صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية السادسة: عنوان (غبار المعنى)
صفرٌ بين قوسين
(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)
المسرحية السادسة: عنوان (غبار المعنى)
بقلم الكاتب والناقد
عدنان مهدي الطائي
الشخصيات:
آدم (أ.): رجل خمسيني، يرتدي بدلة
رسمية بالية، حذاءه الأيسر به ثقب. يتحدث ببطء، وكأن كل كلمة تخرج من جوف بئر.
نورا (ن.): امرأة أربعينية، ترتدي
فستاناً أبيض أصبح رمادياً من كثرة الغبار، تحمل دائماً مرآة صغيرة لا تعكس وجهها،
بل تعكس وجهاً آخر.
يوسف (ي.): شاب ثلاثيني، يرتدي
جينزاً ممزقاً وسترة حمراء زاهية تتناقض مع الجدران الرمادية. يحمل
"كتاباً" لكنه يتحول بين يديه إلى أشياء مختلفة (مروحة، قلم، طائر ورقي).
المشهد الأول:
"الساعة التي ماتت"
) غرفة صغيرة، رمادية بالكامل.
لا نوافذ، باب واحد لكنه مرسوم على الجدار (لا يمكن فتحه). ساعة معلقة، عقاربها لا
تتحرك. آدم ونورا يجلسان على كرسيين متطابقين، لكنهما متباعدان جداً عن بعضهما.
صمت طويل، ثم يتحدثان فجأة دون سبب(.
أ.: ينظر إلى معصمه حيث لا
توجد ساعة
لماذا استيقظنا اليوم... مجدداً؟
ن).: تنظر إلى المرآة
الصغيرة في يدها، لكنها ترى فيها اسماً مكتوباً "نورا" بالخط المقلوب(
لأجل أن ننتظر النوم... الذي لا يأتي. أو الذي يأتي دون أن نلاحظ. كلاهما
سواء.
أ).: قف، يمشي نحو الساعة
المعلقة، يلمسها، فتسقط وتتحول إلى غبار (
هذا هو اليوم الرابع عشر... أم الخامس عشر؟ لقد نسيت العد. الساعة نسيت
العد أيضاً.
ن.: (تضع المرآة على الأرض،
تنظر إليها، فتظهر فيها صورة آدم وهو طفل (
هل نعرف إن كان البارحة قد مرّ حقاً؟ أم أننا نعيد نفس اليوم... كفيلم
مقطوع؟
أ).: يعود إلى كرسيه، يجلس بتثاقل (
وهل يهم؟ الشمس لم تطرق
هذا الجدار منذ أن نسينا لونها. ولا أحد يطرق بابنا... حتى أننا لم نعد نطرقه نحن.
) صمت طويل. ثم تُسمع دقات ساعة
من مكان ما، رغم أن الساعة سقطت وتحولت إلى غبار. الدقات بطيئة، ثقيلة، كأنها
صادرة من معدة الأرض (.
ن.: (تهمس (
الحياة... عبء لا تفسير له.
أ).: يحدق في الفراغ (
بل ملهاة بلا جمهور. وإذا كان هناك جمهور... فهو نائم.
) يخرج الضوء ببطء، تاركاً
إياهما في ظل كثيف. ولكن قبل أن ينطفئ تماماً، نرى نوراً خافتاً من تحت الباب
المرسوم، وكأن أحداً يحاول الدخول من الجانب الآخر)
المشهد الثاني:
"المرآة التي تشخر"
) نفس الغرفة. لكن المرآة
الصغيرة أصبحت الآن كبيرة جداً، وتشغل وسط المسرح. إنها سوداء، لا تعكس شيئاً.
يوسف يجلس القرفصاء أمامها، يتأملها. آدم ونورا واقفان خلفه، ينظران إليه بارتياب (.
ي.: (ينظر في المرآة، يرى انعكاسه لكن وجهه مشوه كالضباب (
هل رأيتم المرآة
الجديدة؟ لقد أحضرتها معي. كانت تنتظرني في الردهة... أو ربما أنا الذي كنت
أنتظرها.
أ).: يقترب بحذر)
نراها. لكنها لا تعكس
وجهي. لقد جربت. وقفت أمامها عارياً... لكنها أظهرتني وأنا أرتدي بدلتي.
ن).: تضحك ضحكة جافة (
لأنها لا ترى من لا يرى
ذاته. أنا أنظر فيها، فأرى وجهي وقد أصبح رمادياً كالطريق.
ي.: (يضع الكتاب الذي يحمله
على الأرض، لكنه لا يضعه ككتاب، بل يفتحه على شكل طائر ورقي)
أتيت أبحث عن سؤال. ليس عن إجابة. السؤال هو: لماذا نستمر في السؤال؟
أ).: يرفع حاجبه بدهشة (
كل الأسئلة تموت في منتصف الطريق. مثلنا تماماً. نبدأ جملة، ثم ننساها قبل
نهايتها.
ي).: يقف، يمشي نحو آدم،
ينظر في عينيه)
إذاً... لماذا لا نخلق سؤالاً جديداً؟ سؤالاً لا يموت... لأنه لا ينتظر
إجابة؟
ن.: (تنظر إليه، ولأول مرة
يظهر في عينيها شيء يشبه الفضول (
وماذا يكون هذا السؤال؟
ي).: يعود إلى المرآة، يرسم
عليها بإصبعه خطاً طويلاً)
"ماذا نفعل الآن... بعد أن عرفنا أن لا شيء يجدي؟"
(المرآة السوداء تبدأ
فجأة في إصدار صوت كالشخير الخفيف. ثم تتوقف. يسكت الجميع. ينظرون إلى المرآة
وكأنها كائن حي. آدم يبتسم لأول مرة(.
أ.: (يهمس (
المرآة... تشخر.
ن.: (تقترب، تلمس سطحها،
فيصبح دافئاً)
إنها ليست ميتة... إنها نائمة.
ي).: يبتسم)
ربما هذا هو ما كنا نفعله. ننام في مرآة تنام. ولكن... ماذا لو أيقظناها؟
) الضوء ينطفئ فجأة. ثم يعود،
لكن المرآة أصبحت الآن بيضاء، كأنها صحيفة بيضاء تنتظر الكتابة).
المشهد الثالث:
"عشب على الإسفلت (الحفرة التي ضحكت)"
) المكان تغير. الجدران الرمادية
اختفت، وحل مكانها فضاء مفتوح رمزي. لكنه ليس طبيعياً، بل إسفلت أسود ممتد. في وسطه، حفرة صغيرة
ينمو منها عشب أخضر واحد. بعض الأشجار المصنوعة من الورق المقوّى. نور طبيعي خافت.
أصوات طيور مسجلة تعاد على حلقة مفرغة (.
ن.: (تضع قدمها على العشب
الأخضر، تنظر إليه بدهشة)
الهواء مختلف هنا. كأنه يحمل... رائحة شيء نسيناه.
أ).: يجلس على الأرض
الإسفلتية، يلمس العشب بأصابعه (
هل هذا حقيقي؟ أم مجرد وهم آخر كالمرآة التي تشخر؟
ي.: (يقف إلى جانبهما، يحفر بإصبعه
في الإسفلت، فيظهر تحته تراب بني)
ليس مهماً إن كان حقيقياً أم لا. المهم أننا رأيناه. ورؤيته تغير شيئاً
فينا.
ن).: تلتفت حولها، تنظر إلى
الأشجار الورقية التي تتحرك بفعل مروحة خفية(
لكن ماذا عن العبث؟ ألم يزل؟ عن غياب المعنى؟ عن كل ما كنا نكرره كالصلاة؟
ي.: (يأخذ
حفنة من التراب الذي كشف عنه، يرميها في الهواء فتتحول إلى غبار ذهبي لحظة ثم تعود
تراباً)
العبث باقٍ. لكننا لسنا
عبثيين. نحن الآن نواجهه. لا بهروب، ولا بإنكار. بل بفعل بسيط: نزرع عشباً على
إسفلت. هذا ليس حلاً... هذا احتجاج.
أ).: يضحك فجأة، ضحكة غريبة
كمن لم يضحك منذ زمن بعيد(
إذاً... هذه ليست مثالية. هذه مقاومة. والمقاومة... هي أول بذرة للمعنى.
) فجأة، تنفجر الحفرة الصغيرة
ضاحكة. صوت ضحك من تحت الأرض. الجميع يتجمدون، ثم يبدأون بالضحك بدورهم، وكأن
العدوى انتشرت (.
ي).: يحاول التوقف عن الضحك
لكنه لا يستطيع)
الحفرة... تضحك!
ن.:(تبكي وتضحك معاً)
ربما كنا ننتظر أن تضحك الحفرة حتى نصدق أننا أحياء!
) تتوقف الضحكات فجأة. الجميع
يتنفسون بصعوبة. الضوء يصبح ذهبياً. العشب الأخضر ينمو بسرعة، يغطي جزءاً من الإسفلت (.
المشهد الرابع:
"بناء القلعة من غبار"
) الفضاء نفسه، لكن العشب انتشر
أكثر. آدم ونورا ويوسف يجلسون في مثلث، أمامهم كومة صغيرة من الغبار. كل واحد منهم
يحاول تشكيل الغبار إلى شكل: آدم يبني قلعة صغيرة، نورا تحاول تشكيل طائر، يوسف
يرسم دائرة على الأرض (.
أ.: (ينظر إلى قلعته
المصنوعة من الغبار، تهب ريح خفيفة فتنهار)
لقد انهارت. كل هذا الوقت... من أجل قلعة من غبار.
ن).: ابتسمت، فأطير طائرها
الغباري)
لكنك بنيتها. هذا هو الفرق. لم نعد ننتظر أن يبنيها أحد لنا.
ي.:(يرفع دائرة الغبار في الهواء،
فتشكل حلقة مكتملة ثم تتفرق(
الفن، الفكرة، الحب، الغفران... كلها ليست تفسيرات للحياة. هي احتجاجات ضد
عبثها. احتجاجات هشة، كقلعة غبار. لكنها احتجاجات.
أ).: يجمع الغبار مجدداً،
يبدأ ببناء قلعة أخرى، لكن هذه المرة يجعل جدرانها أكثر سمكاً)
ربما السر ليس في أن نبني قلعة لا تنهار... بل في أن نعيد بنائها كلما
انهارت. هذا هو الاحتجاج الأبدي.
ن).: تنظر إليهما، ثم إلى المرآة
البيضاء التي أصبحت الآن معلقة على جدار وهمي، تلمس سطحها، فيكتب على سطحها حرف
واحد: "نحن (
انظروا... المرآة لم تعد سوداء. أصبحت بيضاء... وهي الآن تكتب.
ي.: (يقترب، يقرأ ما كُتب،
يبتسم ابتسامة واسعة)
"نحن". هذه هي البذرة الثانية. الأولى كانت العشب. الثانية هي الجمع.
) الضوء يصبح أكثر دفئاً. أصوات
الطيور المسجلة تتوقف فجأة، ويحل محلها صوت رياح حقيقية - للمرة الأولى يسمعون
رياحاً حقيقية على المسرح (.
المشهد الخامس
(النهاية): "اللعبة الأبدية"
) الفضاء الآن مشرق بالكامل.
الإسفلت تحول معظمه إلى تربة بنية. العشب انتشر في كل مكان. المرآة البيضاء معلقة
في الهواء، وكتب عليها الآن الكثير من الكلمات بأيدٍ مختلفة. آدم، نورا، يوسف
واقفون، يحيطون بها. لكنهم ليسوا وحدهم؛ على جدران المسرح تظهر صور ظلية لوجوه
أخرى، وكأنهم جمعوا من لا يوجدون (.
أ.): يمد يده نحو المرآة،
يكتب عليها: "غداً)
لقد تعلمت شيئاً:
المعنى لا يُعطى، ولا يُكتشف. المعنى يُخترع. وفي كل مرة نكتبه، نكتشف أنه كان
هناك طوال الوقت... ينتظر من يكتبه.
ن.: (تكتب
تحت كلمة "غداً": "ربما)
ليس الأهم أن نصل.
الأهم أن نكون في الطريق. الطريق نفسه هو المعنى المؤقت.
ي.: (يمسح كل ما كُتب بيده، ثم يكتب
بدلاً عنه: "صفرٌ بين قوسين)
وهذا هو السر الأكبر. أن نعرف أن المعنى هش، لكننا نبنيه رغم هشاشته. أن
نعرف أننا في منطقة الصفر... لكننا نزرع فيها.
) تظهر فجأة ساعة رملية ضخمة في
منتصف المسرح، ليست كساعة "الساعة الرملية" السابقة، بل هي مقلوبة،
والرمل يتساقط من الأسفل إلى الأعلى - خرق لقوانين الفيزياء. الجميع ينظرون إليها (.
الجميع): معاً، كجوقة واحدة)
اللعبة... تبدأ من جديد.
) تُسمع ضحكة مسجلة، لكنها هذه
المرة ليست ساخرة، بل دافئة، كضحكة طفل يلعب. الستارة تسقط ببطء شديد، تاركة
المرآة البيضاء والساعة المقلوبة والعشب المنتشر. ثم ينطفئ الضوء على مشهد متجمد:
آدم ونورا ويوسف واقفون، كل واحد منهم يبتسم، وكل واحد منهم يحمل حفنة من الغبار،
مستعداً لرميها في الهواء).
النهاية.
تعليقات
إرسال تعليق