صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الثامن عشر الاخيرة: الظل الذي خان صاحبه

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

 المسرحية الثامن عشر الاخيرة: الظل الذي خان صاحبه

مسرحية من مسرح ما بعد العبث

بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي

الشخصيات

  • غاندي: ضمير الإنسانية.
  • المواطن: الإنسان المعاصر.
  • الوطن: شيخ لا يشيخ، يحمل حفنة تراب وغصن زيتون.
  • الظل: لا يراه إلا المواطن، وهو ضميره.
  • السوق: شخصية بلا وجه، يتغير صوته باستمرار.
  • الطفل: المستقبل.

المشهد الأول: السوق

(خشبة شبه فارغة. في الوسط ميزان ضخم، وفي إحدى كفتيه حفنة تراب، وفي الأخرى سبائك ذهب.)

يدخل السوق.

السوق:
أهلاً بكم...
اليوم نبيع كل شيء.
الأسماء...
الذكريات...
الأوطان...
والضمائر.

يدخل المواطن.

المواطن:
أريد مستقبلاً.

السوق:
ادفع.

المواطن:
ليس عندي إلا وطني.

السوق:
يكفي...

يضع المواطن حفنة التراب في الميزان.

يضحك السوق.

تنطفئ نصف الإضاءة.

يخرج الظل من خلف المواطن لأول مرة.

المشهد الثاني: الظل

الظل:
بعت التراب...
فأين ستدفن أمك؟

يصمت المواطن.

الظل:
إذا ضاع الوطن...
أين ستعود عندما تخذلك المدن؟

المواطن يغضب.

المواطن:
أنا أبحث عن حياة أفضل.

الظل:
ابحث...
لكن لا تجعل الطريق يمر فوق جثة وطنك.

يختفي الظل.

المشهد الثالث: غاندي

يدخل غاندي بهدوء.

يجلس على الأرض.

يصنع من التراب دائرة صغيرة.

غاندي:
كل إنسان يولد داخل دائرة.

يكبر...

ثم يرسم دوائر أكبر:
العائلة...
المدينة...
الوطن...
الإنسانية.

ثم يمحو دائرة الوطن.

يسأل المواطن:

لماذا سقطت بقية الدوائر؟

يبتسم غاندي.

لأن الشجرة...
إذا قُطع جذرها...
لا تنقذها الأوراق.

المشهد الرابع: المحكمة

لا يوجد قاضٍ.

لا توجد منصة.

الكرسي الفارغ هو القاضي.

صوت مجهول يسأل:

من خان الوطن؟

الجميع يشير إلى الجميع.

الكرسي يبقى صامتًا.

ثم يسمع صوت الطفل.

الطفل:
أنا الخاسر الوحيد.

يصمت الجميع.

المشهد الخامس: ما بعد العبث

يعود الظل.

لكن هذه المرة يقف أمام المواطن.

لا خلفه.

الظل:
كنت أهرب منك...
لأنك كنت تهرب من نفسك.

يسلم الوطن للمواطن حفنة التراب.

لكنها تتحول في يده إلى بذرة.

يسأل المواطن:

هذه ليست ترابًا؟

الوطن:

لا...
كل وطن ينام بداخله مستقبل،
ولا يوقظه إلا من يزرعه،
لا من يبيعه.

يتقدم غاندي نحو الجمهور.

ثم يقول:

الإنسان لا يفقد شرفه لأنه أخطأ،
بل حين يحوّل الخطأ إلى وطن،
ويحوّل الوطن إلى صفقة.
وما بعد العبث يبدأ عندما يدرك الإنسان
أن الانتماء ليس ما يأخذه من وطنه،
بل ما يتركه فيه بعد رحيله.

تنطفئ الأنوار.

يبقى الطفل وحده.

يغرس البذرة.

ثم ينظر إلى الجمهور قائلاً:

"الآن... جاء دوركم."

ستار.

التحليل الفلسفي

هذه المسرحية مستوحاة حين سالوا غاندي...

متى الانسان يفقد شرفه!!!!

فأجاب عندما يأكل من خيرات بلده وينتمي الى بلد اخر!!!!

   ففي مسرح ما بعد العبث لا تكون العقدة سياسية، بل وجودية وأخلاقية؛ الوطن ليس دولة فقط، بل هو ضمير، والولاء ليس شعارًا، بل امتحان للإنسان. لذلك اقترحت أن تحمل المسرحية عنوانًا أكثر رمزية: الظل الذي خان صاحبه لأنها تمثل انتقال فلسفة ما بعد العبث من سؤال الفرد: "لماذا أعيش؟" إلى سؤال الحضارة: "لمن أترك هذا الوطن؟"، كما اقترحت إدخال شخصية جديدة اسمها "الظل". لا يراه أحد سوى المواطن، ويكون الظل هو ضميره، يطارده في كل مشهد، ويضعه أمام تناقضاته. وفي النهاية، حين يستعيد المواطن وعيه، يعود الظل ليلتحم به. لأنها تجعل الصراع الحقيقي داخل الإنسان، لا بين الدول أو الشعارات.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)