المسرح الجماعي والمونودراما في المدرسة: دراسة مقارنة في الأهداف التربوية والفنية

 

على هامش مقالة الدكتور كمال يونس

المسرح الجماعي والمونودراما في المدرسة: دراسة مقارنة في الأهداف التربوية والفنية

الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي

نبذة تاريخية عن نشأة المونودراما

    تُعدُّ المونودراما (Monodrama) من الأشكال المسرحية التي تقوم على أداء ممثل واحد يتحمل مسؤولية العرض بأكمله، مجسدًا شخصية واحدة أو عدة شخصيات، ومعتمدًا على المونولوج، والحوار الداخلي، واستحضار الشخصيات الغائبة عبر الذاكرة أو الخيال. وتعود جذور هذا الفن إلى البدايات الأولى للمسرح الإغريقي، حيث كانت المونولوجات الطويلة جزءًا من البناء الدرامي، إلا أن المونودراما لم تتبلور بوصفها جنسًا مسرحيًا مستقلًا إلا في أوروبا خلال أواخر القرن الثامن عشر، ثم أخذت تتطور في القرن التاسع عشر، لتبلغ ذروة حضورها في القرن العشرين مع ازدهار المسرح التجريبي والوجودي، الذي جعل الإنسان الفرد محورًا للصراع الدرامي، وركز على أزماته النفسية والوجودية وعلاقته بالعالم وقد انتقلت المونودراما إلى المسرح العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وشهدت انتشارًا ملحوظًا في المهرجانات المسرحية، لما تمتاز به من قلة التكاليف وسهولة الإنتاج، فضلًا عن قدرتها على إبراز الإمكانات الإبداعية للممثل الواحد. غير أن انتقال هذا الشكل المسرحي إلى البيئة المدرسية أثار تساؤلات تربوية وفنية، لأن أهداف المدرسة تختلف عن أهداف المسرح الاحترافي. فالمسرح المدرسي لا يقتصر على تنمية المهارات الفنية، وإنما يهدف قبل كل شيء إلى بناء شخصية الطالب، وترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي والانتماء، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في مدى ملاءمة المونودراما لتحقيق هذه الأهداف مقارنة بالمسرح الجماعي.

   يُعدُّ المسرح المدرسي أحد أهم الوسائل التربوية التي تجمع بين التعليم والتثقيف وبناء الشخصية، فهو ليس مجرد نشاط فني أو وسيلة للترفيه، بل مختبرٌ تربوي يتعلّم فيه الطالب قيم التعاون والانضباط وتحمل المسؤولية واحترام الآخر. ومن هنا يبرز التساؤل: هل يخدم المسرح الجماعي هذه الأهداف بصورة أفضل من المونودراما؟

  المونودراما هي مسرحية يؤديها ممثل واحد، وتعتمد على قدرته الفردية في حمل النص وتجسيد الشخصيات أو الأفكار. ولا شك أن هذا اللون المسرحي يمتلك قيمة فنية عالية، إذ ينمّي الثقة بالنفس، ويعزز مهارات الإلقاء والتركيز والقدرة على مواجهة الجمهور. ولهذا فهو يحتل مكانة مهمة في المسرح الاحترافي. غير أن أهداف المسرح المدرسي تختلف عن أهداف المسرح الاحترافي؛ فالمدرسة لا تسعى إلى صناعة نجم مسرحي بقدر ما تسعى إلى بناء إنسان متوازن قادر على العمل مع الآخرين. ولهذا فإن المسرح الجماعي يبدو أكثر انسجامًا مع رسالة التربية. ففي المسرح الجماعي يتعلم الطالب احترام دوره مهما كان صغيرًا، ويدرك أن نجاح العرض لا يتحقق ببطولة فرد، بل بتكامل جهود الجميع. كما يتدرب على الحوار، والإصغاء، والتعاون، وتقاسم المسؤوليات، والالتزام بالوقت، وهي قيم تربوية واجتماعية يحتاجها الطالب في حياته أكثر مما يحتاج إلى إبراز ذاته منفردًا.

    أما إذا أصبحت المونودراما هي الشكل السائد في المسرح المدرسي، فقد تترتب عليها بعض الآثار غير المرغوبة تربويًا. فهي قد تعزز النزعة الفردية لدى بعض الطلبة، وتجعل الاهتمام منصبًا على الأداء الشخصي أكثر من روح الفريق، كما تقلل فرص التفاعل والتواصل بين الطلبة، وتحرمهم من الخبرة الجماعية التي تُعد من أهم وظائف المسرح المدرسي. وفي بعض الحالات قد تُنمّي شعورًا بالتفوق الفردي أو العزلة الفنية إذا لم تُقدَّم ضمن برنامج متوازن. وهذا لا يعني التقليل من قيمة المونودراما، فهي فن مسرحي رفيع له جمهوره وخصائصه، إلا أن لكل فن مجاله المناسب. فإذا كان المسرح الاحترافي يبحث عن التجريب والجماليات الفنية، فإن المسرح المدرسي يبحث قبل كل شيء عن التربية وبناء الشخصية وتنمية روح المواطنة والعمل الجماعي.

    ومن هنا يمكن القول إن المونودراما ينبغي أن تُستخدم في المدرسة بوصفها نشاطًا تكميليًا لتنمية الثقة بالنفس والقدرة على التعبير، لا أن تكون البديل عن المسرح الجماعي. فالأصل في المسرح المدرسي أن يكون مساحة يلتقي فيها الطلبة، ويتحاورون، ويتعاونون، ويشعر كل واحد منهم بأنه جزء من نجاح الآخرين. إن المدرسة التي تُخرّج طالبًا قادرًا على العمل ضمن فريق، واحترام الآخر، والمشاركة في صنع النجاح الجماعي، تكون قد حققت رسالة المسرح المدرسي بأسمى معانيها. أما المسرح الذي يصنع أفرادًا متفوقين فنيًا لكنهم بعيدون عن روح الجماعة، فإنه يحقق نجاحًا فنيًا محدودًا، ولا يحقق بالضرورة النجاح التربوي الذي من أجله وُجد المسرح داخل المؤسسة التعليمية. ومن حقي القول (ان المونودراما هي مسرح الأنا، أما المسرح الجماعي فهو مسرح النحن.) وهنا أدرج مثال عن هذا النوع من المسرحيات:

- كتابي يتكلم

يدخل الطالب إلى المسرح حاملاً حقيبة مدرسية، ثم يجلس ويخرج كتابًا.

الطالب:

لماذا تتركونني على الرف؟ كنتُ نافذتكم إلى العالم... كنتُ أحمل أحلامكم. اليوم صارت الشاشات تسرق وقتكم، لكنني ما زلت أنتظر من يفتح صفحتي الأولى. اقرأوا... فالأمم لا تُبنى إلا بالعلم، ولا يزدهر الإنسان إلا بالمعرفة.

) يصمت لحظة، يبتسم، يضم الكتاب إلى صدره، ثم يخرج ببطء. (


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه