صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الثالث عشر: بعنوان (حديقة النهاية)

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية الثالث عشر: بعنوان (حديقة النهاية)

مسرحية في فصل واحد (ثلاثة مشاهد)

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

الشخصيات

- آدم (رجل في الستين، بستاني قديم، وجهه متجعد كجذور شجرة معمرة، عيناه مليئتان بالحكمة والألم)

- ليلى (امرأة في الأربعين، عالِمة نبات، منهجية وعملية، تؤمن بالأرقام بقدر ما تؤمن بالتربة)

- سامر (شاب في العشرين، فنان تشكيلي سابق، يعيش أزمة وجودية حادة، ساخر لكنه شغوف)

- نور (طفلة في الثامنة، ابنة ليلى، فضولية، ترى العالم بعيون لم تصدأ بعد)

الزمان: المستقبل القريب، يوم القيامة كما يُزعم.

المكان: داخل قبو زجاجي تحت الأرض، حديقة عمودية ضخمة تتوسطها شجرة صغيرة. أضواء اصطناعية تحاكي ضوء الشمس. خلف الزجاج، خارج القبو، يرى المشاهد ومضات حمراء وصوراً مدمرة (من خلال إسقاطات ضوئية).

المشهد الأول: "الري في الفناء الخلفي للجهنم"

(الستارة ترتفع على صمت ثقيل. أصوات دوي بعيدة. ليلى ترش الماء على صفوف من النباتات الصغيرة برشاش زجاجي. آدم يجلس على مقعد خشبي، يديه على ركبتيه، ينظر إلى جذع شجرة صغيرة. سامر واقف في الزاوية، يتأمل جداراً زجاجياً يطل على خراب العالم.)

سامر: (بصوت باهت)

ترشينها... ترشينها وكأن الغد موجود. ألا تسمعين هذا الدوي؟ إنها الأرض تتصدع من تحتنا. جئنا إلى هنا هرباً من النار، فوجدنا أنفسنا في حضن الموت ذاته.

ليلى: (دون أن تتوقف عن الرش)

الماء لا يسأل إن كان الغد موجوداً، يا سامر. الماء يفعل ما خُلِق من أجله: يروي. والنبات يفعل ما خُلِق من أجله: ينمو.

سامر: (يضحك ضحكة جافة)

وهل رأيتِ نبتةً تنمو تحت سماءٍ تحترق؟ انظري خلف الزجاج. تلك ليست غيوماً، إنها سحب من رماد. تلك ليست شمساً، إنها كرة نارٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة.

(تتوقف ليلى للحظة، تضع الرشاش جانباً، وتنظر إلى النباتات.)

ليلى: هذه النبتات لا ترى السماء، يا سامر. ترى الضوء الذي نعطيه، وترى الماء الذي نقدمه. نحن سماؤها الآن. نحن... (تتوقف، تبحث عن الكلمة) نحن آلهة صغار في هذا القبو، أو ربما مجرد حراس.

آدم: (بصوتٍ عميقٍ بطيء)

كنا في قريتي... حين كنا صغاراً، كنا نعتقد أن المطر يبكي من أجل الموتى. لكن شيخاً عجوزاً قال لي يوماً: "يا آدم، المطر لا يبكي. المطر يغسل الأتربة كي ترى الحياة وجهها الجديد". (ينظر إلى سامر) خارج هذا القبو، الموت يتفاخر. لكن داخل هنا... انظر إلى هذا البرعم.

(يشير بإصبعه المتجعد إلى طرف غصن شجرة صغيرة. يخرج برعم أخضر زمردي.)

سامر: برعم أخضر في حضن جهنم. هذا ليس أملًا، هذا... هذا سخافة. الحياة تتمسك بأهداب الموت كأنها لا تعرف أنها منهزمة.

(تدخل نور راكضة، تحمل بين يديها إناءً صغيراً به تربة.)

نور: أمي! أمي! وجدت بذرة في جيب معطفي القديم. أتذكرينها؟ زرنا الجدة قبل... قبل كل شيء. قالَت: خذي هذه البذرة يا نور، إنها بذرة دوار الشمس. قلتُ: وكيف تنمو دون شمس؟ ضحكت وقالت: الشمس في داخلكِ.

(يخيم صمت. آدم يبتسم. ليلى تغمض عينيها للحظة. سامر يشهق.)

سامر: جدتكِ... (يبحث عن كلمة لائقة) جدتكِ كانت شاعرة في زمن ضاع فيه الشعر.

نور: (ببراءة)

سأزرعها الآن. بجانب شجرة آدم. ربما تنبت في الغد.

سامر: (يهمس لنفسه)

الغد... كلمة جميلة ضاعت من قاموسنا.

(يقترب آدم من نور، يضع يده على كتفها.)

آدم: ازرعيها يا صغيرتي. فالموتى لا يزرعون، بل الأحياء. وطالما أننا نزرع، فنحن أحياء.

(يبدأ المشهد الأول في التلاشي بينما تُسدل ستارة خفيفة. أصوات انفجار بعيدة، لكن فوقها، يسمع صوت رذاذ الماء الخفيف.)

المشهد الثاني: "حين تنقطع الكهرباء"

(الستارة ترفع مرة أخرى. الظلام الدامس يملأ المكان للحظات، ثم تضاء أضواء الطوارئ الخافتة. الجميع متوقفون عن الحركة. الرشاش ساكن على الأرض. صوت نحيب خافت لنور. ليلى تجري نحو لوحة التحكم.)

ليلى: (بصوت مذعور لكن متماسك)

المولد الاحتياطي لن يعمل إلا بعد ثلاث دقائق. لكن... (تضغط على أزرار)

الضوء الاصطناعي... انقطع التيار الأساسي. البطاريات ستنفد خلال ساعتين.

سامر: (يضحك بصوتٍ عالٍ، هستيري قليلاً)

ها هي! ها هي اللحظة التي كنتم تخافون منها! الحديقة بلا ضوء، النباتات بلا شمس، ونحن بلا أمل. انتهى العرض يا سادة! الزهور ستذبل، والبرعم الأخضر سيموت، ونحن سنموت في الظلام. أليس هذا ما تستحقّه النهاية؟

(يقترب سامر من إناء نور، يرفعه بيديه المرتجفتين.)

سامر: وهذه البذرة الغبية! دوار الشمس بلا شمس! يا للسخرية! ستبقى حبة صغيرة عمياء في بطن التراب إلى الأبد.

نور: (تبكي بصوت مبحوح)

أعطنيها... أعطني الإناء! لا تلمسها!

(آدم يقف بصعوبة. يذهب نحو سامر بهدوء. لا ينتزع الإناء، بل يضع يده على يد سامر.)

آدم: أتدري ما الفرق بين البذرة والإنسان، يا سامر؟

سامر: (بغضب)

البذرة لا تفكر، لذا هي لا تعاني. الإنسان يفكر، فيعاني ضِعفَين.

آدم: خطأ. البذرة تعرف شيئاً لا نعرفه نحن. البذرة تعرف أن الظلام جزء من النمو. تحت التربة، تكون البذور في ليل دامس، لكنها لا تصرخ. هي تنتظر. لا لأنها تأمل، بل لأن النمو حقيقة فيزيائية، ليس مجرد مشاعر. وأنت... أنت تحت التراب الآن يا سامر. لكن تراب النهاية يختلف. إنه تراب خصب.

(ينظر سامر إلى وجه آدم المتجعد. يهدأ قليلاً. ليلى تعود نحوهم.)

ليلى: (بهدوء)

الماء يكفينا لثلاثة أيام إذا اقتصدنا. البطاريات... سنضيء ساعة واحدة كل اثنتي عشرة ساعة. سيكون الجو باردا... لكن الأرض تحتفظ بالدفء.

(تجلس ليلى على الأرض، تلمس التربة بأصابعها.)

ليلى: سامر، تعالَ. المس التربة.

سامر: (متردداً)

لماذا؟

ليلى: لأنك - كما قلت - كنتَ فناناً. الفنانون ينسون أن أيديهم ليست للرسم فقط، بل للمس. التربة هي أول لوحة، والأولى. المسها، وأخبرني: هل هي ساخنة أم باردة؟

(يقترب سامر ببطء، يجثو على ركبته، يضع كفه في التربة. يبكي فجأة، دون مقدمات.)

سامر: باردة... ودافئة معاً. كأنها... كأنها تتنفس.

نور: (تمسح دموعها، تهمس)

أمي، هل سنموت هنا؟

ليلى: (تحتضنها)

كلنا سنموت في مكان ما، يا ضوء عيني. لكن هنا... هنا لدينا مهمة. حراسة هذه الأوراق الخضراء حتى آخر رمق. لأن الحياة لا تعرف كيف تستسلم. أنظري إلى الصبار هناك... إنه يحتفظ بقطرات الماء بداخله منذ أسابيع. تعلم من الصبر.

(في الظلام الخافت، يضيء ضوء أحمر خافت من الخارج. دوي هائل. تهتز الأرض. يسقط وعاء بلاستيكي من على الرف. ينهار صامتاً.)

آدم: (صوته هادئ كالريح)

اقتربوا من الشجرة. الشجرة الصغيرة... تحتضن الجذور بعضها. هكذا صنعت الحياة. في زمن العاصفة، تتشابك الجذور تحت الأرض. هل ترون؟ نحن لسنا وحدنا.

(يقترب الأربعة من الشجرة الصغيرة. سامر يضع يده على جذعها. نور تحتضن الجذع بذراعيها الصغيرتين. ليلى تمسح ورقة بيدها. آدم ينظر إلى السقف الزجاجي حيث يتساقط الرماد.)

آدم: (مكملاً)

في حديقة النهاية، لا نزرع للثمار. نزرع لِنُذكّر الموت أنه يأتي متأخراً. أن الحياة كانت هنا قبله. وستكون هنا بعده. (يتوقف) ليس لأننا ننتصر. بل لأننا لا نعرف كيف نُنهي القصيدة قبل نهايتها.

(الستارة تسدل ببطء، والممثلون متجمدون في مكانهم حول الشجرة. ضوء خافت يشبه الفجر يبدأ بالظهور من أحد المصابيح الاحتياطية.)

المشهد الثالث: "برعم في اليوم الأخير"

(الستارة ترفع. مرت ساعات. الضوء الاصطناعي يعود بأدنى درجة. ليلى تجلس منهكة، رأسها على جذع الشجرة. آدم نائم على المقعد، لكن تنفسه غير منتظم. سامر جالس القرفصاء، يقلب البذرة بين يديه. نور نائمة في حضن أمها. صمت مطبق.)

(فجأة، يفتح سامر عينيه على اتساعهما. ينظر إلى البذرة في كفه. ثم ينظر إلى التربة. ثم يقرر.)

(يأخذ إصبعاً، يحفر حفرة صغيرة في أصيص نور، يضع البذرة بلطف، يغطيها بالتراب. ثم يأخذ الرشاش - الذي لم يعد فيه إلا القليل من الماء - ويرش بخفة على الموضع.)

سامر: (يهمس لنفسه)

دوار الشمس... (يضحك بخفة، دون مرارة) حتى لو لم تطلعي، يا صغيرتي، فإن فعل وضعكِ في التراب يكفي. كنتُ أرسم دوار الشمس في حياتي السابقة. كنتُ أرسمها صفراء، برتقالية، زاهية كالنار. لم أرسمها يوماً تحت الرماد. لكن اليوم... اليوم سترسمين نفسكِ بنفسكِ.

(تتحرك ليلى، تفتح عينها. ترى سامر يرش الماء. تبتسم ابتسامة بالكاد مرئية.)

ليلى: (بصوت خافت)

ماذا تفعل هناك أيها الفنان المتشائم؟

سامر: (لا يلتفت)

أنا... أمارس الطقوس الغبية. أدفن الأمل في القبر، كما قال آدم. ربما يتحول إلى شجرة.

(آدم يفتح عينيه، يرفع رأسه بصعوبة. وجهه شاحب جداً.)

آدم: (يهمس)

سامر... تعالَ.

(يقترب سامر من آدم. آدم يمد يده، يمسك يد سامر بقوة ضعيفة لكن دافئة.)

آدم: انظر إلى الورقة التي كنت أمسكها. الورقة القريبة من البرعم. هل ترى؟ لونها لم يذبل. إنها تخبرني أن الجذور بخير. (يسعل سعالاً عميقاً) أنا تعبت يا بني. لكن التعب ليس نهاية. انظر إلى نور... هي تنام بسلام، لأنها تعلم أننا هنا. رسالتنا: أن نكون هنا. حتى اللحظة الأخيرة.

(يسعل آدم مرة أخرى. يغمض عينيه. تظل ابتسامة خفيفة على وجهه. سامر يصاب بالذعر.)

سامر: آدم! آدم! ليلى، تعالي!

(تأتي ليلى مسرعة، تضغط على نبض آدم. تنظر إلى وجهه، ثم تنظر إلى سامر. تهز رأسها بحزن عميق، لكن دون هلع.)

ليلى: لقد... ذهب بهدوء. كجذر ينام في الشتاء.

(يقف سامر مذهولاً. نور تستيقظ على حركة أمها.)

نور: (تنظر إلى آدم ثم إلى أمها)

هل... هل مات الجد آدم؟

ليلى: (تضم ابنتها)

نام يا حبيبتي. نام كالبذور تحت الثلج.

(يقترب سامر من جسد آدم، يغمض عينيه برفق، ثم ينظر إلى الشجرة. فجأة، ينظر عن كثب إلى البرعم الذي أشار إليه آدم سابقاً.)

(ضوء المسرح يركز على البرعم. تتساقط قشور البذرة الجافة، وتظهر ورقة خضراء نقية، صغيرة جداً، لكنها واضحة كأنها مطرزة بالنور.)

سامر: (بصوت مبحوح، مشحون بالدهشة)

ليلى... انظري... انظري. البرعم... انفتح. الورقة الجديدة... خضراء. ليست خضراء كأوراق الموت، بل خضراء كصباحٍ لا نعرفه.

(تقترب ليلى ونور. ينظرون جميعاً إلى الورقة الجديدة. ضوء المصباح الاحتياطي يلمع على الورقة، فينساب عليها ظلٌّ كأنه يدٌ تباركها.)

نور: (تهمس)

الجد آدم قال لي قبل النوم... قال: "نور، الموت ليس خطأ الحياة. الموت هو مهندسها الدقيق. كل ورقة تسقط لتمهد لأخرى". نظري... هذه الورقة الجديدة، كأنها خرجت من قلبه.

(سامر يجثو على ركبتيه أمام الشجرة. يأخذ الرشاش من الأرض. يرش الورقة الجديدة بخفة. يلمع الماء على سطحها كالدموع الذائبة.)

سامر: (بصوت يرتجف لكنه واضح)

أيتها الورقة الصغيرة... أنتِ عنوان النهاية الذي لا يُقرأ. لم يعد يهم إن كانت الشمس ستطلع أم لا. أنتِ هنا. وهذا يكفي.

(يقف سامر، ينظر إلى ليلى ونور. يبتسم للمرة الأولى ابتسامة صافية.)

سامر: هيا... لنروِ باقي النباتات. ليس لأن الغد آتٍ، بل لأن اليوم يستحق.

(تأخذ ليلى الرشاش الثاني. نور تأخذ كوباً صغيراً من الماء. يقف الثلاثة في صفٍ واحد. يبدأون برش الماء بهدوء على النباتات. الأضواء الخلفية (خارج القبو) تصبح أكثر احمراراً وعنفاً، وكأن العالم يموت خارجياً. لكن على خشبة المسرح، ترتفع أيديهم برشاشاتهم كأنهم يؤدون رقصة طقسية مقدسة.

(يتباطأ الإيقاع الصوتي. نسمع فقط صوت رذاذ الماء (تأثيرات صوتية). ترتفع الستارة النهائية ببطء شديد.)

(قبل أن تغلق الستارة تماماً، يُسلَّط الضوء على الأرض التي زرعت فيها نور البذرة. حركة بسيطة جداً في التربة - وكأن شيئاً ما يتحرك بالكاد تحت السطح.)

نور: (خارج الصورة، بصوت طفولي بهيج)

أمي! انظري! إنها تتحرك!

(الستارة تغلق تماماً على هذا النداء الأخير، تاركة الجمهور يتخيل البذرة وهي تشق طريقها نحو النور في صمت القيامة.)

نهاية المسرحية

 رؤية إخراجية مقترحة:

- الديكور: يُنصح بتصميم القبو الزجاجي بحيث تكون جدرانه خلفية شفافة تُعرض عليها إسقاطات ضوئية للخراب (حرائق، غبار، كواكب متهاوية) تتضاءل حدتها كلما تقدمنا في المشاهد، حتى تصبح شبه رمادية في المشهد الثالث، كأن العالم الخارجي "يستسلم" بينما تستمر الحديقة الداخلية.

- الإضاءة: الانتقال من الأضواء البيضاء الحادة في المشهد الأول، إلى الأحمر القاتم والظلال الطويلة في المشهد الثاني، إلى ضوء ذهبي ناعم (كالفجر البعيد) في المشهد الثالث، رغم استمرار الخطر.

- الموسيقى: أصوات رذاذ الماء كإيقاع أساسي، مع أصوات دوي بعيدة تخفت تدريجياً، لينتهي الأمر بصوت أنين ريح خفيف، ثم صمت مطلق تُسمع فيه قطرات الماء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه