ما بعد العبث: من انتظار غودو إلى انتظار الصدى

 

ما بعد العبث: من انتظار غودو إلى انتظار الصدى

نحو نظرية عربية في المسرح الوجودي المعاصر

بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي

   لم يولد مسرح العبث من فراغ، بل من جرحٍ حضاري عميق خلّفته الحروب الكبرى، ومن انهيار الثقة بالأنظمة الفكرية التي وعدت الإنسان باليقين والسعادة والتقدم. وحين وقف صموئيل بيكيت ويوجين يونسكو وآرثر آداموف وجان جينيه على خشبة المسرح، لم يكونوا يبحثون عن أجوبة، بل كانوا يكشفون عالماً فقد منطقه، ولغةً فقدت قدرتها على التواصل، وإنساناً ينتظر خلاصاً لا يأتي. لقد كان مسرح العبث ثورةً فكرية وجمالية غيّرت وجه المسرح الحديث، لأنه لم يكتفِ بسرد المأساة، بل جعل المأساة نفسها شكلاً من أشكال الوجود. ومن هنا بقي أثره ممتداً حتى يومنا هذا. غير أن الإنسان المعاصر يعيش اليوم زمناً يختلف عن الزمن الذي أنجب العبث. فالحروب لم تنتهِ، بل تبدّلت صورها. والعزلة لم تعد وجودية فحسب، بل أصبحت رقمية أيضاً. والإنسان لم يعد ينتظر على طريقٍ مهجور، بل صار محاطاً بضجيجٍ هائل من المعلومات والصور والأصوات، حتى غدا أكثر وحدةً من أي وقت مضى. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى سؤال جديد: هل ما زال العبث وحده قادراً على التعبير عن الإنسان المعاصر؟ إن سلسلة مسرحيات (صفر بين قوسين) لا تجيب بالنفي، لأنها لا ترى أن العبث قد انتهى، وإنما ترى أن العلاقة معه قد تغيّرت. فالفرق الحقيقي بين العبث وما بعد العبث لا يكمن في وجود العبث أو غيابه، وإنما في موقف الإنسان منه.

    فالعبث يقول: العالم بلا معنى. أما ما بعد العبث فيقول: ربما... لكنني سأصنع معنى وأنا أعبر هذا الفراغ. وهذا التحول البسيط في الصياغة يمثل تحولاً جذرياً في الرؤية الفلسفية. فشخصية العبث تستسلم للدائرة المغلقة، بينما شخصية ما بعد العبث تدرك أنها داخل الدائرة، لكنها لا تتوقف عن إعادة رسمها. إنها لا تنتظر الخلاص، بل تصنع فعل الانتظار نفسه موضوعاً للتأمل، وتحوّل الهزيمة إلى سؤال، والصمت إلى لغة، والانكسار إلى فعل إبداع. ولهذا السبب تختلف اللغة أيضاً.  فنجد اللغة في مسرح العبث تتداعى لأنها فقدت قدرتها على الإشارة إلى حقيقة مستقرة، فتتحول إلى تكرار، أو صمت، أو مفارقة، أو كلام يدور حول نفسه. اما في مسرح ما بعد العبث فإن اللغة لا تستعيد يقينها القديم، لكنها لا تستسلم لانهيارها كذلك. إنها تتحول إلى مادة للخلق، وإلى أداة لإعادة تركيب العالم، وإلى فضاء مفتوح لاحتمالات لا نهائية من المعنى. إنها تعرف أنها لن تبلغ الحقيقة المطلقة، لكنها ترفض أن تكف عن المحاولة. ومن هنا ينتقل المسرح من انتظار غودو إلى انتظار الصدى. فغودو كان رمزاً لانتظار خلاص خارجي لا يتحقق، أما الصدى فهو ما يعود إلى الإنسان من صوته بعد أن يقذفه في الفراغ. إن بطل ما بعد العبث لا ينتظر أحداً، بل ينتظر ما يخلقه فعله هو من أثر، ولو كان هذا الأثر مجرد صدى بعيد.

    ومن هذا المنطلق جاءت مسرحيات (صفرٌ بين قوسين) للكاتب والناقد عدنان الطائي المعروضة على المجلة الالكترونية المصرية (سطر العرب) إن شخصياتها لا تسكن عالماً مستقراً، ولا تعيش داخل منطق سببي واضح، لكنها أيضاً لا تتوقف عند حدود العدم. إنها تتحرك في فضاءات تتداخل فيها الحقيقة بالوهم، والواقع بالرمز، والزمن بالذاكرة، حتى يبدو المسرح كله كأنه مختبر فلسفي لاختبار معنى الوجود. ففي (المكالمة الأخيرة) يصبح الاتصال نفسه استعارة لاستحالة الوصول إلى يقين نهائي. وفي (الساعة الرملية) يتحول الزمن من مقياس للأحداث إلى كائن يلتهم نفسه. وفي (السلم والجدار (يغدو الصعود والاصطدام صورتين متلازمتين لمسيرة الإنسان. وفي (غبار المعنى) لا يختفي المعنى، بل يتراكم عليه الغبار حتى يصبح اكتشافه فعلاً وجودياً. وفي (ظل في الممر) يتحول الغياب الى حضور. فيما تجعل (هسيس الإله (السؤال الميتافيزيقي نفسه شخصيةً درامية. أما (النازحون... في حلقة مفرغة (فلا يتناول النزوح بوصفه انتقالاً جغرافياً، بل بوصفه قدراً وجودياً لا ينتهي. وتواصل بقية المسرحيات هذا المسار؛ فكل واحدة منها تقترب من سؤال الوجود من زاوية مختلفة، لكنها تلتقي جميعاً في رؤية واحدة: الإنسان لا ينتصر على العبث، لكنه لا يمنحه السيادة المطلقة أيضاً.

  ولهذا فإن هذه المسرحيات لا تدّعي تأسيس مدرسة مكتملة، ولا تسعى إلى إلغاء منجز مسرح العبث، بل تدخل معه في حوار فلسفي وجمالي. فهي تنطلق من الأسئلة التي طرحها بيكيت ويونسكو وآداموف وجينيه، ثم تحاول أن تواصل السير من النقطة التي توقفوا عندها، مستفيدة من تحولات الإنسان في القرن الحادي والعشرين، ومن التجربة العربية بما تحمله من حروب، ونزوح، واستبداد، واغتراب، وصراعات هوية، وأسئلة وجودية مفتوحة.

   إن (ما بعد العبث) ليس وعداً بالخلاص، ولا عودة إلى اليقين، ولا إعلاناً بانتصار الإنسان على الفراغ. إنه إيمان بأن الإنسان، حتى وهو يدرك هشاشة وجوده، يستطيع أن يحوّل هذه الهشاشة إلى فعل إبداع، وأن يجعل من السؤال شكلاً من أشكال المقاومة، ومن الفن محاولة دائمة لابتكار معنى لا يدّعي الكمال، لكنه يمنح الوجود إمكانية الاستمرار. بهذا المعنى، لا يقدّم كتاب( صفرٌ بين قوسين (مجموعةً من المسرحيات المتفرقة، بل يقترح مشروعاً فكرياً وجمالياً يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين اللغة والوجود، وبين العبث والمعنى. وإذا كان هذا المشروع يفتح باباً جديداً للنقاش حول (ما بعد العبث) بوصفه أفقاً للمسرح الوجودي المعاصر، فإن غايته ليست فرض نظرية نهائية، بل إطلاق حوار نقدي يظل مفتوحاً، شأنه شأن الإنسان نفسه، الذي لا يتوقف عن البحث، حتى وهو يعلم أن الطريق لا تنتهي.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه