حركة القرامطة.. حركة إسلامية يسارية اشتراكية

 


حركة القرامطة.. حركة إسلامية يسارية اشتراكية

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

المقدمة

     تُعدّ حركة القرامطة من أكثر الحركات السياسية والدينية إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي، فقد انقسم المؤرخون والباحثون في تقييمها بين من نظر إليها بوصفها حركة تمرد وخروج على الدولة والمجتمع، وبين من رأى فيها حركة اجتماعية إصلاحية سعت إلى مواجهة الظلم الاقتصادي والتفاوت الطبقي الذي ساد المجتمع العباسي في مراحل ضعفه وانحلاله. وقد ارتبط اسم القرامطة بأحداث جسام تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الإسلامية، ولا سيما حادثة الاعتداء على مكة المكرمة والاستيلاء على الحجر الأسود، الأمر الذي جعل كثيراً من الدراسات التقليدية تركز على هذه الأحداث وتغفل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى في تجربتهم التاريخية. وتهدف هذه الدراسة إلى إعادة النظر في حركة القرامطة من خلال قراءة تاريخية تحاول استجلاء ظروف نشأتها، وعلاقتها بالحركة الإسماعيلية، والبيئة الاجتماعية التي ساعدت على انتشارها، فضلاً عن دراسة نظامها الاقتصادي والاجتماعي وتجربتها السياسية في البحرين، مع الوقوف عند أبرز إنجازاتها وإخفاقاتها، بعيداً عن التمجيد المطلق أو الإدانة المطلقة.  وانطلاقاً من ذلك، تسعى الدراسة إلى معالجة حركة القرامطة بوصفها ظاهرة تاريخية مركبة نشأت في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية خاصة، وتركت آثاراً متباينة في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي يستدعي تناولها بروح البحث العلمي الموضوعي، وبمنهج يوازن بين الروايات المختلفة ويضع الأحداث في سياقها التاريخي.

    القرامطة هم احدى الطوائف الدينية الشيعية التي ظهرت بسواد الكوفة في مستهل النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وامتدت حركتهم الى البحرين، ولكن بقيادات مختلفة، فكان في سواد الجنوب في العراق بقيادة حمدان القرمطي، وفي البحرين بقيادة ابو سعيد الجنابي وفي اليمن بقيادة علي بن الفضل وابو عبد الله الشيعي اخيرا، وكانوا ممن استجابوا للدعوة الاسماعيلية التي تدعو الى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق. وقد اجمع المؤرخون على علاقة القرامطة بالإسماعيلية. بالرغم من ان هناك اختلاف في خصوص ذلك بعدة اراء منها:

 الرأي الاول: يذهب الى القول ان القرامطة فرعا من فروع الاسماعيلية، كما هو حال الدولة الفاطمية.

 الراي الثاني: وهو أضعف الآراء، يذهب الى نفي ارتباط علاقة القرامطة بالإسماعيلية وان هذه العلاقة هي محل شك في وجودها.

 الراي الثالث: يرى ان القرامطة نبعت من الحركة الاسماعيلية ثم حدثت فجوات بينهما كان محورها عملي، مصلحي أكثر منه فكريا او ايديولوجيا. واستقلت القرمطية عن الدعوة الاسماعيلية عندما ازداد انصارها. في حين هناك راي مغاير، حيث تعتبر القرامطة، وخصوصا قرامطة البحرين، ان الدين وسيلة لبلوغ الانسان الى مرتبة الكمال لذلك نجد حكم القرامطة لم يكن حكما أوتوقراطيا، بل على اساس مجلس شورى جمهوري لان الدين إذا كان – حسب رأيهم – غاية سيثبت الحكم الفردي، وآخرون يقولون ان قرامطة البحرين كانوا خير الفرق الاسماعيلية في صحة مبادئهم من حيث واقعيتها وتقديمها وتلبيتها لداعي حاجة عصرهم التاريخية. ومن هم من قال: ان الداعية الاسماعيلية المعروف (الحسين الأحوازي) هو الذي بشر بالدعوة الاسماعيلية في سواد الكوفة وعلى يد حمدان القرمطي. وعلى العموم تبقى علاقة القرامطة بالإسماعيلية محل نقاش.

       تحدث المفكرون بان الآراء والمعتقدات مهما كانت تقدمية او رجعية تعتبر هي احدى ظواهر الصراع الطبقي التاريخي من اجل البقاء وتطوير الحياة. فالطبقات الحاكمة الرجعية في كل دور من ادوار التاريخ لا تريد ان تساير المعتقدات التقدمية وتواكب ادوار التاريخ، بل هي على العكس تضع العراقيل والعقبات في طريق الآراء الحرة وتمنعها من مسايرة حركة التاريخ حفاظا على مصالحها الشخصية وانماء ثرواتهم. وعليه ينجم صراع حاد بين طبقات المجتمع المتمثلة في الطبقات المستغِلة (بكسر الغين) والطبقات المستغَلة (بفتح العين). فالتناقض بين مصالح هاتين الطبقتين كونت لكل منها ايديولوجية، فالأولى استئثارها بالحكم للسيطرة على الموارد المتاحة واستغلال الناس لصالحها بالقسر والاستبداد. والثانية اوجدت لها معتقدات استمدت قواعدها من صميم النضال الثوري ضد ذلك الاستبداد والاستغلال وضد الظلم الاجتماعي والاقتصادي.

       فالإسماعيلية هي ظاهرة تاريخية ثورية اوجدتها مقتضيات المجتمع الاسلامي المبني على تلك التناقضات والمتأثرة بالأفكار السائدة آنذاك والتي منها اليونانية والمزدكية وغيرها، غير انها اصبغتها بقالب ديني اسلامي في قدم الموجد وازليته المتمثلة في ذاته جل وعلا والاعتراف بالنبوة واليوم الاخر، ألا انها كانت ترى ان للشريعة والقران ظاهرا وباطنا، فيكون ظاهرا في التنزيل وباطنا في التأويل، وقد اخذت الاسماعيلية بفكرة الباطن امرا كانت تتطلبه طبيعة حركة المقاومة السرية وتنظيمها.

       فصار دعاتها ان يبشروا بها ويؤلقون الاسفار فيها بغية تهذيب خطط الجماهير الكادحة المحكومة في تطوير نضالها وتهيئتهم للوثوب على الظلم. وكان الباعث الرئيسي في هذا النضال الثوري هو العمل على ايجاد امام عادل تكون بيده السلطة الدينية والدنيوية لكي يستطيع تحقيق للامة مصالحها وحاجاتها ورفع الظلم عنها، لأنه إذا كان الامام للدنيا فقط يصبح الدين عبثا والله منزه من ان يخلق الاشياء عبثا، وإذا كان الامام للدين فقط تصبح سياسة الدنيا باطلة، وهذا محال على الله تعالى وهو القائل: لا تنسى نصيبك من الدنيا.

     بدأ الإسماعيليون بحركتهم هذه لتنظيم المقاومة وبث الوعي الثوري بين اوساط الفلاحين الكادحين في سواد واسط، ثم انشقت هذه الحركة حتى امتدت اطرافها الى سائر المدن الكبرى فشملت الكوفة (القرامطة) والانبار والبصرة ومصر (الفاطميون) والشام (الحشاشون) والبحرين(القرامطة) وبلاد المغرب (العبديون) وإيران. واخيرا فالإسماعلية هي نسبة الى الامام اسماعيل بن الامام جعفر الصادق، وهم يعتقدون بالسبع ائمة ابتداء من عليٍّ بن ابي طالب الى اسماعيل بن جعفر الصادق، وذلك تبعا لعدد حروف كل من الكلمات الطيبات والتحيات والصلوات التي يرون القدسية فيها، عند ذلك يعتبرون شروط الامامة التي يقوم الدين على اساسها سبعة                                      

     يرجح البعض ان اسم القرامطة يرجع الى كون اول من نظم الحركة ونشرها في منطقة الكوفة، كان اسمه (حمدان القرمطي). وكان حمدان هذا كادحا زراعيا بسيطا في احدى القرى المجاورة للكوفة ثم اتصل به الداعية الإسماعيلية المعروف بـ(الحسين الأحوازي) فادخله حظيرة الدعوة الاسماعيلية وعهد اليه امر التبشير بها في تلك الناحية وتنظيم اتباعها، وكانوا آنذاك يسمون أنفسهم (المؤمنون بالله، الناصرون لدينه والمصلحون في الارض)، وليس بالحركة القرمطية.

 معنى كلمة قرمط                

       تعددت المعاني للقب (قرمط) الذي كان يلقب به (حمدان القرمطي) كما يلي:

اولا: لغويا، اي قرمط الرجل في خطواته اذ يقارب بين قدميه.

ثانيا: اصطلاحا، يقال ان حمدان بن الاشعث سمي قرمط لقصر قامته ورجليه. ويقال انه احمر البشرة، تشبيها له بـ (القرميد) وهو الطوب الاحمر. او احمر العينين.

ثالثا: يرى الاب انستاس ماري الكرملي عند شرحه لفظ (قرمط) انه ارمي(نبطي) المشتق من (قرمطونا) او (قرمط) أي المدلس او الخبيث.  المكار المحتال وان صح هذا التفسير، فيبدو ان هذه التسمية أطلقها اعداء القرامطة عليهم.

 رابعا: وهناك من يرى ان لقب (قرمط) الذي لقب به حمدان بن الاشعث يعني (فلاح) ولذلك لا عجب ان يكون جُلّ انصاره من الفلاحين الاحرار والارقاء. وقد اتفق كثير من المفكرين على ان كلمة قرمط معربة من كلمة (كرامته) او (كارميثا) وهي كلمة معروفة عند اهالي بلاد العراق الجنوبية ومعناها: الفلاح او القروي.                      

   اذن في ضوء ما تقدم نجد ان لفظ (القرمط) على اختلاف معانيها، تصف حمدان ابن الاشعث الذي تتفق جميع المصادر على ان حمدان كان فلاحا في ارض السواد في الكوفة. لقد ظهرت هذه الحركة، في سنة 261 هـ في واسط بين الكوفة والبصرة والقرى المجاورة لهما، في عصر تدهور الدولة العباسية، وتفشي نظام الاقطاع والمجتمع الطبقي في الدولة العباسية، وساد المجتمع القلق والاضطراب والانحدار السياسي والاجتماعي، في جو مشبع بالظلم والاستبداد والارهاب حتى وصل الى نعت الخليفة بالقول: انه كالفأر يأخذ ما ليس له. وكان اكثر سكان هذه البلاد خليطا من العرب والنبط والسودان ، المستائين من حالتهم الاجتماعية في ظل مجتمع طبقي وكانوا ميالين الى كل دعوة من شأنها ان تخفف عنهم حملهم الثقيل وتدعو الى الرحمة والرئفة ، وهذا ما وجدوه في الدعوة القرمطية ، لأنها اتصفت بحركة ثورية اجتماعية الى اجتثاث جذور انظمة الحكم الفاسدة فهي ليست بثورة من اجل خلع امام وتنصيب امام آخر ، لانهم اعتمدوا في حكمهم حكما دستوريا يديره مجلس شورى اضافة الى ان الحركة اتصفت بحسن الاعداد والتنظيم ، بعد ان اختلفوا مع الحركة الاسماعيلية التي تؤمن بإيجاد امام عادل يحكمهم . وهذا سبب نجاح الدعوة القرمطية في تلك البلاد وتهافت الناس عليها هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى فقد واجهت تنكيل وتشويه لمبادئها واتهامهم بالمروق والالحاد وغير ذلك من الالفاظ التي تبث روح كراهية الناس والنفور منهم من قبل الطبقات الحاكمة، والمؤرخين الرجعيين ،ومرتزقة السياسة والادب.

       وبعد ان استقطبت الدعوة القرمطية سائر العناصر والعصبيات المقهورة في سواد العراق والانخراط فيها وكان المؤرخون يصفون تلك الطبقات بـ (الجفاة) و(الاسافل) و(العامة) وتلك الالقاب لا تخلو من مغزى اجتماعي، والتي كانت تشكل تلك العناصر طبقة اجتماعية مغلوب على امرها جمعتها ظروف سيئة واحدة، وكانت تلك الصفات هي حلقة الربط بين تلك الفئات ضمن الدعوة القرمطية، وليس على اساس العقيدة المذهبية او القومية وذلك نتيجة نضوج الحركة، مما تحولت الى ثورة عام 287هـ.

       ويظهر لنا أثر العامل الاقتصادي في حركة القرامطة في وضوح إذا ما تذكرنا ان اولئك الذين شرعوا بتأييدها كانوا من صغار الفلاحين والعمال الزراعيين، لذلك يمكن القول ان حركة القرامطة كانت تهدف الى الغاء استغلال الفلاح من قبل الاقطاع في الدولة العباسية.                                                                           وبعد نجاح الثورة تحولت الى دولة ضمت جنوب العراق والبحرين، كما تطلعت لضم بلاد الشام، الا انها فشلت، وظلت دولتهم في جنوب العراق والبحرين صامدة في وجه الخلافة العباسية حتى عام 389هـ.، لأنها اقامت دولة وكيان سياسي مستقل عن الدولة العباسية في جنوب العراق ثم في البحرين. وقد وصفت دولتهم بانها تمثل دولة العدالة الاجتماعية في الاسلام، وبالإمكان وصفها بأوصاف معاصرة بانها دولة اشتراكية ظهرت في الاسلام.

       لان حركة القرامطة قد اختلفت عن بقية الحركات التي عاصرة القرامطة اختلافا بينا في الافكار والاهداف، فالقرمطية حركة ثورية فكرية انقلابية فلسفية ذات تعاليم اشتراكية، وذات اهداف بعيدة المدى، بينما بقية الحركات لها اهداف معينة كما اوضحنا بخصوص الامامة، انقسما منها لا ترتكز على اسس فكرية ذات جذور عميقة، فهي والحالة هذه تعتبر ثورة وقتية تهب ثم تطفئ. لأنها ليست على مستوى من التنظيم، بل كانت عفوية او ذات تنظيم ضعيف. وبذلك اختلفت عن حركة القرامطة التي تجسدت في كيان سياسي عبر عن افكارها الاقتصادية والاجتماعية.

       لعل اهم ما يلفت النظر في تاريخ القرامطة هو ذلك النظام الاجتماعي الفريد الذي اقاموه في العراق، حتى عام 316هـ عندما استطاع العباسيين القضاء على القرامطة في العراق، لكن ذلك النظام الاجتماعي بقي مستمرا في البحرين على يد ابا سعيد الجنابي حتى سنة 398هـ.

  على العموم اسس القرامطة نظامهم الاجتماعي المعروف (بنظام الالفة). كان هذا النظام شبيها بما اقره الرسول (ص) من نظام المؤاخاة حين اسس دولة الاسلام الاولى في المدينة. وهذا النظام يُعد تجربة رائدة في الاشتراكية اذ تتنازل الافراد عن ملكيتهم للجماعة، من خلال جمع الاموال جعلوها مشاعة بين الاعضاء يتولى توزيعها رجل منهم ذو ثقة على المحتاجين من القرامطة حتى لم يبق بينهم فقير. وان نظام الالفة هذا مستمد من بعض آيات قرانيه، من قوله تعالى ((واذكروا نعمة الله اذ أنتم اعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا)) كما يعد نظام الالفة مشتقا من قوله تعالى ((لو انفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بين قلوبهم انه عزيز حكيم)). ان التنظيم المالي المشكل في (دار الهجرة)، الذي يقع بالقرب من الكوفة لغرض فرض الضرائب على اتباع الدعوة القرمطية وكانت تلك الضرائب قد بدأت بـ (ضريبة الفطرة) وهي يدفع كل قرمطي طفلا كان او امرأة او رجلا (درهم). ثم تطورت الى ضريبة(الهجرة) وكانت تفرض فقط على البالغين والبالغات من القرامطة، وكانت هذه الضريبة قد خصصت للإنفاق منها على الفقراء الذين كانوا يهاجرون الى (دار الهجرة) فتكون بذلك وسيلة من وسائل نشر الدعوة.

       ثم نص النظام على ضريبة جديدة سماها (البلغة) وحث فيها كل فرد من أتباعه على دفع (سبعة دنانير) لينالوا المراتب الرفيعة التي تجعلهم من السابقين والمقربين. علاوة الى خُمس ما كانوا يملكون او يكتسبون. وبهذه الانظمة الاجتماعية التطبيقية استطاع القرامطة ان يضموا الى صفوفهم العديد من الناس، وان يكونوا جماعة متحمسة متماسكة لا فقير فيها ولا غني، بل عدالة ومساواة.

       وهناك راي جدير بالملاحظة، ان (نظام الالفة) الذي اسسه القرامطة كان متأثرا بجمهورية افلاطون التي كانت شائعة آنذاك. وبموجب اهدافها وايديولوجيتها - خصوصا في دولة القرامطة في البحرين في عهد سليمان ابي طاهر أحد ابناء ابي سعيد الجنابي مؤسس الدعوة في البحرين – أُنشئت اول جمهورية عربية في العصر الوسيط، بل تاريخ العرب كله، لها نظريتها وايديولوجيتها وبرنامجها الاجتماعي – الاقتصادي – السياسي.

   عند ذلك ُعرف النظام السياسي في دولة القرامطة بالبحرين باسم ((العقدانية)) الذي كان عبارة عن مجلس جماعي يتكون اعضاؤه من الحكماء المستنيرين مهمته دراسة كل السياسات الخاصة بالمجتمع واعتمادها وفق مبادئ العدل والانصاف، لذا كانوا اشبه بجماعة ((الحل والعقد)) اذ جرى تسميتهم باسم ((الاشيرة)) أي اهل الشورى والراي الملزم لرئيس الجماعة.

       ومن الاصلاحات الذي قدمها النظام السياسي للبلاد هي الغاء الضرائب على الاراضي، ثم الغت الدولة او أنقصت بعض الرسوم التي كان يئن تحتها الزراع والعمال واخذت تبحث عن موارد اخرى تقوم باحتياجات الدولة ولا يشعر السكان بثقلها، فكان من جملة تلك الضرائب الجديدة ضريبة على المراكب التي كانت تمخر في خليج العجم، ثم ضريبة على مقاطعة عمان وعلى الحجاج الذين كانوا يؤمون الحرمين كل سنة، وضريبة اخرى على صيادي اللؤلؤ في مياه البحرين والخليج العربي. وعليه يجوز القول ان مالية البحرين بلغت في عهد القرامطة درجة لم تبلغها في دور اخر من ادوار تاريخها.          لقد كان هناك ثلاثين الفا من السود يشتغلون في الحقول والبساتين الذين اشتروها بمال الدولة، وحين يصيب أحدهم فقر، او يقع تحت دين لا يستطيع وفاءه، تسلفه العقدانية ما يحتاج اليه دون فائدة، وان الحكومة كانت إذا دخل البحرين غريب ذو حرفة تسلفه ثمن ادوات العمل حتى يعمل في حرفته ويكسب عيشه ويسدد ذلك الثمن دون فائدة، وبذلك لم يبقى في البلاد فقير، وان التجارة الداخلية والخارجية كانت تحت سيطرة الحكومة، وان ارباحها تنفق على المصالح العامة وتحسين اعمال المزارعين والشغيلة. وقامت بإلغاء الاقطاع والفوارق وقدموا السلف للفلاحين، وقدموا المساعدات المالية للعمال، وسيطروا على التجارة الخارجية وصاروا على خطة الاكتفاء الذاتي وعززوا ذلك بضرب عملة من الرصاص ليمنعوا انتقال الثروة الى الخارج. وبذلك شكل النظام السياسي – الاقتصادي في دولة القرامطة في البحرين نظاما رائع التنظيم وبعد تجربة من اروع وأعظم نماذج الحكم في تاريخ الدولة العربية الاسلامية، بعد دولة الرسول (ص). وهذا ما يؤكده التاريخ (بان حركة القرامطة انجزت تنظيما اشتراكيا – اجتماعيا).

       ووصف الباحثون المعاصرون دولة القرامطة بأوصاف عصرية مثل (جمهورية) و (اشتراكية) و (جمهورية ديمقراطية) تميزت بطابع اسلامي، حيث يمكن وصفها بـ (دولة العدالة الاجتماعية في الاسلام). كانت تنشد عدالة الاسلام وليس هدم شريعته، بل استهدفت الاطاحة بالحكام لخروجهم على هذه الشريعة.

       وتجدر الاشارة الى الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الحركة القرمطية بحق تاريخها، وحق المسلمين بصورة عامة، ففي سنة 316 هـ دخلوا مكة المكرمة عنوة، وسلبوا الحجر الاسود وقتلوا الحجاج وسكان مكة، وغير ذلك من الفضائع التي اقترفها جيش القرامطة في بيت الله والمدينة، وكذلك ذكر المؤرخون ان القرامطة قتلوا في تلك السنة من حجاج المسلمين وفي بيت الله وشوارع مكة وضواحيها بلغ قرابة الالاف ما عدا الذين ماتوا من الجوع في العراء. بالإضافة الى قطع الطريق على الحجاج في اعوام عديدة. على العموم بقيت تلك المجازر وصمة عار في تاريخ حركة القرامطة في البحرين. مما دفع بعض المؤرخين والباحثين الى التحامل على حركة القرامطة، وتشويه ايجابيات دولة القرامطة في البحرين.

       على العموم يصف اتباع المنهج المادي حركة القرامطة بانها حركة ثورية ذات ايديولوجية اشتراكية، وتعبر عن نظام العدالة والمساواة الذي يهدف اليه الاسلام.         واعتقد الباحثون ان حركة القرامطة تؤشر عدة حقائق يمكن إيجازها فيما يلي:

 1- ان الحركة القرمطية ثورة اجتماعية اتسمت بالأعداد والتنظيم المحكم، ومن ثم نجحت كدعوة، ثم ثورة، واخيرا في تأسيس دولة.

 2- ان دولة القرامطة (دولة فلاحين) اساسا، بما ينم عن تعاظم المد الثوري ببعده الطبقي، وليس العنصري او الطائفي.

 3- ان هذه الدولة تعد اول تجربة حقيقية بعد العصر النبوي والراشدين تستوحي مبادئ الاسلام في الاقتصاد والاجتماع.

 4- يشهد نجاح التجربة القرمطية ...امكانية تحقيق طموحات العوام المستضعفين في ظل ايديولوجية اسلامية مستنيرة بما يدحض الزعم الخاص بمسؤولية الاسلام عن التخلف الذي يقلق العالم الاسلامي.

       وفي ضوء ما تقدم يمكن وصف الحركة القرمطية، انها دعوة ثورية اشتراكية عالمية استندت الى اسس اجتماعية واقتصادية، ومبادئ فلسفية ونظم معينة، فكان من اهدافها القضاء على استغلال الانسان للإنسان ... وطبقوا الاشتراكية الصحيحة التي تقضي بإعطاء كل فرد حسب حاجته على ان يكون مركزه الاجتماعي متناسبا مع خدماته، وفي البحرين كانت التدابير الاقتصادية تتصف بنزعة اشتراكية متطرفة.                                          

الخاتمة

    بعد استعراض نشأة الحركة القرمطية وتطورها الفكري والسياسي والاجتماعي، يتبين أن القرامطة مثلوا واحدة من أبرز الحركات الاحتجاجية في العصر العباسي، وأن ظهورهم ارتبط إلى حد كبير بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت تعاني منها قطاعات واسعة من المجتمع آنذاك.

    كما تشير التجربة القرمطية، ولا سيما في البحرين، إلى محاولة إقامة نظام اجتماعي واقتصادي قائم على التكافل والتعاون وتقليل الفوارق بين أفراد المجتمع، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى النظر إليها بوصفها تجربة مبكرة للعدالة الاجتماعية في التاريخ الإسلامي. وقد انعكس ذلك في عدد من النظم التي اعتمدتها الحركة في إدارة الموارد العامة ورعاية الفئات الفقيرة وتشجيع النشاط الاقتصادي والإنتاجي. إلا أن هذه الجوانب لا تلغي حقيقة ارتكاب القرامطة أخطاءً جسيمة، كان أخطرها الاعتداء على مكة المكرمة وقتل الحجاج والاستيلاء على الحجر الأسود، وهي أحداث تركت جرحاً عميقاً في الوجدان الإسلامي وألقت بظلالها على صورة الحركة في المصادر التاريخية اللاحقة. ومن ثم، فإن الحكم على القرامطة يقتضي الابتعاد عن الأحكام المطلقة، سواء تلك التي تجعل منهم نموذجاً مثالياً خالياً من العيوب، أو تلك التي تختزل تاريخهم كله في جانب واحد من جوانب تجربتهم. فالتاريخ أكثر تعقيداً من أن يُقرأ بلون واحد، والقرامطة كانوا ظاهرة تاريخية جمعت بين طموحات اجتماعية واسعة وأخطاء سياسية وعسكرية جسيمة. ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه هذه التجربة يتمثل في أن السعي إلى العدالة الاجتماعية وتحقيق مصالح الناس يظل هدفاً مشروعاً ونبيلاً، غير أن نجاح أي مشروع فكري أو سياسي يبقى رهناً بمدى التزامه بالقيم الإنسانية والأخلاقية التي تحفظ للإنسان كرامته وحقه في الأمن والحياة. وعلى هذا الأساس ومن منطلق الأمانة التاريخية لابد ان نعمل توازنا بين إيجابيات الحركة وسلبياتها.. وقد وضعتها تحت عنوان (القرامطة بين العدالة الاجتماعية والعنف السياسي):

