صفرٌ بين قوسين (سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية) المسرحية الأولى: المكالمة الأخيرة

 

صفرٌ بين قوسين

(سلسلة مسرحيات عبثية وما بعد عبثية)

المسرحية الأولى: المكالمة الأخيرة
كوميديا سوداء في فضاء المسرح العبثي

بقلم الناقد والباحث عدنان مهدي الطائي

الشخصيات

موظف الاتصالات (م):
رجل يرتدي بذلة مخططة بعناية، وحذاءين مختلفين؛ أحدهما أسود والآخر بني. شعره مرتب بدقة، لكن عينيه تحملان آثار تعبٍ عميق، كأنهما لم تناما منذ سنوات.

المتصل الغامض (ص):
صوت فقط يخرج من سماعة هاتف دوّار قديم، محاط بالتشويش والصدى، وكأنه يأتي من مكان لا ينتمي إلى الزمن.

شاشة العرض (ش):
شاشة بيضاء تكتب جملاً حمراء، تومض أحياناً كأنها كائن حي يتنفس ويراقب.

الدليل الإرشادي (د):
كتاب ضخم موضوع على الطاولة، ذو غلاف لامع، تظهر له فجأة عينان وهميتان (بواسطة إسقاط ضوئي)، ثم يبدأ بالكلام.

المشهد الأول

التحضير للعدم

غرفة صغيرة بلا نوافذ. طاولة مهترئة في الوسط. فوقها هاتف دوّار قديم موضوع بدقة شديدة في المنتصف، وكأنه قطعة أثرية مقدسة. يجلس الموظف أمام الطاولة، يرتب الأقلام بزاوية 45 درجة.

الشاشة:
تظهر عبارة باللون الأحمر
"
صباح الخير... أنت مهم لدينا!"

م:
يتمتم وهو يعدّل ربطة عنقه
يوم جديد...
مكالمات جديدة...
أرواح جديدة سأحوّلها إلى أرقام تذاكر.

يصمت قليلاً، ينظر إلى الهاتف كأنه يراقب مخلوقاً نائماً.

اليوم لن أصرخ.
اليوم سأكون محترفاً.

تومض الشاشة فجأة.

الشاشة:
"
تحذير: أنت غير موجود في الجدول الزمني."

م:
يرتجف قليلاً، ثم يضحك بتوتر
مزحة سخيفة...
أنا هنا. انظري إليّ!

يشير إلى جسده.

أنا موجود.

الشاشة:
"
لكن... هل أنت متأكد؟"

م:
يضرب الشاشة بقلمه
أغبياء...
البرمجيات دائماً تتعطل.
حتى الأجهزة بدأت تتوهم.

فجأة يرن الهاتف. رنة طويلة وثقيلة، تشبه إنذار غواصة في أعماق البحر.

م:
يأخذ نفساً عميقاً، يرفع السماعة

أهلاً بكم في خدمة العملاء...
كيف يمكنني مساعدتكم؟

المشهد الثاني

المكالمة التي لم تحدث

يأتي صوت المتصل من السماعة مشوشاً، كأنه يبكي أو يضحك تحت الماء.

ص:
هل... هذا هو الخط الصحيح؟

م:
ينظر إلى السماعة بدهشة، ثم إلى الشاشة

طبعاً!
هذا هو المركز الرئيسي.
لقد اتصلتم بنا منذ عشر دقائق!

تظهر على الشاشة عبارة جديدة: "يوم عمل عادي!"

ص:
صمت طويل

لكن... أنا لم أتصل بعد.

م:
يفتح فمه، ثم يغلقه، يبتلع ريقه

ماذا تقصد بـ "لم تتصل"؟
صوتك مسجل هنا!

ص:
ربما...
أنا أتصل من المستقبل لأخبرك أنني سأتصل بك في الماضي.

م:
إذا كنت ستتصل بي في الماضي...
فلماذا تتصل بي الآن؟

ص:
لأنني لا أعرف كيف أنهي هذه المكالمة.

صمت.

الشاشة:
تظهر بحروف حمراء كبيرة

"خطأ 404: المعنى غير موجود."

م:
يصرخ في السماعة

حسناً!
هل لديك شكوى محددة؟

ص:
شكواي...
أنني لست متأكداً من أنني الشخص الذي يشكو.

إظلام جزئي.

المشهد الثالث

دليل المستخدم الفارغ

يبقى الموظف ممسكاً بالسماعة لحظات، ثم يضعها على الطاولة دون أن يغلق الخط. يسود صمت غريب. يفتح أحد الأدراج القديمة، ويخرج كتاباً ضخماً مغطى بالغبار، موضوعاً في مكان سري كأنه وثيقة ممنوعة.

م:
مخاطباً الشاشة وكأنها زميلة عمل

سأتعامل مع الأمر وفق الأصول...
كل شيء له تعليمات.
حتى الجنون لا بد أن يكون له دليل استخدام.

يفتح الكتاب ببطء. ينظر إلى الصفحة الأولى. تتغير ملامح وجهه.

فارغة...

يقلب الصفحة الثانية.

فارغة أيضاً...

يقلب بسرعة عدة صفحات.

كلها فارغة!

الشاشة:
تكتب ببطء

"الصفحة الأولى: لا شيء."
"
الصفحة الثانية: ما زال لا شيء."
"
الصفحة الأخيرة: شكراً لاستخدامك دليل اللامعنى."

م:
ينهض غاضباً، يرمي الكتاب على الأرض

أيها الكتاب اللعين!
أين الحلول؟
أين الإجابات؟
لماذا تعطوننا دائماً كتباً ولا تعطوننا معنى؟

يصمت. فجأة يخرج صوت عميق من الكتاب.

د:
لأنك تبحث عن المعنى في المكان الخطأ.

يرتد الموظف إلى الخلف.

م:
من... من تكلم؟

د:
أنا.

م:
الكتاب؟

د:
نعم.
هل يزعجك أن تتكلم الكتب؟
لقد تحملت البشر وهم يتكلمون لقرون.

م:
لكن الكتب لا تتكلم!

د:
وهل البشر يفعلون؟

صمت.

م:
من أنت؟

د:
أنا الطبعة الثالثة من "دليل اللامنطق".
الطبعة الأولى كانت تحاول شرح العالم.
الطبعة الثانية اكتشفت أن العالم لا يريد أن يُشرح.
أما أنا... فقد استسلمت وأصبحت دليلاً إلى الضياع.

م:
أريد حلاً!

د:
الحل بسيط.

م:
ما هو؟

د:
أن تدرك أنك جزء من المشكلة التي تحاول حلها.

يصمت الموظف، وكأنه تلقى صفعة.

م:
هل تريد مني أن أصلح الهاتف؟

د:
بالطبع.

م:
كيف؟

د:
ارفع الهاتف...
اهزه بعنف...
اضربه بقلمك...
ثم اصرخ في داخله.

م:
في داخله؟

د:
نعم.
فربما المشكلة ليست في الهاتف... بل في الصوت الذي يحاول الخروج منه.

يمسك الموظف الهاتف. يهزه، يضربه بالقلم، ثم يصرخ في السماعة.

م:
آآآآآآه!

صمت.

ص:
يخرج الصوت فجأة من الهاتف

آه!

م:
يتجمد

لقد صرختَ مثلي!

ص:
لقد شعرت بالضربة.

م:
كيف؟

ص:
لأنني الهاتف.

صمت.

م:
ماذا؟

ص:
والهاتف أنا.

ينظر الموظف إلى الهاتف بخوف، ثم يضعه على الطاولة برفق شديد.

م:
أنا... آسف.

الشاشة:
تظهر بسخرية

"شكراً لثقتكم بنا.
تقييمك يهمنا."

إظلام.

المشهد الرابع

انقلاب الأدوار

تعود الإضاءة. الشاشة تومض بسرعة وبشكل هستيري. تظهر جملة حمراء كبيرة.

الشاشة:
"
الأمر رقم 7: تبادل الهوية مؤقتاً."

م:
يقرأ ببطء

تبادل الهوية؟

ينظر حوله.

ومن يملك هويتي الآن؟

الشاشة:
"
أنت المتصل.
والمتصل هو الموظف.
أجب."

يصمت الموظف. يرفع السماعة بتردد. يغير صوته محاولاً تقليد موظف خدمة العملاء.

م:
ألو...
هل هذا الموظف؟

ص:
يتغير الصوت فجأة. يصبح واضحاً ومنظماً، مثل موظف رسمي.

نعم سيدي.
كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟

م:
أنا...

يتردد.

أريد أن أعرف من أنا.

ص:
بنبرة بيروقراطية باردة

سيدي، هذا السؤال يحتاج إلى تعبئة النموذج رقم 7/ب.

ثم الانتظار ثلاثة أيام عمل.

وفي حال عدم ورود الإجابة، يمكنك تقديم شكوى رسمية.

م:
لكنني لا أملك ثلاثة أيام!

يبدأ بالضحك. يتحول الضحك تدريجياً إلى بكاء.

أنا عالق هنا!

معك!

مع نفسي!

إلى الأبد!

ص:
يعود الصوت غامضاً ومشوّشاً

إذن...
اخلع حذاءيك المختلفين.

م:
ماذا؟

ص:
هذا هو الحل الوحيد.

ينظر الموظف إلى حذائه. يخلعهما ببطء، ويضعهما جنباً إلى جنب على الطاولة.

الشاشة:
"
تهانينا!
أنت الآن حر."

ينظر الموظف حوله.

م:
حر؟

يصمت.

لكنني ما زلت هنا.

لا جواب.

المشهد الخامس

الحلقة المفرغة

ظلام كامل لدقيقتين. ثم ضوء خافت. الموظف حافي القدمين. الهاتف ما زال مرفوعاً. الشاشة مطفأة تماماً.

م:
بهمس

هل ما زلت هناك؟

ص:
بصوت هادئ وعميق

سؤال أخير...

من أنا؟

ينظر الموظف إلى الحذاءين، ثم الكتاب، ثم الشاشة الميتة.

م:
ببرود موظف يقرأ نشرة داخلية

المهم هو رقم تذكرة الشكوى...
سيدي.

صمت طويل.

فجأة تخرج ضحكات مسجلة من الهاتف. ضحكات عالية وقاسية تستمر عدة ثوانٍ.

م:
يضغط زر الإنهاء بعنف

كفى!

يضع السماعة. يجلس منهكاً.

بعد ثوانٍ قليلة...

يرن الهاتف.

رنة واحدة فقط.

يتجمد الموظف

يرفع السماعة ببطء.

لا يتكلم.

ينتظر.

ص:
الصوت هذه المرة واضح تماماً... إنه صوت الموظف نفسه.

أهلاً بكم في خدمة العملاء...

كيف يمكنني مساعدتكم؟

يتجمد الموظف. ينظر إلى مرآة خيالية أمامه.

الشاشة:
تومض للمرة الأخيرة

"المكالمة الأولى."

تنطفئ.

م:
بهمس

أنا...

أتصل بنفسي؟

ص:
بصوت الموظف نفسه، لكن أكثر هدوءاً

لا...

أنت لم تغلق الخط منذ البداية.

صمت.

يسقط الستار فجأة. تبقى السماعة معلقة في الهواء، وصوت الاتصال مستمر

نهاية المسرحية

 "قراءة فلسفية في المكالمة الأخيرة"

   ان هذه المسرحية ليست مجرد كوميديا سوداء، بل هي سؤال وجودي: هل نحن الذين نستخدم الأنظمة، أم أن الأنظمة هي التي تعيد تشكيلنا حتى نصبح مجرد أصوات مسجلة؟ لان الإنسان في مسرح العبث هو ضحية لعبثية الحياة؛ أما في مسرح ما بعد العبث فهو شريك واعٍ في هذه اللعبة الكونية. إنه يعرف أن الحياة لا تمنحه الإجابات، لكنه يرفض أن يبقى أسير الصمت، فيخلق لنفسه لحظةً من المعنى، حتى لو كانت مؤقتة، وحتى لو كانت قابلة للانهيار في أية لحظة. وعلى سبيل المثال:

- في العبث يمكن أن تقول شخصية: (أنا أتصل من المستقبل لأخبرك أنني سأتصل بك في الماضي)

- في (ما بعد العبث) فقد تقول الشخصية: (الحل هو أن تدرك أنك جزء من المشكلة(

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

ليست الشهادة ما يصنع الإنسان، بل ما يعرفه ويقدمه