صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية السادس عشر والاخيرة: عنوان (مدرسة اللاعقل)

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية السادس عشر والاخيرة: عنوان (مدرسة اللاعقل)

(ما بعد عبثية في خمسة مشاهد)

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

الشخصيات:

المدير (م.) – رجل منهك، يرتدي بدلة رسمية لكنها مقلوبة من الداخل للخارج. يحاول باستمرار تنظيم الفوضى، ويفشل في كل مرة.

المهرج الأستاذ (م.أ) – مهرج محترف، وجهه مطلي بالأبيض، يرتدي حذاءين كبيرين جداً. يضحك في الأوقات غير المناسبة.

الفنانة الأستاذة (ف.أ) – امرأة ترتدي ثوباً مرسوماً عليه لوحة متغيرة باستمرار. تحمل فرشاة وترسم في الهواء.

الطلاب (ط.) – مجموعة من 5-7 ممثلين، يرتدون زياً مدرسياً ممزقاً، ويتصرفون بطرق غير متوقعة (أحدهم يقرأ الكتاب مقلوباً، وآخر يحاول الطيران).

المنهج (من.) – ليس كتاباً، بل ممثل يرتدي غلاف كتاب عملاق، يتحرك ويتكلم بصوت جهاز تسجيل قديم.

الجرس (ج.) – صوت يُسمع في أوقات عشوائية، يعلن بداية ونهاية حصص غير موجودة.

المشهد الأول: "طابور الصباح - لا أحد يصطف"

(المكان: ساحة مدرسة فوضوية. طاولات مقلوبة، كراسي معلقة على الحائط، لوحات مكتوب عليها "قوانين المدرسة"، لكن القوانين تتغير كل دقيقة. المدير يقف أمام الطلاب يحاول تشكيل طابور، لكن الطلاب يتحركون في دوائر).

المدير: (يصفق بيديه، يحاول جذب الانتباه)

طابور الصباح! اصطفوا... من فضلكم... اصطفوا!

الطلاب: (يواصلون الدوران في دوائر، أحدهم يقرأ كتاباً مقلوباً، وآخر يحاول رسم وجهه على الأرض)

نحن في طابور... طابور دائري!

المدير: (يمسح عرقه، يتنهد)

هذه المدرسة تفقد نظامها... سأستدعي المفتش!

المهرج الأستاذ: (يظهر فجأة من خلف المدير، يقفز على طاولة)

المفتش؟ (يضحك) المفتش في إجازة منذ عام 1973. (يقفز على الطاولة الأخرى) أنا هنا لتعليمكم... كيف لا تصطفون!

الطلاب: (يتوقفون عن الدوران، ينظرون إلى المهرج بفضول)

كيف لا نصطف؟

المهرج الأستاذ: (يرفع حذاءه الضخم، يضعه على الطاولة)

الاصطفاف هو فن الاستسلام للشكل. أما أنا فأعلمكم فن الفوضى المنظمة. (يرسم دائرة في الهواء بإصبعه) انظروا... هذه دائرة اصطفاف... لكنها ليست مستقيمة!

(الطلاب يبدأون في رسم دوائر بأصابعهم في الهواء، يضحكون).

المدير: (يصرخ)

هذا هراء! الطلاب يجب أن يتعلموا النظام!

الفنانة الأستاذة: (تظهر من خلف ستارة وهمية، ترسم لوحة في الهواء بفرشاتها)

النظام هو مجرد لوحة قديمة جفت ألوانها. (ترسم شكلاً غير مفهوم) انظروا... هذا هو النظام الجديد: يتغير كلما نظرتم إليه.

المنهج: (يتحرك ببطء نحو المركز، يصدر صوت جهاز تسجيل)

"الفصل الأول: كيف تفقد طريقك عمداً... الفصل الثاني: لماذا لا توجد إجابات... الفصل الثالث: اكتب سؤالك على الماء..."

المدير: (ينهار على كرسي مكسور)

لقد فقدت السيطرة... (يبتسم فجأة) لكنني لم أعد أريد السيطرة.

الجرس: (يرن فجأة، لكنه يصدر صوت ضحك بدلاً من الرنين)

"رنّة الصباح... لا معنى لها... لكنها جميلة!"

(الطلاب يبدأون بالدوران مجدداً، وهذه المرة يقلدون حركات المهرج).

المشهد الثاني: "حصص الفوضى"

(المكان: الفصل الدراسي. الطاولات مقلوبة لتصبح حصوناً صغيرة، الكراسي مكدسة كالبرج. المهرج الأستاذ يجلس على سطح الطاولة، والفنانة الأستاذة ترسم على الجدران).

المهرج الأستاذ: (ينظر إلى الطلاب الذين يجلسون بطرق غريبة)

اليوم سنتعلم... كيف نطرح الأسئلة التي لا إجابة لها. (يكتب على السبورة سؤالاً: "لماذا الكتاب فارغ؟") ابدأوا...

الطالب الأول: (يرفع يده)

إذا كان الكتاب فارغاً... فكيف نقرأه؟

المهرج الأستاذ: (يضحك)

نقرأه بأعيننا المغلقة! (يغمض عينيه، يتظاهر بالقراءة) "في البداية كان الفراغ... ثم قال الفراغ: لنكن... فكان المزيد من الفراغ."

الطالب الثاني: (يحاول الطيران، لكنه يقفز من مكانه)

أنا أريد أن أتعلم كيف أطير!

الفنانة الأستاذة: (ترسم أجنحة على الحائط)

لا تطير خارجاً... طِر داخلك. (تضع يدها على صدر الطالب) أشعرت بالرحلة؟ (الطالب يهز رأسه) لا بأس... الرحلة تحتاج إلى وقت.

الطالب الثالث: (يرسم على وجهه دوائر)

هل يمكننا أن نكون أي شيء؟

المهرج الأستاذ: (يقفز على طاولة أخرى)

نعم! اليوم أنت طالب... غداً أنت مهرج... بعد غد أنت سؤال بلا إجابة!

المنهج: (يتحرك بينهم، يهمس)

"الأجوبة ممنوعة... الأسئلة فقط مسموحة... والأسئلة التي ليس لها إجابة هي الأجمل."

المدير: (يدخل الفصل، يحاول أن يكون صارماً لكنه يضحك لا إرادياً)

هذا ليس منهجاً معتمداً!

الطلاب: (ينظرون إليه، يرددون معاً)

المنهج المعتمد هو عدم الاعتماد على المنهج!

المهرج الأستاذ: (يربت على كتف المدير)

انضم إلينا... كن طالباً... ستعجبك الفوضى.

(المدير يجلس على الأرض، يحاول رسم دائرة لكنها تخرج بيضاوية).

المشهد الثالث: "الاستراحة اللانهائية"

(المكان: ساحة المدرسة. الطلاب يلعبون ألعاباً لا قواعد لها. البعض يركض عكس الاتجاه، والبعض يجلس كالتماثيل. المهرج والفنانة يجلسان على مقعد وهمي).

المهرج الأستاذ: (ينظر إلى الأطفال يلعبون)

الاستراحة... هي الحصة الأهم. (يتأمل) لأنك حين تستريح، تتعلم كيف تكون دون أن تفعل شيئاً.

الفنانة الأستاذة: (ترسم في الهواء)

وأثناء الاستراحة، ترسم الأفكار نفسها. (ترسم طائراً يطير، ثم يختفي) انظر... الفكرة تطير وتختفي. هذه هي الحياة.

الطالب الرابع: (يقترب منهما، يحمل مرآة مكسورة)

نظرت في المرآة... لكنني رأيت وجهاً ليس وجهي.

المهرج الأستاذ: (ينظر في المرآة المكسورة، يضحك)

هذا وجه آخر... ربما وجهك في المستقبل... أو وجهك في الماضي... أو وجه شخص آخر يشبهك.

الطالب الخامس: (يركض نحوهم بصورة مرسومة على ورقة)

رسمتُ نفسي... لكنني نسيت أن أرسم وجهي.

الفنانة الأستاذة: (تأخذ الرسمة، ترسم وجهاً مبتسماً)

هذا أنت... حين تنسى من أنت. (تعيد الرسمة) احتفظ بها... ستذكرك بأن النسيان جزء من الرسم.

المنهج: (يمر بجوارهم، يهمس)

"الاستراحة... هي الحصة الوحيدة التي لا تنتهي... لأنها لا تبدأ أصلاً."

(الجرس يرن، لكنه يصدر صوت ضحكة طويلة بدلاً من الرنين).

المشهد الرابع: "امتحان اللاعقل"

(المكان: قاعة امتحانات، لكنها أشبه بملعب. أوراق الامتحانات تحمل سؤالاً واحداً: "اكتب سؤالاً لا يعرف أحد إجابته". الطلاب يكتبون بحماس، المهرج والفنانة يجلسان في الخلف).

المدير: (ينظر إلى الأوراق، يبتسم بغرابة)

هذا امتحان غير تقليدي... لكن ربما هو الأكثر صدقاً. (يقرأ أحد الأوراق) "لماذا نكتب الامتحانات؟" (يضحك) هذا سؤال لا يعرف إجابته حتى أنا.

المهرج الأستاذ: (يمشي بين الطلاب، يقرأ أكتافهم)

امتحان جيد... الجميع يكتبون ما لا يعرفون. (يتوقف عند طالب) أنت... كتبت سؤالاً عن السؤال نفسه. (يصفق) عبقرية!

الفنانة الأستاذة: (ترسم على الأوراق بدلاً من كتابتها)

كل إجابة هي لوحة... والسؤال هو الإطار. (ترسم على ورقة طالب) هذا الإطار يحتوي على كل الإجابات الممكنة... والإجابات المستحيلة.

الطالب السادس: (يرفع يده، صوته مرتجف)

ماذا لو عرفنا الإجابة؟!

المهرج الأستاذ: (يقفز إلى الطاولة، ينظر إليه من الأعلى)

إذا عرفت الإجابة... فأعد صياغة السؤال! (يضحك) الإجابات هي مجرد بداية لأسئلة جديدة.

المنهج: (ينفتح على طاولة المدير، يقرأ بصوته الجهازي)

"السؤال النهائي: ما هو السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة؟ (يتوقف) الجواب: هذا السؤال."

(الطلاب يصفقون، المدير يبكي ضاحكاً).

المشهد الخامس (النهاية): "التخرج - لا نهاية"

(المكان: ساحة المدرسة تحولت إلى مسرح احتفال. كراسي موزعة بشكل عشوائي، بالونات من ورق، وطاولة تحمل شهادة تخرج مكتوب عليها: "أنت الآن خريج... خريج من السؤال").

المدير: (يقف أمام الطلاب، يخلع بدلته المقلوبة ويضعها على كرسي)

اليوم... تتخرجون. لكن التخرج الحقيقي ليس نهاية، بل بداية. بداية الرحلة إلى حيث لا تعرفون الطريق.

المهرج الأستاذ: (يقف على طاولة، يلقي خطاباً مضحكاً)

تعلمتم كيف تضيعون... كيف تفشلون... كيف تنسون... (يتوقف) هذه هي أعلى درجات الحكمة.

الفنانة الأستاذة: (ترسم لوحة كبيرة لكل طالب)

أعطيكم لوحات فارغة... ارسموا عليها ما تريدون... (تغمز) أو لا ترسموا شيئاً. اللوحة الفارغة أيضاً عمل فني.

الطلاب: (يأخذون لوحاتهم، يكتبون عليها أسئلة، ويرسمون دوائر، ويتركون بعضها فارغة)

شكراً لكم... لقد علمتمونا كيف نجهل.

المنهج: (يتحرك للمرة الأخيرة، صوته أصبح دافئاً)

"هذه النهاية... هي بداية... وكل بداية هي استمرار للفوضى... (يتوقف) صفرٌ بين قوسين... أنتم الآن أسياده."

الجرس: (يرن للمرة الأخيرة، لكنه لا يصدر صوتاً، فقط صمت طويل... ثم ضحكة خافتة كالهمس)

(المهرج والفنانة يختفيان تدريجياً خلف ستارة وهمية. المدير يجلس على كرسيه، ينام كالطفل. الطلاب يبدأون في مغادرة الساحة، لكنهم لا يخرجون من المسرح، بل يمشون في دوائر بينما الضوء يخفت).

الطالب الأول: (يهمس وهو يغادر)

أين سنذهب الآن؟

الطالب الثاني: (يرد من بعيد)

إلى الفوضى القادمة...

الطالب الثالث: (يضحك)

وإلى الأسئلة التي لم نطرحها بعد.

(الجميع يغادرون ببطء. يبقى على المسرح المدير النائم، والمنهج المفتوح على صفحة فارغة. الضوء يخفت تماماً، لكنه يترك شريطاً خفيفاً على الجملة الأخيرة المكتوبة على الجدار:)

"المدرسة ليست مكاناً... المدرسة هي السؤال الذي تظل تطرحه."

(يُسمع صوت قلم يكتب على ورق خلف الستارة، ثم يتوقف فجأة. صمت طويل. ثم صوت تصفيق واحد... لكنه يأتي من الجمهور، كأن المسرحية تدعونا إلى التصفيق لأنفسنا).

النهاية.

التحليل الفلسفي لما بعد العبثية في «مدرسة اللاعقل»

الأول  طابور لا يصطف، تفكيك النظام: العبث الكلاسيكي كان يئن من غياب النظام، أما ما بعد العبث هنا فيؤسس لـ نظام لا نظام. الطابور الدائري هو استعارة لحركة الحياة التي لا تصل إلى هدف، لكنها جميلة في دورانها. المدير الذي يفقد السيطرة ويبتسم هو علامة على الاستسلام اللطيف للفوضى.

الثاني حصص الفوضى، اللعب بالمنطق: المهرج والفنانة كمعلمين هما تجسيد لفكرة أن الحكمة ليست في المعرفة، بل في القدرة على اللعب بالجهل. الكتاب الفارغ والرسم في الهواء هما رفض للمناهج الجاهزة، ودعوة لخلق المعنى لحظة بلحظة.

الثالث الاستراحة اللانهائية  قيمة اللافعل: ما بعد العبث يعرف أن اللحظات التي لا نفعل فيها شيئاً هي اللحظات الأكثر إنتاجية للوعي. الطلاب الذين يلعبون بلا قواعد، والمرآة المكسورة التي تعكس وجوهاً ليست لنا، كلها رموز لانزلاق الهوية في فضاء الانفتاح.

الرابع  امتحان اللاعقل، الامتحان كطقس عبثي: السؤال الذي لا إجابة له هو جوهر العبث نفسه. لكن ما بعد العبث يذهب أبعد: الامتحان نفسه يصبح لعبة، والطلاب يمارسون فن التساؤل بدلاً من فن الإجابة. المدير الذي يبكي ضاحكاً هو لحظة تنوير: اكتشاف أن المعايير كلها وهمية.

الخامس التخرج بلا نهاية، الخلاص الدائري: التخرج من "مدرسة اللاعقل" ليس نهاية، بل دخول إلى فوضى أكبر. الشهادات الفارغة واللوحات البيضاء هي تأكيد على أن المعنى ليس شيئاً نناله، بل شيئاً نصنعه باستمرار. الجملة الأخيرة "المدرسة هي السؤال الذي تظل تطرحه" هي تلخيص لفلسفة السلسلة بأكملها.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه