سلسلة جذور الروح (تراث وحضارات الشعوب القديمة) الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي الحلقة الثالثة عشرة: سلتيك، شعوب السهوب، وبيزنطة – أسرار أوروبا الوثنية
سلسلة جذور الروح (تراث وحضارات الشعوب
القديمة)
الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي
الحلقة الثالثة عشرة: سلتيك، شعوب السهوب،
وبيزنطة – أسرار أوروبا الوثنية وأمجادها المسيحية
"رحلة في أعماق الروح الإنسانية، حيث تلتقي
الفلسفة بالعبادة"
المقدمة
نصل الآن إلى المحطة الأخيرة في رحلتنا عبر
حضارات العالم القديم. ثلاث كيانات مختلفة تماماً، لكن لكل منها ثقلها في تشكيل
الوعي الأوروبي. أولاً، شعوب سلتيك (القلط)، أولئك المحاربون والكهنة الذين خلفوا
لغز الدرويد ومهرجانات لا تزال حية في هالوين. ثانياً، شعوب السهوب (السكيثيون
بشكل خاص)، الفرسان الرحل الذين لم يبنوا مدناً ولا صروحاً، لكنهم غرسوا الخوف في
قلوب الإمبراطوريات وتركوا في ثقافاتهم بعداً روحانياً فريداً. ثالثاً،
الإمبراطورية البيزنطية – الوجه المسيحي الشرقي لروما، حيث التقى التراث الروماني
باللاهوت الأرثوذكسي، لتخلق حضارة امتدت ألف عام، وأثرت في السلاف والعالم
الإسلامي وأوروبا عصر النهضة. ثلاثة عوالم: وثني، رعوي، ومسيحي. ثلاثة طرق لعبادة
الآلهة أو الله. في هذه الحلقة، نختم «جذور الروح» بهذه الأضلاع الثلاثة، لنجيب عن
سؤال: كيف تنوعت روح الإنسان في أقاصي أوروبا وآسيا الصغرى؟
الجزء الأول: سلتيك –
كهنة الدرويد وأسرار المواسم
من هم السلتيون؟
السلتيون (Celts)، أو القِلط، هم شعوب العصر
الحديدي الذين سكنوا أوروبا الغربية والوسطى، من أيرلندا وبريطانيا إلى الأناضول.
بين عامي 500 ق.م و500 م، ازدهرت ثقافتهم التي اشتهرت بالآلهة المتعددة، الطقوس
القربانية، وطبقة الدرويد (Druids) الكهنوتية. لم يتركوا كتباً مقدسة، لذلك نعرف معتقداتهم من خلال:
- المصادر الكلاسيكية
(اليونانية والرومانية)، التي كانت غالباً معادية لهم.
- النقوش الأثرية
والتماثيل (كمرجل جونديسترب).
- الفلكلور الأيرلندي
والويلزي في العصور الوسطى.
السلتيون لم يشكلوا
دولة واحدة، بل مملكات متفرقة حارب بعضها بعضاً، مما سهل غزو الرومان لهم. لكن
تراثهم الديني والفني ظل باقياً.
آلهة سلتيك – تنوع بلا
وحدة
اعتنق السلتيون شركاً ضمن الأسرة
الهندية-أوروبية، فتعددت آلهتهم بحسب القبيلة، لكن يمكن تمييز شخصيات رئيسية
مشتركة:
- تيوتاتيس (Teutatis):
إله الحرب والقبيلة. كان يرضى بالقرابين البشرية في ساحات القتال.
- ترانيس (Taranis):
إله الرعد والعواصف (معادل لـ Thor الجرماني وPerun السلافي).
- لوغوس (Lugus):
إله متعدد المهارات (حرف، فنون، تجارة). منه اشتق اسم مدينة ليون (Lugdunum)
وعيد لوجناساد (Lughnasadh).
- سيرنونوس (Cernunnos):
إله الغابة والحيوانات والخصوبة. يُصوَّر بقرون أيائل، جالساً القرفصاء تحيط به
ثعبان ووعول. رمز للتواصل مع الطبيعة البرية.
عند السلتيين
الأيرلنديين (الغاليين)، تطورت قصة "تواثا دي دانان" (قبيلة الإلهة
دانو) – كائنات أسطورية نزلت من السماء، حكمت أيرلندا قبل البشر، وانتهى بها
المطاف إلى العيش تحت التلال.
الدرويد – كهنة الحيطة
والحكمة
الدرويديون ليسوا مجرد
كهنة بالمعنى التقليدي، بل كانوا طبقة فكرية شاملة: قضاة، أطباء، مؤرخون، ومربون.
وظائفهم:
- الإشراف على الطقوس:
القرابين الحيوانية والبشرية (روما اتهمتهم بحرق البشر في أقفاص ضخمة –
"تمثال القصب").
- تفسير الإرادة
الإلهية: عبر مراقبة النجوم، وطيران الطيور، وأحشاء القرابين.
- حفظ التقاليد شفهياً:
منعوا كتابة تعاليمهم المقدسة، لتبقى حصرية في صدورهم.
- الوساطة بين القبائل:
كان الدرويديون أحياناً المتنفس الوحيد لوقف الحروب.
تأثرت صورة الدرويد
بالرومان كـ "برابرة" و"سحرة"؛ لكن الحقيقة الأثرية تظهرهم
كطبقة محترمة، ربما تأثرت بالفلسفة الفيثاغورية.
الأعياد والمواسم – سر
بقاء التراث السلتي
قسم السلتيون العام إلى
أربع مهرجانات رئيسية، لا تزال حية (بصيغ معدلة) في الثقافة الغربية:
1. سامهاين (Samhain – 1
نوفمبر): رأس السنة السلتية. نهاية الصيف وبداية الشتاء؛ ليلة تتلاشى فيها الحدود
بين عالم الأحياء وعالم الأموات. يرتدون أزياء مرعبة لطرد الأرواح. تحول مباشر إلى
هالوين بعد تنصيرها (All Hallows' Eve).
2. إمبولك (Imbolc – 1
فبراير): بداية الربيع، مكرس للإلهة بريجيد (قديسة مسيحية لاحقاً).
3. بلتان (Beltane – 1
مايو): مهرجان النار والخصوبة. أشعلوا نيراناً كبيرة، وقفزت الأسر فوقها للتطهر.
4. لوجناساد (Lughnasadh – 1
أغسطس): مهرجان الحصاد تكريماً للإله لوغوس.
هذه المهرجانات تؤكد أن
السلتيين عاشوا في انسجام مع دورة الطبيعة، بعيداً عن العقائد الجامدة.
التضحية البشرية – بين
الاتهام الروماني والحقيقة الأثرية
اتهم الرومان السلتيين بإسرافهم في تقديم
القرابين البشرية. النقوش الأثرية (كجثث مستنقعات في الدنمارك وإنجلترا) تشير إلى
وجود طقوس ضحايا، لكن ليس بالمستوى الهائل المزعوم. غالباً ما كانت التضحية مرتبطة
ب:
- إعدام مجرمين أو أسرى
حرب تكريماً للإله.
- طقوس ملكية: يُضحي
بملك فاشل بعد فترة حكم رمزية (تضحية نادرة).
- طلب الخصب: في سنوات
المجاعة أو الأوبئة.
كما أن السلتيين قدموا
القرابين الحيوانية بكثرة (ثيران، خيول، كلاب).
العمارة والمواقع
المقدسة
بدلاً من المعابد الضخمة، قدس السلتيون
**المواقع الطبيعية**: غابات البلوط (الكلمة "درويد" مشتقة من "أصل
البلوط")، الأنهار، آبار المياه، ودوائر الحجر (مثل ستونهنج رغم أنه أقدم
منهم). في العصر الروماني، بنوا معابد رومانو-قلطية (مربعة بأبراج). أبرز الآثار:
تلال تارا (أيرلندا)، كهف أويسنيخ، و"مرجل جونديسترب" (فضي مزين بصور
آلهة).
تأثيره على الثقافة
الأوروبية
- الاسم: أوروبا تدين
بالكثير من أسمائها للسلتيين (نهر الدانوب، نهر الرون، البوهيمي).
- الأساطير الأيرلندية
والويلزية أثرت في أدب العصور الوسطى وقصص الملك آرثر (البحث عن الكأس، الساحر
ميرلين وهو درويد).
- مواعيد الأعياد (رأس
السنة في نوفمبر، مايو شهر الزفاف).
- الحركة
"الدرودية الجديدة" في القرن العشرين: إحياء حديث للتقاليد السلتية، ضمن
حركات الوثنية الجديدة.
الجزء الثاني: شعوب
السهوب – السكيثيون وتنغرية الفرسان الأوائل
من هم السكيثيون؟
السكيثيون (Scythians) شعب إيراني رحل، ساد السهوب
الأوراسية بين القرنين السابع والثالث ق.م، من تراقيا شرقاً إلى جبال ألتاي في
منغوليا. لم يتركوا مدناً، بل بنوا تلالاً دفنية ضخمة (كورغان – Kurgans)
كأكبر شهودهم. مصدرنا الأساسي عن دينهم هو المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي زار
مستعمرات البحر الأسود.
معتقدات وتنغرية مبكرة
مع أن المصادر القديمة لم تسم ديانة السكيثيين
بـ "تنغرية" (Tengriism)، فإن تصورهم لسماء كإله أعلى يتوافق مع مبادئها الأساسية. يشير
هيرودوت إلى أن أهم إله لديهم كان "تابيتي" (Tabiti)
ويعادلها هيرودوت بـ هيستيا (إلهة النار والمقدس). كانوا يقدسون:
- تابيتي: النار
المقدسة والموقد، رمز وحدة القبيلة.
- بابايوس (Papaios):
إله السماء، معادل لزيوس.
- آبي (Api): إلهة الأرض، زوجة بابايوس.
- أويتوسيروس (Oitosyros):
إله الشمس، معادل لأبولو.
ومما يميزهم في الطقوس:
- السيف المقدس (أغين –
Agin):
كانوا يعبدون سيفاً من الحديد كتجسيد لإله الحرب (أريس عند هيرودوت). يبنون له
مذبحاً من حزم القصب يعلوه سيف، ويقدمون له القرابين (خيول، ماشية).
- قرابين الخيول: الخيل
رمز الثروة والكرامة، يذبحونها عند دفن الملوك.
- عدم تقديم الخنازير:
كرهوا الخنازير بوصفها حيواناً نجساً (على عكس السلاف الذين احتفظوا بها).
الكورغان – نموذج للكون
الكورغان ليس مجرد قبر: هو نموذج مصغر للكون.
يقسم العالم إلى طبقات (عالم سفلي للجذور، أرضي، علوي للسماء). دفنوا مع الملك
أغراضه الثمينة (ذهب، جواهر، أسلحة)، وخيوله، بل أحياناً زوجاته وخدمه. صورة
الغزال شائعة على السروج والتواقيع، رمزاً للسرعة والانتقال بين العوالم.
تأثيرهم على الحضارات
اللاحقة
- الأسلحة الفروسية:
السكيثيون وضعوا نموذج الفرسان الرماة الذين قلدتهم كل جيوش العصور القديمة
(بارثيون، ساسانيون، مغول).
- الفن
"الحيواني" (الطراز السكيثي): زخارف متشابكة من الحيوانات المتطاحنة أو
المترابطة، أثرت في الفن السلتي والجرماني.
- أساطير: ربما أثرت في
الأساطير السلافية (بيرون وفيلس – صراع الرعد والثعبان) والتركية.
الجزء الثالث: بيزنطة –
إرث الإمبراطورية الأرثوذكسية
لمحة تاريخية
الإمبراطورية البيزنطية (330–1453 م) هي
استمرار للدولة الرومانية في الشرق. عاصمتها القسطنطينية (إسطنبول الحالية)، أسسها
الإمبراطور قسطنطين. جمعت بين:
- القوانين الرومانية
(مدونة جستنيان).
- اللغة والثقافة
اليونانية.
- المسيحية الأرثوذكسية
(الكنيسة الشرقية التي انفصلت رسمياً عن روما الكاثوليكية عام 1054، بسبب أزمة
الأيقونات والسلطة البابوية).
كانت بيزنطة حصن أوروبا الشرقية، ونشرت
المسيحية إلى السلاف (روسيا، بلغاريا، صربيا) عبر القديسين كيرلس وميثوديوس
(مخترعي الأبجدية السيريلية).
تحطيم الأيقونات (Iconoclasm – 726–843
م)
أحد أعمق الأزمات الدينية في المسيحية
الشرقية: هل الصور المقدسة (أيقونات) مسموح بها أم محرمة؟
- المعاديـــن
للأيقونات (Iconoclasts): بقيادة الأباطرة لاون الثالث وقسطنطين الخامس. استندوا إلى
الوصية الثانية (لا تصنع تمثالاً ولا صورة). اعتبروا تبجيل الأيقونات وثنية،
وتذكروا تحريم الإسلام واليهودية للصور.
- المؤيـدون (Iconophiles)
– الرهبان والأرثوذكس: جادلوا بأن المسيح تجسد، فرسم صورته ممكن ومطلوب إكراماً
للبشرية المتجسدة. لو منعت الصور، لكفرت بتجسد المسيح. انتهى الصراع عام 843 م بـ
"انتصار الأرثوذكسية" (عيد لا يزال يحتفل به في الكنائس الشرقية).
النتيجة: الأيقونات موجودة في كل كنيسة أرثوذكسية، لكن تُبجَّل، لا تُعبَد.
آيا صوفيا – قمة
العمارة الدينية
بنيت آيا صوفيا (Hagia Sophia –
"الحكمة المقدسة") بأمر الإمبراطور جستنيان بين 532 و537 م. ظلت
كاتدرائية بطريركية المسيحية الشرقية لمدة ألف عام. كانت رمزاً لاتصال السلطة
الإمبراطورية بالسلطة المسيحية. قبتها الضخمة (55 متراً) خلقت إحساساً بالسماء
المعلقة على ضوء. تحولت إلى مسجد بعد الفتح العثماني 1453 م، وإلى متحف لاحقاً.
التراث الديني والثقافي البيزنطي
- المسيحية
الأرثوذكسية: وهي المذهب الرسمي لروسيا، اليونان، صربيا، رومانيا، بلغاريا. أثرت
في سياسة القياصرة (فكرة "موسكو روما الثالثة").
- القانون البيزنطي:
حافظ على القانون الروماني ونقله للغرب.
- الفن البيزنطي:
الأيقونات الخشبية ذات الخلفية الذهبية، الفسيفساء، المخطوطات المذهبة.
- الأبجدية
الغلاغوليتية والسيريلية (التي تستخدمها اللغات السلافية الشرقية والجنوبية).
- نظام
"القيصر-البابا" (القيصرية): سلطة الإمبراطور على الكنيسة، ما خلق علاقة
فريدة بين الدين والسياسة في أوروبا الشرقية.
خاتمة الثلاثية
بـ حلقة سلتيك، السهوب،
وبيزنطة نغلق أبواب «جذور الروح» .
- سلتيك يذكرنا بالأرض
والطقوس القديمة.
- شعوب السهوب يذكّرنا
بالروح غير المستقرة، وأهمية الحرية الفروسية.
- بيزنطة يذكّرنا
بالقوة الإمبراطورية والدين المؤسسي.
ثلاثة نماذج من روح
الإنسان: الوثني المتصل بالطبيعة، الرعوي المتصل بالسماء، المسيحي المتصل
بالإمبراطورية. معاً يروون قصة أوروبا وآسيا الصغرى قبل العصر الحديث.
تعليقات
إرسال تعليق