جديداً) 

نحن لا ندمر الجدار. نحن نحرره من كونه "جداراً". كل جدار أصله لوحة بيضاء انتظرت من يخربش عليها.

(فجأة، يأخذ "أ" الفرشاة من يد "ب"، ويرسم خطاً أفقياً طويلاً. ثم يقترب من الثقب الأسود المرسوم. يضع يده داخله. ولا تختفي يده! بل تمر خلال الجدار وكأن الجدار أصبح شاشة ماء).

أ: (مرتعباً وسعيداً معاً) 

يداي... عبرتا!

ب: (تضع الكتاب الفارغ جانباً، تبتسم لأول مرة بصدق) 

إذاً، الوهم حين نرسمه بإخلاص... يصبح حقيقة؟

ج: (ينظر إليهما، يغلق علبة الألوان بلطف) 

ليس حقيقة. لكنه يصبح مكاناً للعب. وهذا يكفي.

(الضوء يتحول إلى ذهبي دافئ. يظهر ظل طفل يغني من خلف الجدار، لكن لا يوجد طفل على المسرح. الثلاثة يقفون متجمدين، يحدقون في الثقب الذي عبرته يد "أ").

المشهد الخامس (النهاية): "لعبة الانهيار"

(الغرفة بدأت تهتز بشدة. الرسوم على الجدار تتداخل وتتلاشى كأنها غبار. الحفرة في الأرض بدأت تضيق مجدداً كأنها تلتئم. الباب المغلق في الخلف يفتح من تلقاء نفسه، لكنه لا يؤدي إلى شيء، بل إلى جدار آخر مماثل).

أ: (يشير إلى الباب الخلفي المفتوح) 

انظروا... الباب الذي كان موصَداً... انفتح!

ب: (تنظر إلى الداخل، تكتشف الجدار المماثل) 

إنه جدار آخر. غرفة أخرى. كل شيء يتكرر.

ج: (يجلس على الأرض، يخلع حذاءه، يرمي به نحو السقف كطفل) 

نعم. تتكرر الغرف، وتتكرر الجدران، وتتكرر محاولات الصعود. لكن هذا ليس عذاباً... هذا هو القانون الأساسي.

أ: (يغضب، يمسك بالسلم المرسوم على الجدار ويحاول خلعه كأنه حقيقي) 

إذاً ماذا نفعل؟ نرسم طوال الوقت ونحن نعلم أنها مجرد حبر على جص؟!

ج: (يقف، يلتقط الفرشاة، يرسم فوق وجه "أ" المرسوم (على الجدار) شارباً كبيراً) 

نعم. نرسم. ثم نمسح. ثم نرسم مجدداً. ولكن هذه المرة... اضحك أثناء الرسم.

("ب" تضحك بصوت عال، تمسك فرشاة وتلطخ وجه "أ" الحقيقي بلون أزرق. "أ" يندهش، ثم يبدأ بالضحك رغماً عنه. يمسك فرشاة أخرى ويلطخ وجه "ب" بالأصفر. "ج" يرسم على الجدار سحابة، ثم يمطر تحتها ألواناً متساقطة كالمطر).

(الثلاثة يتحولون إلى أطفال يرسمون على الجدران، ويلطخون بعضهم البعض، وتتساقط قطع الجص من السقف كالثلج. السلم المكسور الأصلي (الذي سقط في الحفرة) يعود للظهور فجأة من وسط الأرض، ولكن هذه المرة مقلوب رأساً على عقب، درجاته تتجه نحو الأسفل).

ب: (تتوقف عن الرسم، تشير إلى السلم المقلوب) 

انظروا... السلم عاد. لكنه ينزل إلى الأسفل، لا يصعد إلى الأعلى.

أ: (يمسح الطلاء عن عينيه، ينظر بدهشة) 

ربما كان علينا أن ننزل طوال الوقت. ربما الجدار لم يكن ليُفتح من الأعلى، بل من القاع.

ج: (يجمع الفرشاة، يضعها في العلبة، يمشي نحو الباب الخلفي المفتوح، يتوقف للحظة) 

لا أعرف. لكنني ذاهب لرسم جدار آخر هناك. هل تريدان المجيء؟

("أ" و"ب" ينظران إلى بعضهما البعض. ثم ينظران إلى السلم المقلوب. ثم يضحكان معاً ويتبعان "ج" خارج الباب. الستارة تسقط، لكنها تترك الجدار المليء بالرسوم والألوان في منتصف المسرح، والسلم المقلوب ينبض وكأنه يتنفس).

النهاية.

  التحليل الفلسفي لما بعد العبثية لكل مشهد

 المشهد الأول: أداة بلا هدف عبثية الغائية الكلاسيكية: نرى هنا صدى "في انتظار غودو". البطلان يمتلكان أداة (السلم) وغاية (الجدار/الخروج)، لكنهما لا يعرفان العلاقة بينهما. قطرات الماء التي تتسرب، والكتاب الفارغ، والظل الذي يختفي - كلها إشارات إلى انسداد المعنى من المصدر. لكن الفارق ما بعد العبثي يبدأ بـ"ب" التي تبرّد من المعاناة وتحولها إلى ملاحظة ساخرة.

 المشهد الثاني: محاولة الصعود.. تفكيك الفعل البطولي: في العبث التقليدي، كان البطل يحاول رغم العبث (سيزيف). هنا، المحاولة تنتهي بسقوط السلم في حفرة، وتتحول أداة الصعود إلى سؤال (هل نقفز؟). ما بعد العبث لا يكتفي بفشل الفعل، بل يضيء عليه، ويجعل الشخصيات تشهد فشلها بوعي مريح، بدلاً من الألم الدرامي.

المشهد الثالث: صوت القاع.. ولادة الفنان من رحم اللاشيء: شخصية "ج" الخارجة من الحفرة تمثل "الوعي الجمالي" الذي يولد من الهاوية، وليس من الإله أو المنطق. علبة الألوان ليست أداة حل، بل أداة صرف للنظر. إعادة تعريف المشكلة من "كيف نصل إلى الجدار؟" إلى "كيف نتفاعل مع الجدار الموجود؟" هو قلب ما بعد العبثي.

المشهد الرابع: الجدار الجديد.. الواقع كفعل تشكيلي: ما بعد العبث يؤمن أن المعنى ليس مكتشفاً، بل مُختَرَعاً. رسم الباب والثقب الأسود والسلم الوهمي هو استعارة لفكرة "الوجود يسبق الماهية" بجرعة ساخرة. يد "أ" التي تعبر الجدار هي لحظة "التحقق السحري" التي تفكك حدود الواقع، لكنها لا تقدم خلاصاً، بل تقدّم "مكاناً للعب"، وهذا هو جوهر المرحلة الثانية من العبث.

 المشهد الخامس: لعبة الانهيار.. الأبدية المضحكة: النهاية ما بعد العبثية الخالصة. السلم لا يُصلح، بل يعود مقلوباً (انقلاب المنطق). الباب يفتح على جدار آخر (التكرار الأبدي). لكن الرد على هذا التكرار ليس اليأس، بل اللعب الجماعي (تلطيخ الوجوه، الرسم معاً، الضحك). ما بعد العبث لا يهرب من الهاوية، بل ينزل إليها حاملاً فرشاته، ويُعلن أن الهدف لم يعد الخروج، بل الاستمتاع بفعل التشكيل وسط الركام.

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه