صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الثانية: عنوان (الساعة الرملية)

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية الثانية: عنوان (الساعة الرملية)

 كوميديا وجودية ما بعد عبثية

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

الشخصيات:

- سالم (س.): عامل نظافة، يرتدي بذلة فضاء مستعملة (ممزقة من الخلف، خوذته مفتوحة كخوذة دراجة). عمره 40 عاماً، لكنه يتصرف كطفل عندما ينسى نفسه.

- ليلى (ل.): طفلة تحمل دمية بلا وجه. عمرها 8 سنوات، لكن صوتها يحمل نبرة حكيمة تخترق عمرها.

- الساعة الرملية (س.ر): جسماً متحركاً ضخماً، تتأرجح يميناً ويساراً كالبندول. عندما تسقط، تتحول إلى "بركة رمل" تتفاعل مع الشخصيات. (يؤدي دورها ممثل يرتدي أسطوانة زجاجية شفافة).

- الدمية (د.): تظهر كصوت مسجل في المشهد الثاني، ثم كظل متحرك على الجدران في المشهد الرابع.

المشهد الأول: "طقوس الواجب"

(غرفة انتظار بلا أبواب ولا نوافذ. جدرانها مغطاة برسوم أطفال ثابتة (شمس، قطة، ساعة بلا أرقام). في المنتصف، الساعة الرملية الضخمة تتأرجح كبندول بانتظام. صوت الرمل يتساقط كتنفس آلي. سالم يمسح الأرض ببطء شديد، وكأنه يرسم دوائر غير مرئية. ليلى تجلس على كرسي هزاز، تدفع الدمية إلى الأمام والخلف).

ل.: (تحدق في الساعة دون أن ترمش) 

هل ننتظر القطار؟

س.: (يتوقف عن الكنس، ينظر إلى سقف الغرفة) 

لا يوجد قطار هنا منذ مئة عام. لكنهم نسوا إزالة لافتة الانتظار.

ل.: (تُقلب الدمية رأساً على عقب، تتأمل وجهها الأملس) 

إذن.. لماذا ننتظر؟

س.: (يضحك ضحكة قصيرة، ثم يعود جاداً) 

لأن أحداً أخبرنا أن الانتظار "واجب". والواجبات تُنفَّذ، حتى لو مات من وضعها.

(تسقط حفنة رمل من الساعة فجأة على الأرض، بشكل غير متوقع. ليلى تنزل من الكرسي، تلتقط الرمل بكفيها، تنفخه في الهواء. تتشكل جزيئات الرمل لكلمة "لماذا؟" للحظة، ثم تختفي في الهواء).

ل.: (تمسك يد سالم، يدها صغيرة تغطي أصابعه الكبيرة) 

ماذا لو كسرنا الساعة؟

س.: (ينظر إلى عصا الكنس وكأنها سيف) 

ممنوع. القوانين المكتوبة على الجدران تقول: "الساعة يجب أن تبقى". انظري.. هناك شمس مرسومة تبتسم، وقطعة خط تحت الجملة.

ل.: (تقفز على الكرسي الهزاز، تجعله يئز) 

لكن القوانين كتبها أناس ماتوا منذ زمن.. أناس لم يلعبوا بالرمل أبداً!

(صمت طويل. صوت الرمل يتساقط كالعد التنازلي. فجأة، يبدأ سالم بضرب الساعة بعصا الكنس بهدوء، ثم بعنف. ليلى ترمي الدمية، فتسقط الدمية داخل فتحة الساعة العلوية).

س.ر.: (تتوقف عن التأرجح فجأة، يصدر منها صوت آلة قديمة متقطعة) 

"الوقت... انتهى. ابدأوا اللعبة... من جديد."

(تسقط الساعة على الأرض بقوة، لكنها لا تنكسر. تتحول إلى بركة رمل ذهبي تمتد على نصف المسرح. الضوء يتحول من الأبيض البارد إلى الأزرق الدافئ).

المشهد الثاني: "صوت من العدم"

(بركة الرمل لا تزال في المنتصف. الجدران بدأت ترتعش قليلاً. ليلى وسالم يجلسان على طرفي البركة، ينظران إلى الرمل وكأنه ماء. فجأة، تظهر الدمية واقفة على حافة الرمل، رغم أن أحداً لم يحركها. صوتها يخرج من مكبر خفي، كطفلة مسجلة).

د.: (ثابتة، لا تتحرك شفتاها) 

"أخيراً... حررتموني من لعبة الانتظار."

س.: (يتراجع للخلف على مؤخرته، يرتعد) 

لكنكِ.. مجرد دمية! أنا من رأيتُكِ تُلقى داخل الزجاج!

ل.: (تمد يدها بحذر، تلمس قدم الدمية) 

ربما كلنا كنا دمى. حتى الساعة كانت دمية كبيرة تخاف من نفسها.

د.: (صوتها يصبح أكثر عمقاً، كأنه رجل عجوز يقلد طفلة) 

"في البدء، خلقوا الساعة ليخيفوكم من الصمت. ثم خلقوا الواجب ليخيفوكم من الساعة. أما أنا... فقد خلقتُني أنتِ يا ليلى، عندما رسمتِ لي وجهاً في خيالكِ ولم ترسميه على قماشي."

(الجدران تبدأ بالاهتزاز بشدة. الرسومات الثابتة تتحرك: الشمس تغمز، القطة ترتدي قبعة وتدور، الساعة بلا أرقام تبدأ بالعد التنازلي لأرقام وهمية لا تُرى).

د.: (تتجه نحو الجدار، ظلها يكبر) 

"الآن، اختاروا: 

إما أن تعيدوا بناء الساعة القديمة، بكامل قوانينها الواهية... 

أو تبنوا شيئاً لا يوجد له اسم في قاموس هؤلاء الموتى."

(الدمية تسقط فجأة على وجهها في الرمل، وتصمت. ليلى تمسكها، تحاول إقامتها مجدداً).

المشهد الثالث: "معلم الرمل"(الدمية صامتة. ليلى وسالم يحفران في الرمل بأيديهما، كأنهما يبحثان عن شيء).

ل.: (تنظر إلى يدها المغطاة بالرمل) 

أبحث عن جذر الساعة. كل شيء له جذر... حتى القوانين التي نكسرها.

س.: (يقلب كفه، يرى الرمل يتسرب بين أصابعه) 

ربما ليس لها جذر. ربما هي كالرمل نفسه... تأتي من لا مكان، وتذهب إلى لا جهة.

(فجأة، تظهر أصوات همس من الجمهور غير المرئي: "أنتم حرّاس الوقت الآن!". الأصوات متعددة، بعضها طفولي، وبعضها آلي).

ل.: (تقف غاضبة، ترمي قبضة من الرمل نحو مصدر الصوت) 

لا أريد أن أكون حارسة! الحارس يحرس السجن. وأنا لم أعد في سجن الانتظار.

س.: (يقف بجانبها، يحاول تهدئتها) 

ماذا تريدين أن تكوني إذن؟

ل.: (تأخذ نفساً، ثم تنظر إلى الدمية التي لا تزال ممددة في الرمل) 

أريد أن أكون "تلميذة رمل". أتعلم كيف يتحرك، وكيف يتشكل، وكيف يخنق الأصوات المزعجة.

س.: (يبتسم ابتسامة عريضة، يخلع خوذة الفضاء ويضعها جانباً) 

وأنا... سأكون "ماسح رمل". ليس لأُنظّف، بل لأكتشف ما تخفيه حبيباته.

(يبدأ الرمل بالارتفاع حولهما كأمواج بطيئة. يصل إلى ركبهما. لكنهما لا يخافان، بل يبدآن في تشكيل تلال صغيرة بأيديهما).

المشهد الرابع: "حوار الظل والدمية"

(الرمل يغطي الآن نصف أجسادهما (حتى الخصر). الضوء يتحول إلى لون برتقالي غريب. على الجدار الخلفي، يظهر ظل عملاق لساعة رملية جديدة، لكنها مقلوبة رأساً على عقب - الرمل يسقط من الأسفل إلى الأعلى).

ل.: (تنظر إلى الظل العملاق) 

انظر! الساعة الجديدة... لكنها معكوسة. ماذا يعني ذلك؟

د.: (فجأة، تتحرك الدمية في يد ليلى، تنبض بالحياة مجدداً، صوتها الآن هادئ وجاف كالمذيع) 

"يعني أنكم لن تعدوا الدقائق بعد الآن. بل ستعود الدقائق لتعدّكم. كل حبة رمل ستصبح سؤالاً، وكل سؤال سيصبح حبة رمل."

س.: (يمسك حفنة من الرمل، يرميها نحو الظل، لكنها تعود وتسقط على رأسه) 

إذاً.. نحن لسنا أحراراً. نحن فقط استبدلنا سجناً بآخر.

د.: (الدمية تلتفت نحو سالم ببطء شديد) 

"الحرية المطلقة هي العدم. وأنتما اخترتما البقاء في الرمل. هذا ليس سجناً.. هذا مختبر. السؤال ليس: كيف نخرج؟ السؤال هو: ماذا نصنع ونحن هنا؟"

(ليلى تأخذ الدمية، تحتضنها، ثم تدفنها حتى رقبتها في الرمل، بحركة حازمة. الدمية لا تقاوم).

ل.: (للسالم) 

دعنا نبني قلعة. لكن ليس قلعة للأمراء... قلعة للرمال نفسها. مكاناً تعيش فيه الحبيبات دون أن تُجبَر على السقوط.

(يبدأ ان بالبناء. أصوات الهمس تختفي تماماً. يظهر على الجدار رسم جديد: طفلان يبنيان قلعة، والساعة المقلوبة خلفهما كشمس غريبة).

المشهد الخامس (النهاية): "اللعبة الأبدية"

(المشهد الأخير. ليلى وسالم غارقان في الرمل حتى الصدر. لكنهما لا يبدوان خائفين. الرمل لم يعد يتساقط من الأعلى، بل أصبح كأرض صلبة تحتها. قلعة صغيرة من الرمل تعلو بينهما. الدمية مغطاة بالكامل بالرمل، لا يُرى منها سوى طرف قدمها الصغير).

ل.: (تلتفت إلى سالم، وجهها ملطخ بالرمل) 

هل تعتقد أن أحداً سيأتي لإنقاذنا؟

س.: (يضحك بهدوء، يأخذ حفنة رمل ويرميها عالياً كالنافورة) 

لا. لكنني لا أظن أننا بحاجة إلى إنقاذ.

ل.: (تفعل المثل، ترمي الرمل إلى الأعلى) 

ماذا نفعل الآن؟

س.: (يمسح وجهه، يحدق في القلعة الصغيرة) 

نكرر. نكرر البناء، ونكرر الهدم، ونكرر الضحك. ليس لأننا مجبرون، بل لأن الرمل يشعر بالملل حين يسكت.

(يبدأ الرمل بالارتفاع ببطء شديد، ليصل إلى أكتافهما. لكنه يتوقف فجأة. كل شيء يتجمد. الضوء يصبح أبيض ساطعاً. ثم يُسمع صوت الساعة الرملية القديمة، ولكن هذه المرة ليس كتحذير، بل كأنين جميل كالموسيقى).

ل.: (تغمض عينيها مبتسمة) 

سالم... هل تسمع الموسيقى؟

س.: (يغمض عينيه أيضاً) 

لا... إنها ليست موسيقى. إنها حبات الرمل وهي تتعلم الرقص.

(تسقط الستارة ببطء شديد، قبل أن تغطيهما بالكامل. تُترك القلعة الرملية الصغيرة في منتصف المسرح، وحيدة، لكنها متقنة البناء كتحفة فنية. ثم ينطفئ الضوء تماماً).

النهاية.

 التحليل الفلسفي لما بعد العبثية لكل مشهد:

المشهد الأول: طقوس الواجب تفكيك الغائية: هنا يتجاوز النص العبث الكلاسيكي (معاناة الانتظار) إلى طرح سؤال "لماذا نؤدي الواجب بعد موت من أوجبه؟". الإجابة العبثية التقليدية: "لا نعرف". لكن الإجابة ما بعد العبثية هنا هي: "نؤديه لأنه أصبح طقساً جمالياً". سالم يمسح الأرض بدوائر غير مرئية، ليلى تقلب الدمية - هما يؤدّيان العبث بوعي وهدوء، وكأنه رقصة.

المشهد الثاني: صوت من العدم.. نقد الميتافيزيقا: الدمية التي تتكلم تمثل "الوعي المولود من اللاشيء". ما بعد العبث لا يهتم بـ"من خلقنا؟" بل بـ"ماذا نفعل بعد أن عرفنا أن الخالق مجرد طفل رسمنا في خياله؟". خيار الدمية (إعادة البناء أم ابتكار ما لا اسم له) هو جوهر ما بعد العبث: لم نعد نتمرد على العدم (كما في العبث الكلاسيكي)، بل نتفاوض معه. 

المشهد الثالث: معلم الرمل.. الأنطولوجيا الجديدة: رفض دور "الحارس" (السلطة) واستبداله بـ"التلميذ" و"الماسح". ما بعد العبث يؤسس لعلم وجود جديد قائم على "الفضول" بدل "المعاناة". الرمل هنا ليس رمزاً للزوال (الموت)، بل رمزاً للمادة الأولية القابلة للتشكيل. السؤال الوجودي يتحول من "لماذا أنا هنا؟" إلى "ماذا يمكنني أن أصنع من هذا الرمل وأنا هنا؟".

المشهد الرابع: حوار الظل والدمية.. السخرية من البدائل: الساعة المقلوبة رأساً على عقب هي استعارة ما بعد عبثية بامتياز. حتى عندما نكسر النظام القديم، يظهر نظام جديد معكوس. ما بعد العبث لا يعدنا بالخلاص، بل يضحك من فكرة "الخلاص" ذاتها. رد فعل ليلى (دفن الدمية في الرمل) هو فعل تحرر من صوت "الموجه"؛ فهي تختار أن تصغي إلى الرمل نفسه، لا إلى تعليماته.

المشهد الخامس: اللعبة الأبدية.. القبول الطقوسي: النهاية ليست مأساوية (الغرق) ولا ملحمية (النجاة). إنها توقف مؤقت محايد. الغرق في الرمل مع الابتسام هو تجسيد لفكرة "الأبدية السخيفة" عند كامو، لكن بنكهة ما بعد العبث: لم يعد الأبطال يرقصون على حافة الهاوية خوفاً، بل يجلسون في قعر الهاوية ويلعبون بالتراب لأنهم اكتشفوا أن الهاوية ليست عميقة بقدر ما هي مسطحة ومملة، لذلك يبتكرون متعتهم الخاصة.

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه