قصيدة صوفية (ترانيم الوجد)

 

قصيدة صوفية (ترانيم الوجد)

المقدمة: بحرُ البسيطِ ونبضُ القلبِ في ترانيمِ الوُجودْ

    تأتي هذه القصيدةُ الموسومةِ بـ "ترانيمِ الوجدِ" على بحرِ البسيطِ الخليلِي، ذلك البحرِ الرحبِ الذي اعتادتهُ قصائدُ المدحِ والمناجاةِ، لتسبحَ في فضاءٍ صوفيٍّ شفيفٍ، حيثُ يختلطُ الذكرُ بالدمعِ، والوجدُ بالفناءِ. حيث يقصدُ الشاعرُ من خلالِ أبياتِها إلى كشفِ عُمقِ العلاقةِ بينَ العبدِ وربِّه، متجاوزاً عبادةَ الأشكالِ إلى شهودِ النورِ والحُسنِ الأزليِّ. الملامحُ الأساسيةُ للمقاصدِ فيها تتمثلُ فيالتناقضِ الجماليِّ بينَ الموتِ والحياةِ (فالموتُ في الذاتِ الإلهيةِ هو عينُ البقاءِ)، ومحوِ الأنا (فالحبُّ عندَه فناءُ النفسِ)، والقربِ الوجوديِّ الذي يفوقُ قربَ حبلِ الوريدِ وهي مستوحاة من قوله تعالى: (انه اقرب من حبل الوريد) إنها ليست مجردَ قصيدةٍ، بل هي سُلَّمٌ روحانيٌّ يصعدُ بالمتلقي من عالمِ الأطلالِ والجسدِ إلى عالمِ السرِّ والنَّسَمِ، حيثُ يصيرُ الدمعُ نغماً، والذاتُ مرآةً للذاتِ العُليا.

القصيدة

أمِنْ تذكّرِ وجهِ الحقِّ في الحُلَمِ
سَكبتُ دمعي على الأطلالِ والقممِ

يا مَنْ تُقيمُ بقلبي دونَ مَعرفةٍ،
وكيفَ يُدرِكُ سرَّ الذاتِ في الظُّلَمِ؟

ناديتُكَ الحُبَّ، لا شكوى ولا أملاً،
فالحبُّ عندي فناءُ النفسِ في الكَلِمِ.

ما كنتُ أعبدُ إلاّ نورَ حضرتِهِ،
ولا سجدتُ لغيرِ الحُسنِ في العَدَمِ.

أنّى توارى وجودي عنك يا أملي،
وأنتَ أقربُ من نبضي ومن نَسَمي؟

تمضي الليالي، وصوتي في مناجاتِهِ
يمحو المدى، ويُعيدُ الكونَ من عَدَمِ.

يا سرَّ كلِّ وجودٍ، ليتَ لي بَصَراً
يُبصرُ الجَمالَ، لا الأشكالَ في القِدَمِ.

علّمتَ قلبي طريقَ الصبرِ فابتسمتْ
فيه الجراحُ، وكانَ الدمعُ كالنَّغَمِ.

أذبتُ فيكَ يقيني، لا لشيءٍ سوى
أنّي وجدتُكَ سرَّ النورِ في القِيمِ.

كلُّ المدى أنتَ، لا شرقٌ ولا غربُ،
ولا سماءٌ تُطاولُ مجدَ من عَلِمِ.

هبني الفناءَ لأحيا فيكَ ثانيةً،
فالموتُ فيكَ حياةُ الروحِ والهِمَمِ.

ما عدتُ أطلبُ من دنيايَ منزلةً،
يكفيني قربُكَ، يا معراجَ مُعتَصِمِي.

يا منْ خلقتَ الهوى من لحنِ قدرتِكَ،
فصارَ عشقُكَ في الأرواحِ كالقَدَمِ.

يا منْ أتيتُكَ روحاً لا تسائلُني،
قد ضاعَ مني السؤالُ حينَ سلَّمَمي.

أمِنْ تذكّرِ وجهِ النورِ في نَسَقي،
عرفتُ أني أنا والماءَ من قَدَمِ.

 معنى واصل كلمة (سلممي)

      تكون الكلمة في الأصل "سَلَّمَنِي" (أي: أسلمني أو نجّاني أو سلّم إليّ)، ولكن الشاعر اضطر - لضرورة الوزن أو الموسيقى - إلى إدغام النون في الميم (أي قلب نون "نِي" ميماً، فأصبحت "مِّي")، أو إلى حذف النون تخفيفاً، فصارت "سَلَّمَمِي" (بتشديد الميم الأولى). والمعنى يصبح: "حينَ سَلَّمَنِي (أو نجّاني) السؤالُ"، أي حين تخلصتُ من السؤال وأسلمتُ أمري.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه