صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الثامنة: عنوان (هسيس الإله)
صفرٌ بين قوسين
(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)
المسرحية الثامنة: عنوان (هسيس الإله)
بقلم الكاتب والناقد
عدنان مهدي الطائي
الشخصيات (كما ينبغي أن تكون فيما بعد العبث):
- فينوس (ف.) – ترتدي
فستان زفاف ممزق، لكنه يتغير لونه بين المشاهد دون سبب. حافية القدمين، تكرر مشية
واحدة وكأنها في حلقة مفرغة.
- أودينوس (أ.) – جسد
حي تماماً، لكنه لا يتحرك إلا نادراً. حين يتكلم، تكون جُمله مأخوذة من إعلانات
تجارية أو نشرات جوية.
- زيوس (ز.) – ليس
جسداً، بل صوت مذيع راديو قديم يخرج من مكبر في السقف. ينقطع فجأة ويعود كجهاز
معطل.
- الكورس (ك.) – ليس
مجموعة بشر، بل كراسي فارغة موزعة على المسرح، تصدر أصواتاً (تنهدات، ضحكات، صمت)
عبر مؤثرات صوتية.
- المرآة (مر.) – جسم
متحرك على المسرح، مرآة ضخمة، لكنها لا تعكس شيئاً. تتكلم أحياناً بصوت طفل.
- الصدى (ص.) – ليس
صوتاً فقط، بل خصية ترتدي ملابس صدى (رمادية، شفافة)، تكرر آخر كلمة من كل جملة،
لكنها تكررها بشكل خاطئ أحياناً.
المشهد الأول: "الحنين الذي لا
يتذكر"
(خشبة مظلمة. عمودان
مائلان يوشكان على السقوط. في المنتصف، تمثال مكسور لفينوس (لكن التمثال هو فينوس
نفسها، واقفة كالتمثال). مرآة ضخمة على اليسار، نصفها محطم. أودينوس مستلقٍ على
الأرض كجثة، لكن عينيه مفتوحتان. يُسمع همس من الأعلى كجهاز تشغيل مؤقت).
الصوت العلوي (جهاز التسجيل):
"كانوا هنا...
وكانوا آلهة... كانوا هنا... وكانوا..." (ينقطع فجأة، ثم يعود بصوت أسرع)
"...آلهة... آلهة... آلهة..."
فينوس: (تقف كتمثال، تهمس كمن يقرأ لوحة في
متحف)
هل أنا التي خانت... أم الزمان الذي تخلّى؟
الصدى: (شخصية رمادية تقف خلفها، تكرر ببطء)
تخلّى... لكن الزمان... ليس له يد ليخون بها.
فينوس: (تلتفت نحو أودينوس، تنظر إليه طويلاً)
كنتَ جميلاً كخرافة...
لكنك الآن... الآن...
أجملُ وأنت لا ترد.
أودينوس: (فجأة، يتحرك فمه دون أن ينهض، بصوت
مذيع الطقس)
"اليوم... غائم جزئياً... مع فرصة لتساقط
الذكريات على المرتفعات."
فينوس: (ترتمي على الأرض، تلمس وجهه)
أحببته، فمات.
فهل الموت غيرة أم جزاء؟
المرآة: (تتحرك فجأة نحو فينوس، تنظر إليها
بسخرية، صوتها كطفلة)
"الغيرة... لونٌ أساسي في لوحة الآلهة.
لكن الجزاء... لا يُباع في متجر الهدايا."
فينوس: (تبتسم بمرارة)
إذاً... أنا مجرد لون في لوحة لا يراها أحد.
(جميع الكراسي (الكورس) تصدر صوت تنهد واحد
متزامن، ثم صمت).
المشهد الثاني: "نهوض لا يحدث"
(الإضاءة تتحول إلى
أحمر خافت. أقدام ضخمة تُسقط على المسرح (أحذية فارغة تمشي وحدها). زيوس لا يُرى،
لكن صوته يخرج من مكبر يهتز بشدة).
زيوس (الصوت): (مقطّع، كجهاز راديو يبحث عن
تردد)
أين... عرشي... من... سرقه... هل الحب...
أقوى... مني؟
الكورس (الكراسي):
(تصدر أصواتاً غير متزامنة، بعضها يئن، بعضها يضحك، وبعضها يصرخ)
"لا نعرف... لا نعرف... لكننا نسمعك...
نسمعك..."
فينوس: (تقف، تتوسل إلى السقف)
ليس ذنبه... أنا من أشعل النيران... أنا من
أحببت...
زيوس (الصوت): (فجأة يصبح واضحاً كالمذيع،
ينقطع التيار الكهربائي ثم يعود)
"إذن لتموتي معه! هذا هو البند الثالث من
اتفاقية السلام."
(صمت. ريح وهمية تعصف.
جسد أودينوس يرتفع ببطء شديد، كأنه يُرفع بخيوط غير مرئية، يصل إلى ارتفاع متر، ثم
يسقط فجأة على الأرض بقوة)
فينوس: (تصرخ)
لماذا يسقط دائماً؟!
الصدى: (يقترب من الجسد، يهمس)
لأنه... لا يعرف كيف... ينهض... كيف...
ينهض...
المرآة: (تمر أمام أودينوس، لا تعكسه، بل تعكس
صورة زيوس واقفاً خلفه)
"انظر... الإله يركض خلف ظله."
(الكراسي تصدر صوت تصفيق واحد فقط، ثم تتوقف).
المشهد الثالث: "معبد الإعلانات"
(المعبد يتحول فجأة إلى
استوديو إعلاني. أضواء بيضاء صارخة. الكراسي (الكورس) مُرتّبة كجمهور، لكنها
فارغة. فينوس تقف على منصة دوارة، أودينوس جالس على كرسي كهربائي لا يعمل).
زيوس (الصوت): (بلهجة مذيع إعلانات)
"هل سئمت من
الألوهية؟ هل يثقل كاهلك عرش الجبل؟ جربوا 'صفر بين قوسين'... العدمية الجديدة...
بنكهة الحب المدمر!"
فينوس: (تدور مع المنصة، تتكلم كروبية)
أنا فينوس... أعلن عن تخفيضات الربيع! كل
خيانة مقابل نصف ثمن!
أودينوس: (يهتز على الكرسي الكهربائي دون أن
يتحرك، يقول بصوت مبرمج)
"الموت... ليس عيباً... لكنه يحتاج إلى
بطاقة ائتمان."
الكورس (الكراسي):
(تصدر أصوات ضحك مسجلة، لكنها تتوقف فجأة، ثم تصدر أصوات بكاء، ثم تختلط معاً)
المرآة: (تركض في الخلفية كسيارة لعبة، تصرخ
بصوت طفلة)
"أنتم جميعاً تعلنون عن لا شيء! أنتم
إعلانات لمنتج لا يُصنع!"
فينوس: (تتوقف المنصة، تنزل، تنظر إلى الجمهور
الفارغ)
من يشتري هذه الإعلانات؟ لا أحد هنا... ولا
حتى الآلهة.
الصدى: (يمسح على كتفها)
"الآلهة... اشتروا التذكارات...
وغادروا."
(جميع الكراسي تنقلب على وجوهها فجأة دون
سبب).
المشهد الرابع: "خيبة الجهاز"
(المعبد ينهار تدريجياً
(أعمدة تسقط ببطء شديد). زيوس (الصوت) أصبح الآن ضعيفاً، يخرج بصعوبة كجهاز ينفد
منه البطارية).
زيوس (الصوت): (يتلعثم، ينقطع بين الكلمات)
هل... تصفقون... لي... لا... أحد... ولا...
عدوٌّ... يحتفل... بسقوطي...
فينوس: (تصعد من بين
الأعمدة المتساقطة، كأنها تخرج من تحت الأنقاض)
لستُ سوى ظلٍّ... لكنك
لستَ أكثر من وَهْم.
زيوس (الصوت): (يحاول أن يكون عالياً لكنه
يتحول إلى همس)
أنا... الإله... أنا... من... خلقكم...
الكورس (الكراسي): (تصرخ بصوت واحد، غير
متزامن لكنه واضح)
"وهل يخلقنا من كان يبحث عن الحب؟! وهل
يخلقنا من كان يبحث عن الحب؟!"
المرآة: (تتوقف أمام زيوس (الصوت)، تعكس صوتاً
بدلاً من صورة، تقول له)
"أنت لستَ إلهاً... أنت مجرد جهاز تسجيل
يعيد نفسه كلما نسي أحد إطفاءه."
(زيوس (الصوت) يصدر صوت
شخير طويل، ثم ينقطع. صمت. فينوس تنظر إلى السماء التي لا تغير لونها).
المشهد الخامس (النهاية): "السقوط بلا
تصفيق"
(المكان يتحول إلى شاشة
زرقاء (كالتي تظهر عند عطل التلفاز). لا معبد، لا أعمدة، فقط فينوس، أودينوس (الذي
ينهض للمرة الأولى ببطء شديد)، المرآة، والصدى. الكراسي (الكورس) اختفت تماماً).
أودينوس: (يقف للمرة الأولى، ينظر إلى يديه،
يتكلم بوضوح كشخص طبيعي)
لقد كنتُ ميتاً طوال الوقت... لكن الموت لم
يكن التوقف، بل كان التكرار.
فينوس: (تقترب منه، تلمس وجهه كأنها تتحقق من
حقيقته)
إذا كنتَ حياً الآن... فمن كان ذلك الجسد
الملقى على الأرض طوال المسرحية؟
أودينوس: (يبتسم بمرارة)
ربما كان أنتِ. ربما كنا نحن الجسد والظل
معاً.
المرآة: (تتقدم، تنظر إليهما، صوتها هذه المرة
كرجل عجوز)
"الحبُّ ليس إلهاً جديداً... الحبُّ مجرد
عطل في نظام الصمت."
الصدى: (يقف بينهما، يكرر لكن بتشويه)
"عطل... عطل... نظام... صمت..."
فينوس: (تنظر إلى الجمهور، التي لا تراه، ثم
تتحدث وكأنها تخاطب الفراغ)
ماذا بقي؟ لا إله يصرخ،
لا حب يموت، لا جمهور يصفق. (تتوقف، ثم تهمس) فقط... هذا الهمس.
(يُسمع صوت جهاز تسجيل
يعاد تشغيله من البداية: "كانوا هنا... وكانوا آلهة... كانوا هنا...
وكانوا...". ينقطع فجأة).
أودينوس: (يمسك بيد فينوس، ينظر إلى المرآة
التي لا تعكس شيئاً)
لن ننهض... ولن نسقط.
سنبقى هنا، في هذا المشهد المكرر. (يضحك) كفيلم قديم لا يشاهده أحد.
(المرآة تتحول فجأة إلى
شاشة تلفاز تظهر عليها كلمة واحدة مضيئة: "صفرٌ بين قوسين". ثم تنطفئ).
الصدى: (الوحيد الذي يتحرك، يمشي نحو خلف
المسرح، يتوقف، يلتفت إليهما)
"المشهد انتهى... لكن الستارة لا
تسقط."
(يظلون واقفين في منتصف
الخشبة. لا ستارة تسقط. الضوء يخفت ببطء شديد، لكنه لا ينطفئ تماماً، يبقى شريطاً
ضوئياً ضيقاً يسلط عليهم. يُسمع صوت تصفيق واحد فقط، مكتوم، يأتي من خلف المرآة.
ثم صمت تام يستمر 10 ثوانٍ قبل أن يقرر المخرج إطفاء الأضواء يدوياً).
النهاية.
تعليقات
إرسال تعليق