صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية السابع عشر: آخر من يغلق الشاشة

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية السابع عشر: آخر من يغلق الشاشة

مسرحية قصيرة – ما بعد عبثية

بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي

الشخصيات:

الطالب (سالم): شاب في بداية العشرينات، يعيش في عالم افتراضي أكثر من واقعه.
الصوت: أصوات متعددة تخرج من الجهاز (أصدقاء افتراضيون، إشعارات، رسائل).
الصمت: شخصية رمزية تظهر في النهاية (يمكن أن يؤديها ممثل صامت).

المشهد الأول: الغرفة التي لا تنام

(خشبة مظلمة تماماً. لا يُسمع سوى صوت مروحة جهاز إلكتروني ونقرات لوحة المفاتيح. يشتعل ضوء شاشة صغيرة في وسط الظلام. يجلس سالم أمامها، وجهه مضاء بلون بارد.)

سالم:
ها أنا هنا...
في المكان الذي يعرفني الجميع فيه، ولا يعرفني أحد.

(ينظر إلى الشاشة ويبتسم.)

صباح الخير يا أصدقائي...
هل أنتم مستيقظون؟

(تظهر أصوات إشعارات متتالية.)

الصوت:
مرحباً سالم.
كيف حالك؟
اشتقنا إليك.
أنت دائماً موجود.

سالم:
دائماً موجود...
كم هي جميلة هذه العبارة.
كأنني أصبحت قطعة أثاث في غرفة العالم.
لا أحد يلاحظ وجودي... لكن الجميع يحتاج إلى وجودي.

(يصمت قليلاً.)

لدي ألف صديق هنا...
أعرف صورهم، أسماءهم، اهتماماتهم، أحلامهم...
لكنني لا أعرف صوت ضحكتهم الحقيقي.

المشهد الثاني: مدينة داخل شاشة

(تزداد إضاءة الشاشة. تتحرك أصوات كثيرة في المكان كأن الغرفة امتلأت بأشخاص غير مرئيين.)

الصوت الأول:
سالم، شاركنا رأيك.

الصوت الثاني:
سالم، هل أنت بخير؟

الصوت الثالث:
لا تغادر، نحن هنا.

سالم:
نعم... أنتم هنا.
دائماً هنا.

لكن لماذا أشعر أنني وحيد؟

(ينهض ويمشي في الغرفة.)

أستيقظ معكم...
أنام معكم...
آكل معكم...
حتى أحزاني أكتبها لكم.

لكن عندما أبكي...
لا أحد يمد يده.

عندما أخاف...
لا أحد يجلس بجانبي.

عندما يصبح الليل ثقيلاً...
لا أسمع سوى صوت الجهاز وهو يقول:
"
هل تريد المزيد؟"

المشهد الثالث: الخوف من الإطفاء

(يقترب سالم من زر إطفاء الشاشة. يتردد.)

سالم:
غريب هذا الخوف...

أنا لا أخاف من الظلام.
أنا أخاف مما يأتي بعد الظلام.

(ينظر حوله.)

ماذا سأفعل إذا أغلقت هذه الشاشة؟

من أنا بدون اسمي الإلكتروني؟
بدون صورتي المعدلة؟
بدون إعجابات الآخرين؟

هل سأبقى موجوداً؟

(تخرج أصوات متداخلة.)

الصوت:
لا تغلق الشاشة...
ابق معنا...
نحن نحتاجك...

سالم:
هل تحتاجونني... أم تحتاجون إلى أن أبقى بعيداً عن نفسي؟

المشهد الرابع: مواجهة الصمت

(تنطفئ الشاشة فجأة. ظلام كامل.)

(صمت طويل.)

(يظهر شخص يرتدي ملابس بيضاء بسيطة، يتحرك ببطء. إنه "الصمت".)

سالم:
من أنت؟

الصمت:
أنا الشيء الذي هربت منه طوال حياتك.

سالم:
الصمت؟

الصمت:
نعم.

كنت تخافني لأنني أجبرتك على سماع صوتك.

سالم:
لكن صوتي كان مؤلماً.

الصمت:
لأنك تركته وحيداً طويلاً.

(يجلس سالم على الأرض.)

سالم:
كنت أبحث عن الناس...
فوجدت الشاشات.

كنت أبحث عن الدفء...
فوجدت الضوء.

كنت أبحث عن الكلام...
فوجدت آلاف الأصوات.

لكنني فقدت الإنسان الوحيد الذي كان ينتظرني...

(يشير إلى نفسه.)

أنا.

المشهد الأخير: آخر من يغلق الشاشة

(يعود ضوء خافت من الشاشة، لكنها لا تشتغل. يبقى سالم أمامها.)

الصوت:
سالم... هل أنت موجود؟

(يصمت.)

الصوت:
سالم... عد إلينا.

(ينظر سالم إلى الشاشة ثم إلى الجمهور.)

سالم:
ربما كنت آخر شخص يغلق الشاشة...
لأنني كنت أخشى أن أكتشف أن العالم لم يكن خلفها.

(ينهض.)

لكنني اكتشفت شيئاً...

العالم لم يكن داخل الشاشة.
كان ينتظرني خارجها.

(يتقدم نحو مقدمة المسرح.)

ربما سأعود إليها يوماً...
لكن ليس لأختبئ.

بل لأتذكر أن خلف كل صورة إنساناً،
وخلف كل حساب قلباً،
وخلف كل شاشة...
هناك شخص يبحث عن شخص آخر.

(يطفئ الضوء بيده.)

النهاية

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)