التوحيد والمساواة الاجتماعية دراسة فلسفية في جدلية المساواة التوحيدية والتراتبية الاجتماعية

 

التوحيد والمساواة الاجتماعية

دراسة فلسفية في جدلية المساواة التوحيدية والتراتبية الاجتماعية

ضمن المفهوم الحداثوي اليمين واليسار في الإسلام

بقلم الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي

تمهيد

    يُنظر إلى التوحيد في الفكر الديني التقليدي بوصفه إقراراً بوحدانية الله، غير أن هذا التعريف، على أهميته العقدية، لا يستنفد جميع الأبعاد الفلسفية والاجتماعية الكامنة في المفهوم. فالتوحيد، في جوهره الحضاري، لم يكن مجرد قضية لاهوتية، بل مشروعاً لإعادة بناء الإنسان والمجتمع على أساس وحدة القيمة الإنسانية أمام الخالق. ومن هذا المنظور يمكن فهم الدعوة المحمدية باعتبارها ثورة أخلاقية واجتماعية استهدفت تقويض البنى التقليدية التي كانت تمنح الامتياز للقبيلة والثروة والنسب، وإحلال مبدأ جديد يقوم على المساواة الإنسانية والتقوى والعمل الصالح.

أولاً: التوحيد بوصفه تحريراً من التراتبية الاجتماعية

    لم تكن الأصنام في المجتمع العربي مجرد تماثيل حجرية، بل كانت تعبيراً رمزياً عن منظومة اجتماعية كاملة تقوم على تفاوت المكانة والسلطة والثروة. وعندما رفعت الدعوة المحمدية شعار: "لا إله إلا الله" فإنها لم تنفِ تعدد الآلهة فحسب، بل نفت أيضاً شرعية كل سلطة تدّعي قداسة ذاتية فوق الإنسان. فالتوحيد هنا يصبح تحريراً مزدوجاً:

  • تحريراً روحياً من عبودية الأصنام.
  • وتحريراً اجتماعياً من عبودية الامتيازات الموروثة.

ولهذا ارتبط الخطاب القرآني بالفئات التي كانت تقع على هامش النظام الاجتماعي القائم:

  • اليتامى.
  • المساكين.
  • الفقراء.
  • أبناء السبيل.
  • العبيد والرقاب.
  • المستضعفون.

في المقابل، وُجه النقد إلى:

  • المترفين.
  • المستكبرين.
  • المحتكرين للثروة والنفوذ.

وهو ما يكشف عن وجود انحياز أخلاقي واضح نحو الفئات الأضعف في المجتمع.

ثانياً: المساواة التوحيدية كتيار تاريخي

    يمكن النظر إلى الإسلام المبكر بوصفه حاملاً لما يمكن تسميته "المساواة التوحيدية". والمقصود بها أن جميع البشر يقفون أمام الحقيقة الإلهية على قدم المساواة، فلا تمنح الثروة أو القبيلة أو النسب قيمة وجودية أعلى لأحد على أحد. وقد تجسد هذا المبدأ في صعود شخصيات كانت تنتمي إلى الفئات المهمشة اجتماعياً، فأصبحت جزءاً من النخبة الجديدة التي صنعت المجتمع الإسلامي الأول. ومن هنا يمكن القول إن التوحيد لم يكن مجرد فكرة دينية، بل قوة اجتماعية أعادت توزيع المكانة الرمزية داخل المجتمع.

ثالثاً: السقيفة وبداية التوتر بين مشروعين

    تمثل السقيفة، في هذه القراءة الفلسفية، لحظة مفصلية في تاريخ الإسلام السياسي.

فلم يعد السؤال يدور حول الإيمان والكفر كما كان في مرحلة الدعوة، بل حول طبيعة السلطة بعد غياب المؤسس. وهنا برز توتر بين اتجاهين:

الاتجاه الأول

  اتجاه المساواة التوحيدية، الذي كان يرى أن روح الرسالة تتمثل في استمرار مشروع إعادة بناء المجتمع على أسس العدالة والمساواة وكسر الامتيازات التقليدية.

الاتجاه الثاني

   اتجاه التراتبية الاجتماعية، الذي رأى أن استقرار الدولة يقتضي الاستفادة من البنى الاجتماعية القائمة وموازين القوة التقليدية. ولا يعني ذلك أن أفراد أي من الاتجاهين كانوا يتحركون بدافع اقتصادي محض، وإنما أن البنية الاجتماعية نفسها بدأت تستعيد حضورها في المجال السياسي.

رابعاً: من الصراع الديني إلى الصراع الاجتماعي

   خلال حياة النبي محمد ﷺ كان الصراع يدور أساساً حول قبول أو رفض الرسالة. أما بعد وفاته فقد انتقل مركز الثقل تدريجياً إلى سؤال آخر: من يمتلك شرعية إدارة المجتمع؟ وهنا بدأت التناقضات الاجتماعية والسياسية التي كانت كامنة تحت السطح بالظهور. فلم يعد الانقسام بين مؤمنين ومشركين، بل بين رؤى مختلفة لطبيعة الدولة والسلطة والعدالة الاجتماعية. ومن هذا المنظور يمكن اعتبار التوتر بين المساواة التوحيدية والتراتبية الاجتماعية شكلاً مبكراً لما ستعرفه البشرية لاحقاً بصراعات العدالة الاجتماعية والامتياز الطبقي وقد افرز مصطلحا يقول: اليمين واليسار في الاسلام، مع مراعاة الاختلاف التاريخي بين العصرين.

خامساً: التوحيد والعدالة الاجتماعية في أفق الحداثة

في عالم اليوم لم تعد الأصنام من حجر، بل أصبحت تتمثل أحياناً في:

  • تقديس الثروة.
  • احتكار السلطة.
  • هيمنة رأس المال.
  • العصبيات الطائفية والقومية.
  • تحويل الإنسان إلى مجرد أداة اقتصادية.

ومن هنا يستعيد التوحيد معناه التحرري بوصفه رفضاً لكل أشكال التأليه الاجتماعي. فالتوحيد، في جوهره الفلسفي، لا يكتمل بمجرد الاعتقاد بوحدانية الله، بل يقتضي أيضاً رفض تحويل المال أو السلطة أو النسب إلى مراكز سيادة مطلقة فوق الإنسان.

خاتمة

   تكشف هذه القراءة أن التوحيد لم يكن مجرد عقيدة ميتافيزيقية، بل مشروعاً إنسانياً يهدف إلى توحيد القيمة الإنسانية أمام الخالق، وإلى مقاومة كل أشكال التراتبية التي تجعل بعض البشر أعلى مرتبة وجودية من غيرهم. ومن هذا المنظور يمكن فهم تاريخ الإسلام المبكر بوصفه ساحة جدل دائم بين مشروع المساواة التوحيدية ومشروع التراتبية الاجتماعية. وليس المقصود بذلك إسقاط مفاهيم اليسار واليمين الحديثة حرفياً على الماضي، بل البحث عن الجذور العميقة لصراع إنساني متكرر بين قيم العدالة والمساواة من جهة، وقوى الامتياز الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى. وبهذا المعنى يصبح التوحيد، في أفق الحداثة، ليس مجرد معرفةٍ بالله، بل دفاعاً دائماً عن كرامة الإنسان في مواجهة كل أشكال الاستعلاء والهيمنة.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات

إلى من ادّعت أنها شمسٌ