    تُعدّ حركة القرامطة من أكثر الحركات إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي، إذ اختلفت حولها آراء المؤرخين والباحثين بين من نظر إليها بوصفها حركة هدامة خرجت على الدولة والدين، وبين من رأى فيها ثورة اجتماعية هدفت إلى رفع الظلم عن الفئات الفقيرة والمهمشة في المجتمع العباسي. نشأت الحركة القرمطية في أواخر القرن الثالث الهجري في بيئة اتسمت بالاضطراب السياسي واتساع الفوارق الاجتماعية وانتشار نظام الإقطاع، حيث عانى الفلاحون والعمال وسكان الأرياف من أوضاع اقتصادية صعبة. وفي هذا المناخ وجدت الدعوة القرمطية أرضاً خصبة للانتشار، مستفيدة من التنظيم المحكم والشعارات الداعية إلى العدل والمساواة والتكافل الاجتماعي. ومن أبرز ما يلفت الانتباه في التجربة القرمطية ما عُرف بـ«نظام الألفة»، الذي قام على التعاون والتكافل بين أتباع الحركة، من خلال جمع الأموال وتوزيعها على المحتاجين، بما يحد من الفقر ويعزز روح التضامن الاجتماعي. كما تشير بعض المصادر إلى أن دولة القرامطة في البحرين انتهجت سياسات اقتصادية هدفت إلى تخفيف الأعباء عن الفلاحين والعمال، وتقديم القروض للمحتاجين والحرفيين، وتشجيع النشاط الزراعي والتجاري. كذلك يذهب عدد من الباحثين إلى أن نظام الحكم القرمطي تميز بوجود مجلس جماعي للشورى وإدارة الشؤون العامة، وهو ما دفع بعض الدارسين المعاصرين إلى وصفه بأنه شكل مبكر من أشكال الإدارة الجماعية أو المشاركة السياسية مقارنة بالأنظمة السائدة في عصره. ومع ذلك، فإن دراسة القرامطة لا تكتمل بالنظر إلى جانبها الاجتماعي وحده، إذ ارتبط تاريخ الحركة أيضاً بأحداث دامية تركت أثراً عميقاً في الوعي الإسلامي. فقد ارتكب القرامطة في سنة 317هـ أعمالاً خطيرة أثناء هجومهم على مكة المكرمة، شملت قتل أعداد كبيرة من الحجاج والسكان، والاستيلاء على الحجر الأسود ونقله من موضعه سنوات طويلة. وقد عدّ المسلمون هذه الأحداث واحدة من أكثر الوقائع إيلاماً في تاريخ الحرمين الشريفين. ولا شك أن تلك الممارسات ألحقت ضرراً بالغاً بسمعة الحركة القرمطية، وأصبحت سبباً رئيسياً في النظرة السلبية التي تبناها كثير من المؤرخين تجاهها. غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين دراسة التجربة الاجتماعية والسياسية للقرامطة وبين إدانة الأعمال التي ارتكبوها بحق الأبرياء والحجاج.

    إن حركة القرامطة تمثل تجربة تاريخية معقدة لا يمكن اختزالها في صورة واحدة. فقد حملت من جهة طموحات اجتماعية سعت إلى تحقيق قدر من العدالة والتكافل، ومن جهة أخرى ارتبطت بأعمال عنف وصراعات سياسية أضرت بها وبصورتها في التاريخ. ولهذا فإن فهم القرامطة يتطلب قراءة متوازنة تتجاوز التمجيد المطلق أو الإدانة المطلقة، وتتعامل مع الحركة بوصفها ظاهرة تاريخية لها ظروفها وإنجازاتها وأخطاؤها. ويبقى الدرس الأهم الذي تقدمه لنا هذه التجربة أن العدالة الاجتماعية قيمة إنسانية نبيلة، لكنها تفقد مشروعيتها عندما تقترن بالعنف وإراقة الدماء، وأن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يقاس بشعاراته وحدها، بل بمدى التزامه بالقيم الأخلاقية والإنسانية التي يرفعها.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات

إلى من ادّعت أنها شمسٌ