صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الرابعة: بعنوان (هامش يتساقط)

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية الرابعة: بعنوان (هامش يتساقط)

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

الشخصيات (نفسها لكنها "مخلخلة"):

- ليلى (ل.): ترتدي بذلة أكاديمية رسمية، لكن حذاءها مختلفان (كالعادة في سلسلتنا). تحمل دائماً كتاباً عناوينه تتغير كلما نظرت إليه.

- نادية (ن.): ترتدي معطفاً أحمر، لكن شعرها يتحول من الطويل إلى القصير بين المشاهد دون سبب.

- سليم (س.): يمسك بمحفظة جلدية، لكنه يفتحها باستمرار ليجد بداخلها قلم رصاص واحد فقط، لا ينتهي أبداً.

- يوسف (ي.): طالب يرتدي غطاء رأس مقلوباً. يحمل هاتفاً قديماً من زمن الثمانينات.

- رئيس الجامعة (ر.ج): يرتدي ربطة عنق طويلة جداً تلامس الأرض. يحمل باستمرار مايكروفوناً لا يعمل.

- شيخ كريم (ش.ك): يرتدي جلباباً أبيض، لكنه يضع نظارات شمسية في جميع المشاهد.

المشهد الأول: "المثال الذي تهشم"

(المكان: مقهى جامعي. لكنه ليس مقهى عادياً؛ الكراسي مثبتة في السقف، والطاولات تطفو على ارتفاع الركبة. الشخصيات الثلاثة (ليلى، نادية، سليم) "يجلسون" في الهواء أمام طاولة وهمية يضعون عليها أكواباً ورقية فارغة).

نادية: (تقفز غاضبة رغم أنها جالسة في الهواء)

كل هذا هراء! نكتب، نحلل، ننشر، والظلم في الخارج يتكاثر كالأرانب... الناس تموت ونحن نملأ الأوراق بالحبر الذي ينتهي صلاحيته! (ترمي قلمها، فيطير ويتحول إلى عصفور ورقي يطير إلى السقف).

سليم: (يأخذ نفساً طويلاً، ينظر إلى قلمه الرصاص الذي لا ينتهي، يفتح محفظته للمرة الألف)

لكنني بالأمس فقط أنقذت عائلة بأكملها... بصوتي. دخلت إلى الميكروفون وقلت: "توقفوا"، فتوقفوا لمدة ثلاث ثوانٍ. ثلاث ثوانٍ من الحياة يا نادية! (يبتسم بغباء) أليست هذه معجزة؟

ليلى: (تنظر إلى فنجانها الفارغ، تحاول أن تشرب منه، فيصدر صوت فراغ عالٍ)

نادية... سليم لا يدافع عن القانون. القانون يدافع عن نفسه حين لا ننظر إليه. هو لاعب شطرنج يحرك قطعه في غرفة مظلمة. أما أنتِ فتصرخين كمن يريد أن يضيء الشمس بعود ثقاب.

نادية: (تنتفخ كالضفدع)

الفكر يجب أن يكون حاداً! حاداً كالسكين! نقطع به رؤوس التنين!

ليلى: (تضع يدها على المرآة الصغيرة التي فجأة ظهرت على الطاولة، تنظر فيها، فلا ترى وجهها، بل ترى وجهاً يشبه الحصان)

وما فائدة السكين إذا كان التنين مصنوعاً من دخان؟ نحن لا نعيش في "المثال". نحن نعيش في "الهامش"... هامش الهامش. منطقة الصفر بين قوسين. (تشير إلى أعلى المسرح حيث تكتب عبارة بصوت خافت "صفرٌ بين قوسين").

(فجأة، تسقط إحدى الطاولات من السقف على الأرض دون سبب، فتتحول إلى بركة من الحبر الأسود).

سليم: (يهمس)

ها قد بدأ التساقط.

ل: (لنادية بهدوء مرعب)

لا تصرخي للصدى يا عزيزتي... الصدى يتعب. انظري، الصدى هنا يغط في نوم عميق. (يشير إلى زاوية الغرفة حيث يجلس "الصدى" كشخصية خاملة).

(الضوء يخفت فجأة وكأن أحدهم قطع السلك. يبقى وجه ليلى مضاءً كالقمر).

المشهد الثاني: "الجدار الذي يضحك"

(المكان: مكتب ليلى. لكن المكتب لا يقف على أرض، بل يتأرجح كأرجوحة. الأوراق ترفرف كالطيور الميتة. السبورة مكتوب عليها جملة، ولكنها تتغير كل ثلاث ثوانٍ بين: "الحقيقة مطلقة؟"، "الحقيقة سائلة؟"، "الحقيقة هي أنك تقرأ هذا الآن؟")

(نادية تدخل، لكنها تدخل من السقف، وتهبط على الأرض كالريشة).

نادية: (تحاول العثور على المنشور، لكنها تمسك بورقة فارغة وترفعها للأعلى)

أوقفوا الندوة! المدير رفض... لا، ليس المدير. الجدار هو من رفض! الجدار قال: "لا تمرّوا الأفكار من خلالي!".

ليلى: (تتأرجح مع المكتب، تتنهد)

إذن ما زالت الحقيقة تُفزع من يتكئون على الجدران. لكن الجدار يضحك الآن... اسمعي! (يُسمع صوت ضحك خافت من الجدار الخلفي).

سليم: (يدخل من الباب، لكن الباب ليس له مقبض، فيضطر إلى الصراخ ليُفتح له، ثم يدخل)

هل توقعتِ غير ذلك؟ الأفكار التي تصعد فوق الجدران... تتحول إلى رسوم متحركة تعرض في السابعة مساءً!

نادية: (ترفع المنشور الفارغ عالياً)

إذن لماذا لا نحتج؟! نكتب على المنشورات الفارغة بدمائنا؟!

ليلى: (توقف الأرجوحة بقدمها، تقف بثبات، وتنظر إلى نادية التي أصبح شعرها قصيراً فجأة)

بل نحميه. الفكر ليس صخرة يا نادية. الفكر هو ذلك الصوت الذي تسمعه حين تسأل نفسك في الثالثة فجراً: "من أنا حقاً؟". وهو لا يجيب، بل يعيد السؤال بصوت أعلى.

(الجدار الخلفي يفتح فمه (لديه فم الآن) ويصرخ: "مَن أنتِ حقاً؟!". الكل يصمت مذعوراً. يوسف يدخل بدون استئذان، جالساً على كرسي طائر يمر عبر النافذة المغلقة).

يوسف: (يضحك بصوت عالٍ)

لماذا تزرعون البذور في قلوب الآخرين، بينما قلوبكم... ها هي معروضة على رف المكتب كقطع متحفية؟ (يشير إلى رف حيث توجد ثلاثة قلوب صناعية تنبض ببطء).

(نادية تضع يدها على صدرها، تشعر بفراغ. سليم يبدأ بفتح محفظته للمرة الألف، لكنه هذه المرة يجد صورة له وهو طفل يبكي. ليلى تبتسم للتوهان. الجدار يواصل الضحك خلفهم).

المشهد الثالث: "امتحان القلق المشوه"

(المكان: قاعة المحاضرات، لكنها تضيق وتتسع كرئة تتنفس. الكراسي غير مرتبة؛ بعضها يطفو، وبعضها يتحدث مع بعضه بصوت خافت. يوسف واقف على منصة تتحول بين لحظة وأخرى إلى شجرة صغيرة).

يوسف: (يلقي كلمة كالمحاضر، لكنه يبدو كطفل يرتدي لحية مستعارة)

أنتم تناقشون "الحقيقة" وكأنها بطيخة نشتريها من السوق! الناس لا تريد الحقيقة، تريد حقيبة ثلج لرأسها المحترق! (يسقط منها اللحية المستعارة).

نادية: (من بين الجمهور، لكنها الآن ترتدي قبعة مهرج)

منذ متى والشك بديلاً عن الفعل؟! منذ أن أصبح التمثيل بديلاً عن الحياة! (ترمي القبعة فتتحول إلى حمامة زرقاء).

يوسف: (يمسح السبورة التي كتب عليها بالخطأ "الحقيقة كذبة جميلة"، ويكتب مكانها كلمة "رمل")

ألم تصبحوا أنتم الآلات؟ أنتم تدرسوننا بينما أجسادكم تصدأ! أستاذة ليلى، متى آخر مرة صرختم في وجه مرآتكم بصدق من غير أن ترتبوا شعركم؟

ليلى: (تجلس في الصف الخلفي، ترفع يدها ببطء)

أنت قاسٍ يا يوسف... لكن هذا ليس عيباً. نحن لا نُقدّم أجوبة. نحن نقدم أسئلة معطلة. وإذا كنت لا ترى الحقيقة فاسأل نفسي: (تتنهد) هل غابت الحقيقة أم أن عينيكِ... هما اللتان غابتا اليوم؟ (تخلع نظارتها فإذا هي لا تملك عينين تحتها، بل مجرد عينين مرسومتين على جفونها المغلقة).

(يصرخ الحضور (وهو مكون من عشرة كراسي فارغة): "أوه!". يوسف يضحك، يجلس على المنصة التي تتحول فجأة إلى كرسي هزاز).

سليم: (يقف، يخلع حذاءه ويضعه على رأسه)

أنا لا أدافع عن القانون. القانون يدافع عني حين أنام! لقد اكتشفت أن الضمير هو مجرد مقبض باب لا يفتح لأي غرفة.

ش.ك: (يظهر فجأة من باب خلفي لم يكن موجوداً، جالساً على كرسي معلق في الهواء، ينظر إليهم من فوق نظاراته الشمسية)

جميل جداً. أنتم تفككون المعنى كالأطفال الذين يفككون ساعة... ثم يعيدون تركيبها بأجزاء ناقصة. هذا هو طريق الحكمة... طريق الأجزاء الناقصة.

(الجميع ينظرون إلى الشيخ الذي يلف يديه بحبل غير مرئي. الضوء ينطفئ نصفه).

المشهد الرابع: "السلطة تتجشأ"

(المكان: قاعة كبيرة لمحاضرة. رئيس الجامعة على المنصة، لكن منصته ترتفع وتنخفض كالمصعد. ربطة عنقه طويلة جداً، وقد وضع طرفها في فمه كالمصاصة. بجانبه: ليلى، نادية، سليم (لكنهم يرتدون جميعاً قناعاً لوجههم كوجه رئيس الجامعة). الجمهور يتكون من يوسف فقط، الذي يصفق بيدين لا تلامسان بعضهما).

رئيس الجامعة: (يتكلم والمايكروفون لا يعمل، لكن صوته يخرج من المكبرات كصوت دجاجة)

أصدقائي... نحن هنا لنعيد الثقة بين الطاولة والكرسي... بين المثال والواقع... بين الأبجدية والفراغ! (يصفق يوسف وحده).

يوسف: (واقفاً على كرسيه المقلوب)

سيدي الرئيس، لماذا نحتفل بالحوار ونحن نُخضع الأساتذة لعقوبات إذا تحدثوا في الحلم؟! لماذا نُدرّس سقراط ونحن نُحرق كل من يسأل عن لون السماء ليلاً؟!

رئيس الجامعة: (ربطة عنقه تلتف حول رقبته خنقاً، لكنه يضحك)

النقد مرحب به يا بني... لكن هل جربت أن تنتقد وأنت واقف على يديك؟! إنه أمر مبهج!

يوسف: (يصرخ بمرح)

لكن الحياة فوضى يا سيدي! والشارع يتكلم بلغة الأجراس، لا بلغة الكتب! أنتم تصنعون أقنعة للحقيقة، ثم تبيعونها في متجر الهدايا!

ليلى: (تخلع قناع وجهها، وتتحول ملامحها لوجه رئيس الجامعة أيضاً، ثم تخلعه مرة أخرى)

يوسف على حق... لكنه يغفل أن رئيس الجامعة ليس إنساناً. (تلتفت إلى رئيس الجامعة) انظروا... إنه مصنوع من الورق المعجن! (تضربه برفق، فيصدر صوت جوفاء).

رئيس الجامعة: (ينهار قليلاً، ثم يلتقط أنفاسه)

إذاً، ماذا نقترح بديلاً عني؟! أن تجلسوا على كرسيي؟ انظروا، الكرسي يبصق كل من يجلس عليه! (يجلسون عليه واحداً تلو الآخر، وكلما جلس أحدهم يُقذف به في الهواء عالياً).

ش.ك: (يدخل بهدوء، يجلس على الكرسي، فلا يقذفه، بل يهدهد كما لو كان طفلاً)

الكرسي لا يبصق يا سادة... الكرسي يحتضن من لا يخاف السقوط.

(الجميع ينظرون إلى الشيخ. رئيس الجامعة يخلع ربطة عنقه، ويضعها على رأسه كورقة تاج. يوسف يصفق للحظة، ثم يضحك دون سبب. الستارة تهبط نصف هبوط).

المشهد الخامس (النهاية): "المرآة التي تشخر"

(المكان: غرفة خالية تماماً، لا طاولة، لا كراسي. في الوسط، مرآة ضخمة مكشوفة، لكنها تنام. تُصدر صوت شهيق وزفير كشخص نائم. الشخصيات الخمسة (ليلى، نادية، سليم، يوسف، شيخ كريم) واقفون حولها، ينظرون إليها وهم يتحركون في دوائر بطيئة).

ش.ك: (يربت على إطار المرآة بلطف)

من منا يجرؤ أن يوقظها؟ من يحتمل أن تراه كما هو، وليس كما يريد أن يُرى؟

سليم: (يفتح محفظته للمرة الألف، يجد داخلها مرآة صغيرة تعكس وجه كلب)

هل نحن من يوقظها... أم هي من تحلم بنا؟ (يضع المحفظة جانباً، فتطير كالطائرة الورقية).

يوسف: (ينظر في المرآة النائمة، فلا يرى انعكاساً، بل يرى كلمة "غداً" مكتوبة بخط مقلوب)

أنا لا أخافها... لكني لا أثق بمن ينامون دون أن يغطوا وجوههم!

نادية: (شعرها الآن أصلع تماماً، تلمس رأسها بدهشة)

الحقيقة يا سادة... هي تلك المرآة التي تختار أن تغفو في اللحظة التي نحتاجها فيها أكثر. إنها وقحة! (تركل إطارها، لكن رجلها تمر خلاله كأنه دخان).

ليلى: (تقترب، تهمس في أذن المرآة النائمة)

استيقظي... لقد انتهت المحاضرة. انتهى النقاش. انتهت كل الصراعات الفكرية. لقد أصبحنا كلنا... في منطقة الصفر.

(المرآة تفتح عيناً واحدة (عين مرسومة تفتح على زجاجها)، تنظر إلى ليلى، ثم تصدر صوتاً كالتجشؤ، ثم تعود للنوم. تُسمع كلمات "صفرٌ بين قوسين" تتردد كصدى من داخل المرآة).

سليم: (يجلس على الأرض، يخلع حذاءيه المختلفين ويضعهما أمام المرآة)

إذا كانت لن تستيقظ... فلننام نحن أيضاً. ولكن ليس كاستسلام... بل كتمرين. تمرين على أن نكون نحن المرآة بدلاً من أن ننظر إليها.

ش.ك: (يخلع نظاراته الشمسية، فلن يجد عينين تحتهما، بل مرآتين صغيرتين تعكسان وجوه الآخرين، ويغمغم)

أحسنت. أنتم الآن حراس الصفر. حافظوا عليه بين الأقواس... ولا تفتحوه إلا حين تنسون أنكم تفتحونه.

(يبدأ الجميع بالاستلقاء على الأرض في دائرة حول المرآة النائمة، مثل عقارب ساعة ميتة. يوسف يضع هاتفه القديم على صدره، فيصدر صوت موسيقى هادئة معطوبة).

ليلى: (نصف نائمة، تخاطب الجمهور مباشرة)

نحن سننام الآن. لكن المرآة... احتفظوا بها. حين تغادرون القاعة، انظروا فيها. إذا رأيتم وجهاً يعرفكم... فأخبروه أننا في "صفرٌ بين قوسين" ننتظر... لا شيء.

(تغمض عينيها. الجميع يغفو. المرآة تبدأ بالشخير بصوت عالٍ كقاطرة بخارية. ثم، فجأة، ينطفئ الضوء كلياً. تبقى المرآة مضاءة للحظة أخيرة، ثم تنطفئ هي أيضاً. صوت قطرة ماء تتساقط في الفراغ. الستارة تسقط فجأة ودون مقدمات، قبل أن يهدأ صوت الشخير).

النهاية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه