سلسلة جذور الروح (تراث وحضارات الشعوب القديمة) الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي الحلقة الحادية عشرة: اليابان القديمة – أرض الشمس المشرقة وروح الساموراي
الحلقة الحادية عشرة:
اليابان القديمة – أرض الشمس المشرقة وروح الساموراي
"رحلة في أعماق الروح
الإنسانية، حيث تلتقي الفلسفة بالعبادة"
المقدمة
في أقصى شرق آسيا، على أرخبيل من الجزر
البركانية، نشأت حضارة فريدة استلهمت من الصين وكوريا، لكنها صاغت كل شيء بطريقتها
الخاصة. اليابان القديمة هي مزيج ساحر من الشنتوية (عبادة الطبيعة والأسلاف)
والبوذية التي وصلت عبر كوريا، ومن نظام الساموراي وبوشيدو (طريق المحارب) الذي
صار أخلاق الجندي الياباني لقرون.
في هذه الحلقة من «جذور الروح»، نتعرف على
أصول اليابانيين في فترة جومون (أقدم فخار في العالم) ويايوي (زراعة الأرز
واستخدام المعادن)، ثم نشأة الدولة المركزية في فترة ياماتو، وتطور البوذية
والكتابة الصينية، وظهور طبقة الساموراي، وحكم الشوغون، وثقافة الزن، وفنون
الساموراي (الكيمونو، الساقور، هايكو، الكابوكي). ونختم بإرث اليابان الروحي
والمادي الذي أثرى العالم.
أولاً: الجذور
التاريخية – من جومون إلى ياماتو
فترة جومون (14000–300 ق.م) – أقدم فخار في العالم
- أطلق الاسم على
الزخارف "المضفورة" (جومون) على الأواني الفخارية. أقدم قطع فخارية في
العالم (حوالي 14500 ق.م) – أقدم من فخار الهلال الخصيب.
- مجتمعات صيادة قناصة،
شبه مستقرة، عاشت في أكواخ، وزاولت طقوسًا شامانية. تماثيل "دوغو"
الطينية الأنثوية ربما كانت لآلهة الخصوبة.
فترة يايوي (300 ق.م – 300 م) – ثورة الأرز والمعادن
- جاءت من كوريا (هجرة
جماعية). أدخلت زراعة الأرز الرطب في الحقول المروية، والمعادن (البرونز، الحديد).
- تطورت الطبقات
الاجتماعية، وظهرت الممالك الصغيرة المتنافسة. عُرفت اليابان لأول مرة في السجلات
الصينية (هان) باسم "وا".
فترة كوفون (300–538 م) – مقابر ضخمة ودولة مركزية
- شيد النبلاء مقابر
على شكل ثقب المفتاح (كوفون) طولها 400 متر. ظهرت طبقة محاربين مزودين بدروع
حديدية.
- اتحدت اليابان تحت أسرة ياماتو، التي حكمت
من وسط جزيرة هونشو، واعتبرت الإلهة أماتيراسو (إلهة الشمس) جدها الأسمى. هذا هو
أصل الأسرة الإمبراطورية اليابانية (أقدم سلالة حاكمة مستمرة في العالم).
فترة أسوكا (538–710 م) – دخول البوذية والكتابة
- 538 م: وصلت البوذية
رسميًا من كورندا (مملكة بايكتشي) إلى بلاط ياماتو. صراع بين العشائر المؤيدة
والرافضة، ثم انتصرت البوذية.
- الأمير شوتوكو تايشي
(574–622) اعتنق البوذية وأعلنها دعمًا للدولة. وضع دستورًا من 17 مادة (مبادئ
كونفوشية وبوذية)، ونظم الرتب والمراتب على غرار الصين.
- اعتماد الكتابة
الصينية لتسجيل القوانين والتاريخ. أقدم النصوص: "كوجيكي" (سجلات الأمور
القديمة – 712 م) و"نيهون شوكي" (وقائع اليابان – 720 م)، تخلط الأساطير
بالتاريخ.
فترة نارا (710–794 م) – أول عاصمة دائمة
- العاصمة نارا (هيجو
كيو)، على غرار تشانغآن الصينية. ازدهار البوذية: بناء معبد توداي جي مع تمثال
بوذا العظيم (برونز، 15 مترًا). الرهبان أصبحوا نافذين سياسيًا لدرجة تدخلهم في
انتخاب الأباطرة.
فترة هيان (794–1185 م) – العصر الذهبي للثقافة الأرستقراطية
- نقل العاصمة إلى
كيوتو (هيان كيو). تراجعت النفوذ البوذي مؤقتًا. ظهرت ثقافة البلاط الراقي التي
تمجد الجمال والحساسية.
- الأدب: "حكاية
غينجي" (موراساكي شيكيبو، حوالي 1008 م)، أول رواية نفسية في العالم.
"حكاية مقعد" (ساي شوناغون). تطور الأبجدية المقطعية اليابانية هيراغانا
وكاتاكانا (من مبسط الكتابة الصينية)، مما سمح بكتابة الأدب باليابانية بدل
الصينية.
- صعود الساموراي:
الأرستقراطيون أهملوا إدارة المقاطعات، فظهر أمراء الحرب المحليون (بوشي)، ومعهم
طبقة المحاربين الساموراي (الذين يخدمون). بدأ صراع بين عشيرتي تايرا وميناموتو،
انتهى بحرب جينبي (1180–1185) بفوز ميناموتو نو يوريتومو.
فترة كاماكورا (1185–1333 م) – حكم الشوغون
- أسس يوريتومو حكومة
عسكرية (شوغونية) في كاماكورا، مع بقاء الإمبراطور رمزًا في كيوتو. بدأ زمن
المحاربين (بوشيدو).
- غزا المغول اليابان
مرتين (1274، 1281). في المرة الثانية، دمرهم إعصار "كاميكازي" (الرياح
الإلهية) التي أنقذت اليابان.
- فترات لاحقة: شوغونية
أشمكاغا (1336–1573) فنية، وحرب الأقاليم (سينغوكو)، ثم شوغونية توكوغاوا
(1603–1868) التي وحدت اليابان وأغلقتها على العالم. لكن التركيز في هذه الحلقة
على الأسس القديمة.
ثانياً: ديانة اليابان
– الشنتوية والبوذية في وئام
الشنتوية (Shintō –
"طريق الآلهة")
- الديانة الأصلية
لليابان، دين طبيعي وثني يؤمن بأن كل شيء في الطبيعة (جبل، نهر، شجرة، حجر) يحتوي
على كامي (روح إلهية).
- أصل الأساطير:
الإلهان إزاناغي وإزانامي خلقا الجزر اليابانية. ابنتهما إلهة الشمس أماتيراسو هي
الجدة الأسطورية للأسرة الإمبراطورية. أخوها سوسانو (إله العواصف) مصدر المتاعب.
- الطهارة أهم من
الأخلاق: التطهير بالماء قبل دخول الضريح، وتجنب "تسومي" (النجاسة).
- مزارات الشنتو
(جينجا): بوابة توري الحمراء تفصل العالم المقدس عن الدنيوي. لا صور للكامي، بل
مرايا أو سيوف رمزية.
- طقوس الشنتو تشمل
المهرجانات (ماتسوري)، الرقص، الموسيقى، وتقديم الطعام.
البوذية في اليابان (تداخل فريد)
- دخلت البوذية في
القرن السادس، وتصالحت مع الشنتوية عبر مبدأ "هونجي سويجاكو" – أي أن
آلهة الشنتو (كامي) هي تجليات مؤقتة لبوذات كبيرة. صارت البوذية تهتم بشؤون الموت
والحياة الآخرة، والشنتو بالحياة اليومية والطهارة.
- مدارس بوذية يابانية
أصلية:
- زن (Zen): من الصين (تشان)، تركز على
التأمل الجالس (زازن)، واستبطان طبيعة بوذا، والنصوص القصيرة (كوان، كوا – أسئلة
غير منطقية). أثرت على فنون الحرب وفنون الشاي والساموراي.
- جودو شينشو (الأرض النقية الحقيقية): المدرسة
التي أسسها شينران (1173–1263)، تركز على الإيمان ببوذا أميدا وتكرار اسمه (نامو
أميدا بوتسو) لضمان الولادة في الأرض النقية. أكثر المدرسة شعبية في اليابان.
- نيشيرين (Lotus Sutra): ترديد "نمو ميو هو رين
غيه كيو" تكريمًا لسوترا اللوتس.
تأثير الشنتو والبوذية على الثقافة
- بوشيدو (طريق المحارب): أخلاق الساموراي –
الولاء (تشوغي)، الشرف (ميوغو)، الشجاعة (يوكي)، النزاهة (ماكوتو)، الرحمة (جين)،
والموت الجميل (سيبوكو – هاراكيري). تأثر بالبوذية (تجاهل الموت) والشنتو
(الطهارة).
- هايكو (شعر): قصيدة من 17 مقطعًا (5-7-5)،
تعبر عن لحظة تأمل في الطبيعة (باشو، بوسون، إيسا).
- تشادو (طريق الشاي): طقوس إعداد وشرب
الماتشا (الشاي الأخضر)، تعكس مبادئ الزن (البساطة، الهدوء، الجمال غير المثالي –
وابي سابي).
- إيكيبانا (تنسيق
الزهور): فن ترتيب الأزهار، رمز لاتصال الإنسان بالطبيعة.
- الكابوكي (مسرح): رقص وتمثيل مبهرج، يرتدي
فيه جميع الممثلين أقنعة أو مكياج ثقيل (أصلهم من النساء ثم حظر واستبدل بالرجال).
ثالثاً: الكتابة والأدب الياباني المبكر
الكتابة الصينية (كانجي)
- استوردت اليابان
الحروف الصينية (كانجي) في القرن الرابع أو الخامس عبر كوريا. بدون نظام الكتابة
الأصلي، أصبحت الكانجي الهيروغليفية (كل حرف يمثل معنى، وأحيانًا صوتًا). لكن
النحو الياباني يختلف عن الصيني، فظهرت صعوبات.
- مانيوغانا: استخدام
الحروف الصينية لأصواتها (بدون معناها) لكتابة اليابانيات صوتيًا. ظهر في
"مانيو شو" (مجموعة من عشرة آلاف ورقة – حوالي 759 م) أقدم مجموعة شعرية
يابانية.
الهيراغانا والكاتاكانا – المقطعيات
- هيراغانا: انطلاقًا
من الحروف الصينية المبسطة، ظهرت كخط نسائي (لأن النساء منعن من تعلم الصينية).
استُخدم في الأدب الغنائي والروايات (موراساكي شيكيبو).
- كاتاكانا: أجزاء من
الحروف الصينية استخدمها الرهبان لتفسير النصوص الصينية.
- المقطعيات تحل مشكلة
الصرف والنحو الياباني. لكل مقطع (مورا) رمز واحد. أصبحت الكاتاكانا تستخدم
للكلمات المستعارة والأسماء العلم، والهيراغانا للكلمات اليابانية الأصلية
والنحويات، والكانجي للجذور المعنوية.
أبرز الأعمال الأدبية القديمة
- كوجيكي (712 م):
أساطير الخلق، سلالة الأباطرة، تاريخ مبكر مختلط بالأساطير.
- نيهون شوكي (720 م):
تاريخ رسمي أكثر انتظامًا بالصينية.
- مانيو شو (759 م):
قصائد من جميع الطبقات، كتبت بالمانيوغانا. أشهر شاعر: هيتومارو.
- حكاية غينجي (1008
م): رواية للأميرة موراساكي شيكيبو، تتبع حياة الأمير غينجي وعلاقاته، وتحليل نفسي
عميق، ويعتبرها الكثيرون أول رواية حديثة في العالم.
- حكاية مقعد (1002 م):
ساي شوناغون، سلسلة انطباعات وقصص قصيرة من البلاط الإمبراطوري، روح الدعابة
والسخرية.
رابعاً: العلاقات الاجتماعية – الساموراي،
الفلاحون، النساء
الساموراي (طبقة المحاربين)
- نشأت خلال فترة هيان.
بوشي (محارب) مخلص لزعيم إقليمي (دايميو). تبنت أخلاق بوشيدو (طريق المحارب) الذي
بلور لاحقًا في عصر توكوغاوا.
- امتيازاتهم: حمل
سيفين (طويل وقصير)، لقب، قطع رأس من يهينهم، معاش من الأرز.
- سيبوكو (هاراكيري):
الانتحار الطقوسي بشق البطن لتجنب العار أو لتجنب الوقوع في أيدي العدو. يعتبر
موتاً مشرفاً.
الفلاحون والحرفيون
- الفلاحون هم الطبقة
الأدنى (في الترتيب الكونفوشي) لكنهم أهم لإنتاج الأرز. عاشوا قسوة وفقرًا وخضعوا
للضرائب والخدمة.
- الحرفيون (نجارون،
حدادون، فخاريون، صانعو سيوف) كانوا محترمين أحيانًا.
- التجار كانوا في أسفل
الهرم (لأنهم لم ينتجوا شيئًا)، لكن ازدهروا لاحقًا رغم الوضع القانوني.
النساء في اليابان القديمة
- في عصر ياماتو
المبكر، كانت بعض الحكّام نساء (الملكة هيميكو، ملكة "وا" التي أرسلت
سفارة للصين). وبعض الإمبراطورات حكمت لاحقًا (الإمبراطورة سويكو في القرن
السابع).
- خلال فترة هيان،
تمتعت نساء الطبقة العليا بقدر من الحرية، وكتبن روائع الأدب (موراساكي وساي). لكن
مع صعود الساموراي وبوشيدو، تراجعت مكانة المرأة (فكرة "المرأة تابعة للرجل،
وحياتها تهدف لخدمة الأسرة").
- النساء الساموراي
تلقين تدريبات على استخدام الناجيناتا (رمح صغير) للدفاع عن المنزل.
القانون ونظام الحكم
- الهيكل المبكر:
إمبراطور مقدس (تينو) رمزي، يليه في العصر العسكري الشوغون (حاكم عسكري فعلي).
تحتهم الدايميو (أمراء الأقاليم)، ثم الساموراي الذين يخدمونهم.
- الشريعة مستمدة من
دستور الأمير شوتوكو (604 م) الذي نص على الانسجام، واحترام البوذية، والطاعة
للملك.
خامساً: الفنون والعمارة
العمارة
- مزارات الشنتو (إيسه
جينغو) تعاد بناؤها كل 20 سنة (تقليد ياباني للخلود عبر التجديد).
- المعابد البوذية
(هوريو جي، نارا) أقدم مباني خشبية في العالم.
- قلاع الساموراي
(هيميجي – "قلعة مالك الحزين الأبيض") متعددة الأجنحة، فخمة، ومحصنة.
- حدائق الزن بالحجارة
والماء والطحالب (كيوتو، ريوآن جي).
الفنون البصرية
- المخططات الإيماكي:
لفائف القصص المصورة (أواخر هيان).
- الطباعة الخشبية
(أوكييو-إي): رسوم لعالم الترفيه، الممثلين، المحاربين، المناظر الطبيعية. عصر
إيدو (1603–1868). أثرت على الانطباعيين الأوروبيين (فان جوخ، مونيه).
- أقنعة نو (مسرح نو):
تعبيرات محددة، ترمز لشخصيات أسطورية أو أرواح.
السيوف اليابانية
- حداد أساطير: شفرات
منحنية (كاتانا)، مصنوعة من الفولاذ المطوي (تاتارا – تكرير خام الحديد)، حادة
للغاية. كانت تعتبر روح الساموراي.
- صناعة السيوف كانت
طقسًا دينيًا شنتويًا.
خاتمة – إرث اليابان
للعالم
اليابان القديمة والعصور الوسطى (قبل افتتاحها
عام 1854) خلقت تراثاً فريداً:
- البوذية اليابانية
(خاصة زن) ألهمت العديد من الغربيين (الفن، علم النفس، الإدارة).
- فنون الدفاع عن النفس
(الجودو، الكاراتيه، الأيكيدو) أصلها من تقنيات الساموراي.
- الحساسية الجمالية
(وابي سابي – الجمال في النقص، الزوال، البساطة) أثرت في التصميم والهندسة
والعمارة الحديثة.
- القصص المصورة
(مانغا) والرسوم المتحركة (أنيمي) لها جذور عميقة في لفائف الإيماكي وأوكييو-إي.
- النظام الإداري
المستقر (الولاء للقائد، الترقية على أساس الجدارة) ألهم بعض نماذج الشركات
الحديثة.
ورغم التحديث السريع بعد ميجي (1868)، ما زالت
اليابان تحافظ على مزاراتها، طقوس الشنتو، البوذية، واحترام الساموراي كرمز
أخلاقي. اليابان هي مزيج حي من الأصالة والاستيراد، عزلت نفسها طوعاً ثم انفتحت
لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم. تظل أرض الشمس المشرقة شاهداً على قدرة الحضارة
على التطور دون أن تفقد جذورها.
تعليقات
إرسال تعليق