قصة قصيرة (حين تعجز الروح عن طرد ذبابة… انهيار الذات)

 

 قصة قصيرة (حين تعجز الروح عن طرد ذبابة… انهيار الذات)

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

     في ليلةٍ قارسةِ البرد، امتزج ضحكُها بعويلِ الريح التي كانت تقرعُ زجاجَ الغرفةِ الخلفيّة، المطلةِ على فرندةٍ تتدلّى منها أزهارٌ فخاريةٌ ذابلةٌ تحت وطأة الصقيع. كانت مستلقيةً على فراشٍ من حريرٍ ثقيل، يغطي جسدَها رداءٌ شفافٌ بالكاد يحجبُ دفءَ بشرتها، بينما كان قلبُه يخفقُ كطائرٍ محبوسٍ في قفصِ صدره. رناَتْ إليه بأناملَها الناعمة، فاقترب منها متثاقلاً، كطفلٍ يبحث عن حلمةِ أمه في غرفةٍ مظلمة. لكنّه توقّف. تسلّلت إلى روحه صورةٌ قديمة: أمّه تصرخُ فيه حين كان مراهقاً، يومَ ضبطه يتلصّصُ على الجارةِ وهي تغيّرُ ثيابها. منذ تلك اللحظة، صار جسدُ المرأةِ لغزاً يعشقه ويخافه، وشهوةً تلذعه كالجمر.

تناولَ قدحَ نبيذِه المعتاد، جرعةً كي تخففَ ارتعاشةَ الخجل. نهضت هي من فراشها، وتهادت نحوه برقصاتٍ بطيئة، كأنّها تنسابُ على نغماتِ موزارت الحالمة. لمست كتفه، فتسرّبَ الخدرُ إلى عظامه، واغتالت روحَه بلذّةٍ مريضة. لكنّ الخدرَ تحوّلَ إلى رجفةٍ عنيفة. والرجفةُ إلى قبضةٍ حديديّة. تلوّى بين ذراعيها، لكنّه لم يضمّها؛ بل التفّ حول رقبتها كأفعى تبحثُ عن نبضِ فريستها. تدحرجا على الفراش، تشابكت الأصابعُ بالشعر، واختلط لهاثُه بلهاثِها، حتى خنقَ الصوتَ صمتٌ ثقيل. هوى جسدُها الغضُّ أرضاً كدميةٍ انقطعتْ خيوطُها. نظر إليها بعينين ذابلتين، فقدتا بريقهما، بينما انهمر الدمعُ على وجنتيه بصمتِ القبور. لم يُسمع في الغرفة سوى شهيقه المتقطّع. ثم فجّرَ الصمتَ صرخةٌ مكتومة، انبعثت من صدره كزلزالٍ داخلي، تلاقت في اللحظة ذاتها مع دويّ الرعدِ في الخارج. تساقطَ الثلجُ بكثافةٍ كأنّه يُريدُ دفنَ المشهدِ كلّه، بينما كان العرقُ يتصبّبُ من جبينه متدفقاً كالماءِ المنسابِ من حنفيةٍ مفتوحة. هدأت العاصفةُ داخله، وتلاشت عدوانيّتُه كأنّها لم تكن. نهض بصعوبة، وجلس في زاوية الغرفة التي صارت تشبه زنزانةً رطبة. صار هادئاً، لا يتحرّك إلا بحركةٍ لا إراديّة. كان يرفع يدَه بين الفينةِ والأخرى، محاولاً إزاحةَ ذبابةٍ صغيرةٍ كانت تُلحّ في الطنين حول وجهه.  ذبابةٌ تافهة، لكنّ يدَه كانت تعجزُ عن طردها.  في تلك اللحظة، بدا كطفلٍ وديعٍ أضاعَ طريقَه في متاهةٍ لا مخرجَ منها، جالساً ينتظرُ نهايتَه المحتومة، سائراً ببطءٍ إلى عدَميّتِه الصامتة.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله